وجهة نظر

العهد الوبائي مستمر وعلينا إبقاء اليقظة

و أنا أتابع أخبار العالم، منذ مساء أمس، يتأكد أن السلالة المتحورة من فيروس كورونا القادمة من جنوب إفريقيا، تتميز بشراسة حقيقية تجعلها قادرة على إيذاء الناس بشكل أكبر، و بصفة خاصة من كانت مناعتهم ضعيفة و لم يستفيدوا من التلقيح.

لذلك، علينا أن ننتبه إلى حقيقة صامتة لا يتحدث عنها أحد، للأسف، ألا و هي التراجع الكبير في جهود التعبئة و التواصل من أجل دعوة الناس إلى إبقاء الاحتياطات الوقائية، أساسا الكمامة، و تشجيعهم على الإقدام على أخذ جرعات التلقيح. كما نلاحظ انحسارا في وتيرة الإقبال اليومي للمواطنين على التلقيح. و الإحصائيات التي تحملها النشرات اليومية التي تصدرها وزارة الصحة، واضحة تبين الإيقاع البطيء كل يوم أكثر…

بكل وضوح، يجب الاعتراف أننا صرنا بعيدين عن الديناميكية الحماسية و التلقائية التي كان فيها المواطنون يقبلون على أخذ الجرعات بكثافة و ينخرطون بروح عالية من المسؤولية. و في رأيي، لهذه الوضعية سببين رئيسيين :

– أولا، الطريقة التي تم من خلالها، تنزيل قرار إلزامية جواز التلقيح من طرف وزارة الصحة، و التي تميزت بتسرع كبير و غياب للتواصل الفوري و الشامل لتوضيح الصورة و المحافظة على جو الطمأنينة الذي كان المواطنون يشعرون به و يسيرون في إطاره، بثقة كبيرة في ما تبذله الدولة من مجهودات لتحصين مناعة الأفراد و المجتمع.

– ثانيا، حملة التصدي لقرار إلزامية جواز التلقيح، التي تمت برغبة حقيقية من طرف بعض الجهات في خلط المواضيع و الملفات، و تهييج الشارع عبر التركيز على حالات استثنائية خاصة لبعض ما وصف بأنه “آثار جانبية” قيل أن سببها التلقيح، و هو ما لم يؤكده أي مصدر علمي أو طبي محايد!!!. كما تم نشر قصص خرافية شعبوية، و إشاعة “نظرية المؤامرة الدولية” في قضية التلقيح، ساهمت في ذلك، للأسف، شخصيات روجت لتلك الأقوال بخلفية سياسية واضحة. و النتيجة هي أنهم نجحوا في جعل الخوف من التلقيح يسكن نفوس الناس، و يساهم في تراجع الوتيرة التي كانت تسير بها الحملة الوطنية للتلقيح…

أتمنى أن لا نصل يوما إلى خلاصة مفادها أن ما جرى، من أثر السببين الذين ذكرتهم أعلاه، ساهم في إضعاف قدرتنا على إكمال مناعتنا الجماعية، و على تعزيز مناعة عدد كبير من الأشخاص، في مواجهة السلالات الجديدة، في حالة ما إذا تسربت، لا قدر الله، إلى بلادنا حفظها الله و حفظ أهلها من كل سوء. حينها، سيكون بالتأكيد على من كانوا سببا في إحداث ذلك الارتباك، أن يتحملوا مسؤولياتهم السياسية و الأخلاقية.

لذلك، و أنا أنوه بكل قوة بقرار السلطات العمومية ببلادنا القاضي بإغلاق المجال الجوي، من منطلق الحرص و المسؤولية و الاستباقية التي سرنا عليها بقيادة جلالة الملك أعزه الله، منذ مارس 2020 في مواجهة الجائحة الوبائية، أدعو إلى أن نصحح المسار خلال ال 15 يوما من الحماية الجماعية التي أمامنا، بفضل قرار قطع الطريق على سلالة omnicon من الولوج لبلادنا، و استثمار هذه الفترة، لنستأنف بديناميكية تلقائية قوية عمليات التلقيح و نعود لتواصل يخلق التعبئة في ظروف أزمة وبائية أصبح البعض يتصرف و كأنها انتهت، بينما هي لم تنته و لا يبدو أنها ستنتهي قريبا في ما أسميته من قبل “عهدا وبائيا جديدا علينا أن نتعايش معه، لمدة قد تصل إلى عشر سنوات”.

هنالك من مواطنينا من لا زال عليه أن يأخذ الجرعة الأولى أو الثانية، و هنالك حاجة إلى تكثيف إقبال الناس على الجرعة الثالثة. و لا شيء يجب أن يخيف الناس من التعاطي بكل ثقة مع التلقيح، طبعا مع الأخذ بعين الاعتبار الحالات التي يفرض وضعها الصحي أن لا تأخذ جرعات التلقيح لأسباب يحددها الأطباء.

يجب أن نتحدث مع الناس لغة الصدق و الصراحة، و نبين لهم أن كل الانتقادات التي قيلت بشأن التلقيح، يمكن أن يؤخذ منها و يرد عليها، لكن لا أحد من المنتقدين استطاع أن يثبت أن التلقيح لا يساهم إيجابيا في تعزيز مناعة الأفراد. بل بالعكس، كل المصادر العلمية الرصينة و الموضوعية تؤكد أن التلقيح يحمي المستفيد منه بدرجة عالية، و حتى لو أصابته العدوى من جديد، لا تذهب به إلى وضعية الحالات الحرجة التي قد تنتهي بالاختناق و الوفاة.

لذلك، نحن مدعوون إلى أن نكثف التواصل العمومي بشكل أكبر، و أكثر قدرة على التأثير في الناس و دفعهم إلى المبادرة التلقائية الرضائية للاستفادة من التلقيح…. و أقولها بوضوح، مبادرة تلقائية نابعة من الوعي و الإحاطة بالمعلومات السليمة و الصحيحة، و الثقة و المبادرة الطوعية، حتى نصل، في غضون 15 يوما القادمة، إلى مستوى أكبر من المناعة الجماعية، و نصمد أكثر و أكثر أمام ما هو قادم في الأشهر المقبلة.

و حتى تكون الأمور واضحة، ما هو قادم من سلالات أكثر شراسة، قد يكون صادما لدول العالم أجمع. و لهذا، من باب الاستباقية التي التحسب، و لكي نحافظ على ما نحن فيه من استمتاع بعودة حياتنا اليومية شبه الطبيعية، في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية، يجب أن نهتم بالعودة إلى جو التعبئة و اليقظة، و نعود إلى التذكير و الالتزام بالإجراءات الاحترازية الوقائية الأخرى (الكمامة / التباعد الجسدي/ غسل الأيدي)، و نكثف دعوة المغاربة للتلقيح، حتى تستمر الحياة و لا تعود إلى التوقف من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.