وجهة نظر

البلاغ الثلاثي تواطؤ أم تخبط

فوجئ الرأي العام الوطني بصفة عامة والرأي المهني على وجه الخصوص بأسلوب جديد في التخاطب والتواصل يتمثل في البلاغ الثلاثي الذي وقعه كل من السيد وزير العدل والسيد رئيس السلطة القضائية والوكيل العام رئيس النيابة العامة ومفاده أن الولوج للمحاكم بالنسبة لعموم المحامين سيصبح عبر الإدلاء بجواز التلقيح وأننا أمام مهلة إلى حدود العشرين من الشهر الحالي لتطبيق ما ورد في القرار أو البلاغ .

وللحقيقة و التاريخ وبغض النظر عن السجال المحتد وطنيا ودوليا حول شرعية فرض جواز التلقيح كوسيلة للولوج إلى المؤسسات العمومية والمحاكم سواء من الناحية القانونية في غياب أي نص قانوني يقول بالإلزامية سواء بخصوص التلقيح أو الجواز أو من الناحية العلمية المحضة في إطار الإستراتيجية المتبعة لمحاصرة الوباء واتخاذ التدابير الاحتياطية من موجة رابعة قد تكون خطيرة فإن ما يثير الاهتمام و الانتباه ويشكل علامة فارقة دشن بها السيد حارس الأختام مهامه على رأس وزارة العدل هو هذا الشكل الاستفزازي الذي فضلت كل من وزارة العدل والسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة مخاطبة جمهور المحامين ومؤسساتهم المهنية نقباء ومجالس وجمعية هيئات المحامين بالمغرب وهو أسلوب ينطوي على رسائل يشوبها التواطؤ والتخبط وتحيل على الكثير من الالتباس والخلط فضلا عن الخطأ الواضح في العنوان والتوتر المقصود بين الدال والمدلول .

الالتباس الأول :

أول الخطايا ومنبع الإصرار على الالتباس ينبع من اختيار وزارة العدل في شخص الزميل السيد وزير العدل باعتباره المسؤول قانونا عن المحاكم كبنيات أسلوب الاستعلاء والهروب إلى الأمام والتسرع في إنزال القرار الجاهز سلفا في الكواليس المتمثل في فرض الجواز وقد كان أمام اختيارات عدة بدلا من البلاغ الثلاثي وكان من الممكن أن يجتمع مع السادة النقباء في إطار لجنة التنسيق المركزية بين الجمعية والوزارة وكان ممكنا طرح الموضوع للنقاش والتداول في لقاءه منذ أسبوعين مع السادة أعضاء مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب.

لكن تم تفضيل أسلوب الاستعلاء والتنصل من كل الأعراف والتقاليد الراسخة في تدبير كل المشاكل التي يعرفها القطاع والمبادرة إلى تكريس القطيعة وهو تصرف غير منعزل إذ أن السيد الوزير ومنذ اليوم الأول لمباشرة مهامه وهو يتنقل من تصرف وقول استفزازي إلى آخر بزملائه ونقباءه في مخاتلة واضحة لمشاكل العدالة الحقيقية .

كما تم تفضيل أسلوب الاختباء وراء السلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة لمغالطة الرأي العام وإثارة الالتباس وهدم حدود الاحترام والاختصاصات المقررة قانونا بين الموقعين على البيان آو البلاغ وهيئات المحامين بالمغرب .

وكما يقال الرجل هو الأسلوب وأسلوب وزير العدل ينطوي على التطوع لتقديم خدمات مجانية ملتبسة ضد مهنة الدفاع التي صنعت للوزير اسما و مالا وجاها.

فلماذا زميلي العزيز عفوا سعادة الوزير فضلت التحدث عنا بدلا من الحديث معنا وهل عجزت عن إصدار منشور يلزم الولوج إلى المحاكم بجواز التلقيح على كل المرتفقين تتحمل فيه كامل المسؤولية وتوجهه إلى كل المتدخلين في مجال العدالة وهل تفضلت وزارة العدل بإجراء إحصاء لكل من السادة القضاة وموظفي كتابة الضبط الملقحين وغير الملقحين قبل المرور إلى المهن القضائية وكافة المتدخلين في مجال العدالة وهل تتوفر على خريطة دقيقة للعنصر البشري العامل داخل المحاكم بمختلف مهامهم وتدخلاتهم واحتياجاتهم وخطط التدخل بتنسيق مع الجهات الطبية المختصة خاصة وإننا أمام مرفق لا يقبل العشوائية والانتقائية أم أن مهمتك تقتصر على استفزاز المحامين والتنكيل بمصالحهم والتشهير المجاني بهم عبر ابتداع شعارات التهرب الضريبي والمتاجرة بقضايا البؤس والبؤساء في المحاكم وهي قضايا سبق أن طرحت في إطارها الصحيح والمؤسساتي دون بهرجة أو تكسب شعبوي .

ثاني الخطايا :

إقحام السلطة القضائية في أمر لا يعنيها لا من قريب أو بعيد على اعتبار أن سلطة القاضي داخل الجلسات وليس خارجها ولا يوجد في القانون ما يعاكس هذه الحقيقة الموضوعية والقانونية وهو ما يشهد على انزلاق خطير في الفهم والتدبير لمرحلة الجائحة وما تؤسس له من مفاهيم وبدع تناقض دولة المؤسسات فضلا على أن السلطة القضائية هي أساسا سلطة اقناعية وليست سلطة قمعية مع الفروق الجوهرية بين المفهومين فلسفة ومفهوما وتطبيقا .

ثالث الخطايا :

إقحام رئاسة النيابة العامة في موضوع الولوج إلى المحاكم عبر إلزامية الجواز ومخاطبة السيد رئيس جمعية هيئة المحامين بالمغرب عبر بلاغ والحال أن سلطة الاتهام واضحة وصريحة مجالات تدخلها ومن العسر بل من المستحيل تصور تدخل سلطة الاتهام في غياب نص قانوني واضح وصريح فضلا على أن مقتضيات قانون الطوارئ الصحية لا تسعف فضلا عما في ذلك الإقحام من تراجع عن روح دستور 2011 وما تم التنظير له ومراكمته من عمل مؤسس لاستقلالية النيابة العامة .

ومن ثم فإن السؤال الذي يفرض نفسه في أي إطار يمكن تصنيف البلاغ هل في إطار القانون أو في إطار التنسيق بين السلط الثلاثة السلطة التنفيذية والسلطة القضائية وسلطة الاتهام وهل هذا التنسيق يروم تقنين حق الولوج إلى مرفق العدالة تحت مسمى حماية المواطنين أم هو رغبة في تغيير جغرافية الهياكل والمؤسسات الأساسية التي تتدخل في صنع العدالة كل من جانبه واختصاصه والكشف عن علاقة سلطوية في التعامل ومخاطبة مهنة المحاماة .

وهل البلاغ يشكل إعلان قطيعة رسمية مع كل أشكال ومؤسسات التنسيق التي كنا نشتغل فيها جميعا من أجل مصلحة المواطنين وتدبير شؤون العدالة من أجل التغلب على الاختلالات الطارئة والبنيوية التي يعرفها حقل العدالة بالمغرب .

لقد تم تغييب كل المؤسسات التنسيقية واستبعادها بشكل مسبق وبتصميم أكيد من حارس الأختام وتم تفضيل لغة البلاغ أي علاقة القوة والسلطة تحت ستار ورغبة إسناد وظيفة ” دركي ” إلى جمعية هيئات المحامين بالمغرب لتقوم ” بمهمة ” حماية المحاكم من المحامين ” مصدر الوباء وناشره ” وهو الخطاب المسكوت عنه في البلاغ الثلاثي و لحسن الحظ أن مكتب الجمعية في بيانه الصادر في الموضوع رد على هذا الإسناد الضمني و المتعمد وميز بين المجهود المبذول للتغلب على الجائحة وبين المقتضيات الدستورية والقانونية التي تعلوا فوق رغبات التسلط والتجاوز . وإلا لماذا لم تتوجه السلط الثلاث بأي بلاغ أخر لعموم المترفقين والهيئات المهنية الأخرى من عدول ومفوضين قضائيين وخبراء وكتابة الضبط وهو سكوت كاشف للمسكوت عنه في الموضوع وهو سكوت نحت بعلاقة القوة والتسلط التي يتم التأسيس لها .

للأسف الشديد برهن السيد وزير العدل على هوايته المفضلة هبة التسرع والتجرد من الحكمة وهي صفتان تجعله ابعد عن إعطاء مسؤولية حارس الأختام التي انيطت به المكانة التي تستحقها فهو أضحى أقرب إلى السلطان خريبط البطل الشهير في مدن الملح للكاتب عبد الرحمان منيف منه إلى أي شيء أخر –وخريبط هو من أتلف العلاقة الطبيعية بين الأشياء – .

هذا التعليق هو في عمقه تعبير عن انزعاج ورفض لهذا التأسيس الجديد لعلاقة الدفاع بمكونات العدالة من سلطة قضائية و سلطة اتهام و وزارة العدل بنفس القدر الذي هو رفض لمحاولة إعادة ترتيب هذه العلاقة عبر لغة وأسلوب يحاول صياغة مفاهيم جديدة للعدالة والحرية والسلطة داخل حقل مكونات العدالة بشكل مأزوم بدلا من خلق مجال تداولي منتج وفعال وهو أمر غريب من مؤسسات دستورية اتجاه مهنة حرة ومستقلة ومنظمة بالقانون.

إن هذا النقد الذي يبحث في حدود صلاحية البلاغ كإجراء و أسلوب هو في عمقه دفاع عن المؤسسات وحرمتها وهو إعلان عن ضرورة اشتقاق إمكانيات جديدة للعمل والتدبير بدلا من البحث عن علاقات تسلطية وهو أمر بعيد عن أي عصيان كما ذهبت إلى ذلك بعض الأقلام في استعادة لوظائف ملتبسة .

إنه مطالبة واضحة لاحترام القانون واختصاصات السلط واستحضار الحكمة وعدم إعدام القنوات الضرورية التي سبق تأسيسها والاشتغال بها لتدارس المشاكل بعيدا عن لغة التسلط والسلطوية التي تداعب مشاعر العديد من المتدخلين والذين كانوا إلى عهد قريب يحاكون شعارات الحرية واحترام القانون ؛ وبدلا من الاشتغال على الملفات العالقة فضلوا الاشتغال على تقويض مهنة الدفاع .

لكن التاريخ يشهد أن الشعارات في الغالب تهتك من طرف حامليها.

* محامي بهيئة الرباط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *