مجتمع

نوابغ مغربية: عبد الله بن خضراء.. موهبة سلاوية حازت عالِي الوظائف الرسمية وغالي الهِبات السلطانية

تميز المغرب عل مدار تاريخه ببزوغ شخصيات نابغة أبدعت في مجال تخصصها وأسهمت في بناء الإدراك المعرفي للمجتمع وشحذ الهمم والارتقاء بالوعي الجمعي، كما رسخت عبقرية المغاربة بتجاوز إشعاعها حدود الوطن، ومنهم من لا تزال إنتاجاتهم العلمية والمعرفية تُعتمد في الحياة وتدُرس في جامعات عالمية.

هم رجال دين وعلماء ومفكرون وأطباء ومقاومون وباحثون ورحالة وقادة سياسيون وإعلاميون وغيرهم، منهم من يعرفهم الجميع وآخرون لم يأخذوا نصيبهم من الاهتمام اللازم، لذا ارتأت جريدة “العمق” أن تسلط الأضواء على بعضهم في سلسلة حلقات بعنوان “نوابغ مغربية”، لنكتشف معًا عبقرية رجال مغاربة تركوا بصمتهم في التاريخ.

الحلقة 45: عبد الله بن خضراء.. موهبة سلاوية حازت عالِي الوظائف الرسمية وغالي الهِبات السلطانية

رأى الصبيُّ عبد الله بن محمد الهاشمي بن خضراء النور بحاضِرة سلا المغربية سنة 1844، من أسرة تعود بأصولها الاجتماعية والجغرافيا إلى الساقية الحمراء، تفرّقت بين حاضرة سلا وإقليم شفشاون ابتداء من القرن الثامن عشر، ومدينة فاس وفلسطين وأرض الحجاز، وما “زال عقِبهم على اتّصال بأبناء عمومتهم الخضراويين السّلاويين”، حسب “معلمة المغرب”، ص: 3744. ترعرع الفتى النابه وتفتّق وعيه والمغرب يعيش على إيقاع معركة إيسي الشهيرة، في مرحلة حُكم السلطان محمد بن عبد الرحمن العلوي.

في سلا قضى طفولته وتعليمه الـمبكِّر، وفي إحدى كتاتيبها حفظ القرآن الكريم. وحين شبَّ درس على جِلّةٍ من فقهاء وعلماء سلا، كالشيخ محمد بن عبد العزيز محبوبة، والقاضي أبو بكر بن محمد عوّاد.

تاق للرحيل إلى بلاد الحجاز، فسافر، ماراًّ بالإسكندرية والقاهرة، حيث التقى فيهما بنخبة من العلماء، وأجازوه في بعض العلوم بجامع الأزهر الشريف، وأهمهم شيخه أحمد زيني دحلان، الفقيه والمؤرخ الحجازي الكبير، ومفتي الشافعية في مكة المكرّمة.

تزوج السيد ابن خضراء، فكان نِعْم الزوج والأب، فأنشأ على طاعة الله أولاداً نابغين بَررة، اشتهر منهم إدريس، الذي كان عالما كبيرا في علم القراءات، وعُيِّن عَدْلا في سلا ثم قاضيا في الصويرة. والطّيب الذي كان أديبا وشاعرا وصوفيا، ومحمد الذي كان عالما ورئيسا لمحكمة الاستئناف الشرعي.

كان التّعليم والتّدريس أحبَّ إلى الفقيه المجتهد عبد الله، فما إنْ عاد إلى المغرب حتى شرع في مزاولة التدريس بمسقط رأسه أوّلاً، واشتهر بين معلِّمي عصره، بجمْعه بين الشِّعر والنّثر والفقه وإتقان علم الحديث، الأمر الذي أهّله لمزاولة الخَطابة والوعظ إلى جانب التعليم، فغدت مساجد سلا عامِرة به وبدروسه، وانتفع به خلْق كثير.

وكجَاري عادة المشهورين من أهل العلم في كل مرحلة؛ وبسبب الأنباء التي وصلت عنه وعن دروسه وذكائه ومقارباته الفقهية الاجتهادية؛ رَبطته صِلاتٌ بمجموعة من علماء فاس ومراكش، فسافر إلى عاصمة المرابطين للمرة الأولى في حياته، وهناك أُتيحت له فرصة التقرُّب من كبار أعيان وعلماء مراكش، وحَظـي بالـمثول بين يديْ السّلطان الحسن الأول في إطار احتفاء كبير أُقيم على شرف الأدباء والعلماء. ولما كان الرجل ناثرا وشاعرا مُـجيدا، فقد تقدَّم بين يدي السلطان بقصيدةٍ شعرية مدحية، جاء في مطلعها:

لبيكَ لبيكَ يا خير السّلاطينِ * أدامـــــك الله في عِـــــــــزٍّ وتَــمـكــــيـــنِ

فأهدى إليه قصيدة جميلة كانت محطّ إعجاب السلطان، الذي أعطى أوامره بإكرامِ السيد ابن خضراء والإنعام عليه بــ”ظهير التوقير والاحترام”، /انظر: “من أعلام الفتوى في مراكش على مر العصور، ص: 59. وشاءت الأقدار أنْ تكون تلك المناسبة والالتفاتة السلطانية بداية الارتباط الطويل الأمد للعلّامة عبد الله بمدينة مراكش، وبالوظائف السامية في المملكة الشّريفة، أعلاها شأناً في بواكير حياته العامرة؛ الترقية لرُتبة مُدَرِّس ومُفْتٍ رسمي لجامعة ابن يوسف العريقة، زاول في رحاب جامِعِها مهامه العلمية والإفتائية بتفانٍ وإخلاص وجدية، واشتهر في المدينة الحمراء قاضيا وفقيها ومفتياً قريبا من هموم الناس، مُجيدا في إنزال الفتوى منازلها.

حاول الفقيه عبد الله العودة إلى سلا، إلا أنَّ سيرته في جامع ابن يوسف وفي أوساط العلماء والعامة والطَّلبة، وأعماله لصالح دار المخزن فيما يتعلَّق بإحصاء صائر القصور السلطانية بمراكش؛ جعلت الحسن الأوّل يُـوَلِّيه منصباً جديدا في مراكش ألا وهو خِطّة القضاء سنة 1880، وسار فيها بسيْر القضاةِ العادلين والفقهاء المتمكِّنين، إلى جانب ذلك؛ كان كثيراً ما يستشيره السلطان في “النوازل وتَولِية الموظَّـفين الـخِـطَط الشرعية مِن قضاءٍ وفتوَى وعَدالةٍ وإمامةٍ وخَطابةٍ” /انظر: “معلمة المغرب”، ص: 3745، الأمر الذي صارَ معه أعرَف بأنواع الرجال وصلاحيتهم للمهام وجلائل الأعمال، ومطلعا على تدابير الدولة للأوقاف والأملاك العمومية.

وفي ذات السنة التي تولى فيها تلك المهمة المخزنية، أُضيفت إليه مهمة سامية أخرى، تمثلت في توليته مهمة وكيلٍ للجمارك، حسب ما أفادنا به الباحث أحمد متفكّر في مرجعه “من أعلام الفتوى بمراكش على مر العصور” ص: 59.

حين عودته لسلا، أرسلَ إليه السلطان مَن يَطلب منه القيام بمهمة رسمية أخرى، تتعلَّق بإحصاء الخزانة العلمية الكبرى بمدينة الرباط، وفي غضون سنة 1885، بعث إلى الحسن الأول بتقييد هامٍّ عن المكتبة. وهكذا؛ ما كان العلامة القاضي المجد يفرُغ من عمل رسمي إلا ويجد نفسه في معمان مهمة أخرى لصالح الدولة والمجتمع، تُزاحم ما لديه من التزامات تدريسية وأخرى علمية، حيث كان يعكف على تحرير رسائل وأجوبة وكُتب نفيسة.

ثم جاءت مرحلة السلطان عبد العزيز الذي خَلف أباه في الحكم بعد مدةٍ طويلةٍ أدار فيها الحاجب القوي باحماد بن موسى شؤون الـمُلك في البلاد، فكان المفتي والقاضي ابن خضراء شاهدا على مقدّماتها ومستجدّاتها ووضعية البلاد فيها. ولماّ قرر السلطان عبد العزيز الانتقال إلى فاس والاستقرار بها، كان أوّل ما قام به، تقريبُ العلّامة ابن خضراء من دائرته الخاصة، وجَعله مُستشاراً له، مُستفيداً من خبرته الواسعة ومواهبهِ المتعدّدة. وفي سنة 1899 كلَّفه السلطان عبد العزيز بوظيفة على درجة من الصعوبة والتحدي، في منصب قاضي قُضاة فاس.

في فاس، سيتسلّم الفقيه العدْل التقي عبد الله مهامه الجديدة من رحاب مسجد القرويين، وسيمضي في مهمته بحُسن السيرة والمسيرة، وسيحظى بالقبول في أوساط العلماء والصالحين والـمتقاضيِين من القبائل والعامة.

ومع تطوّر الأحداث في مغرب بدايات القرن العشرين، ألحّ عبد العزيز على الفقيه ابن خضراء الانضمام لمجلس الشورى الذي كانت جلساته “تُعقَدُ بدار المخزن لدراسة مَطالِب الدول الأجنبية المتكالبة على المغرب”، حسب تعبير “المعلمة، ص: 3745، لما كان يراه السلطان في الفقيه من رجاحة عقل وحكمة ولإجادته العربية والأمازيغية ولخبرته الطويلة في تقلد المهام الصعبة.

وعلى كلّ حال، فقد كان السلطان في مسيس الحاجة لرأي العلماء النزهاء المخلصين في المشورة، والمغرب يتربّص به الأعداء فيما بين 1904 – 1907، وتتكثَّف عليه الضغوط الاقتصادية والتجارية والجمركية والقانونية والقروض الأوربية، فكان ولا بدَّ من وجود القاضي العالِم العارِف سيدي عبد الله بن خضْراء، والفقيه أبو الفيض الكتّاني.

لقد كان العلّامة ابن خضراء بما آتاه الله من عِلم ولقُرباه مِن دوائر القرار في البلاد؛ مسموع الكلمة متبوع النصيحة والمشورة في دار المخزن وفي أوساط النخبة العُلَمَائية، وكان في رصيده الاضطلاع بسامي الوظائف الدينية والدنيوية، ومعايَشة لعصر سُلطانيين، وصدرا أعظم متنفّذ، ومرحلة حرجة من ضغوط الأوربيين على المغرب وسيادته، وانعقاد مؤتمر الجزيرة الخضراء.

أما وفرة إنتاجه وكريم خصاله فعديدة، وصفَه من عَرفوه بــ”العلامة الشهير، المؤلف الخبير، المستشار المؤتمن..”، وعدّه العلّامة الأديب عبد الله الجراري “من أبرز علماء سَلا وشيوخها الكبار”، وقال عنه عبد السلام بن سودة في “إتحاف الـمُطالِع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع” ص: 2843 “قاضي الجماعة (..) الـعلّامة الـمُشارِك الـمطَّلِع”.

تجلّت تلك الوفرة ومكارم الأخلاق السلوكية والعلمية في إشرافه على تخريج طبقات من التلامذة النجباء، وفي تزويد المكتبات بأنفس المؤلفات، المطبوعة منها وهي دون الستة عناوين، نذكر: “شرح الأرجوزة البيْـقونية في أقسام الحديث”، “الإتحاف بما يتعلّق بالقاف”، “منتهى الأرب في شرح بيتي العقل والأدب”، “تحذير عوام المسلمين من الاغترار بكلّ من يتساهل في الدّين”، “مرآةُ الفكر والنّظر في شَرْح فرائض الـمختَصَر”. والمخطوطة منها ما تزال تنتظر إسعافَ الباحثين الـمُجدّين وانخراط المحققين المتمكّنين، كــ:“تعليق على شرح لامية الزّقاق”، و”تعليق في التعريف بالإمام مالك” في حوالي 229 صفحة، و”شرح هَمزية الإمام البُصيري”، و”الرحلة الحجازية” التي خلّد فيها رحلته المباركة إلى بلاد الحجاز وأرض الكنانة.

كما له قصائد في صنف المديح النبوي، من بينها قوله في قصيدة جميلة:

_ هذا زمان طلوع طلعة أحمـدِ

في عالم الأجساد هذا المولـــــــــــــدِ

_ مديح خير الخلق أعظم قربة

لكنّـــه في ذا الأوان مُـــؤكَّـــــــــــــــــــــــــدِ

_ فاسرُد شمائله الحسان وما له

من معجـــزاتٍ بالنـــبــوّة تَــشهــــــدِ

حياة عامرة وسيرة مُلهمة نبتت في أرض التواضع وسُقيت من ماء الاجتهاد والعزم ونهلت من معين الطموح فوصلت لمراتب عالية بما اشتمل عليه صاحبها من نبوغ ومواهب وسَعة في العلم، أنهانا مرض الحمّى الذي سكن جسد الشيخ الكبير، وبقي مريضا إلى أنْ وافته الـمَنية بداره في فاس، يوم 19 مارس 1906، فيما ذهب العلّامة عبد السلام بن سودة في “إتحاف الـمُطالِع..” ص: 2843 إلى أنّ ابن خضراء توفِيَ بمقصورة السّماط بفاس، ودُفِن بزاوية النّاصريين بالسياج، ففقدت سَلا قاضيا ورِعًا مِن قضاتها، ومفتيا جهبذا من مفتييها، ومُستشاراً أمينا لسلاطين البلاد وفقيهاً انتفع على يديه الجم الغفير من العباد.

مصادر ومراجع:

* “معلمة المغرب”، مجموعة من المؤلِّفين، إشراف محمد حجي، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنّشر، مطابع سَلا، الطبعة الأولى 1989

* (بن سودة) عبد السلام بن عبد القادر: “إتحاف الـمُطالِع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع” القسم الثاني، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية 2008، نسخة إلكترونية.

* (متفكر) أحمد: “من أعلام الفتوى بمراكش على مر العصور”، مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال، الطبعة الأولى 2013، المطبعة والوراقة الوطنية – مراكش.

* مجلة “دعوة الحق”، العدد 169، نسخة إلكترونية.

* موقع الرابطة المحمدية للعلماء، 25 شتنبر 2008

* إعداد: عـدنان بـن صالح/ باحث بسلك الدكتوراه، مختبر “شمال المغرب وعلاقاته بحضارات الحوض المتوسِّطي”، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي – تطوان.

* الصورة تعبيرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.