وجهة نظر

الوطنية الجديدة .. من بنخطاب وأوريد إلى الكامل

03 يناير 2022 - 20:37

شغل تفكيري في الأيام الأخيرة، موضوع الوطنية، بعد أن قرأت مقالا للأستاذ حسن أوريد، نشر على الموقع الإلكتروني لمجلة زمان، تحت عنوان “الوطنية الجديدة”؛ يقول فيه: أنه استأثر باهتمامه وهو يتابع أحد البرامج التلفزيونية، حديث للباحث عبد الحميد بنخطاب، عن مفهوم جديد للوطنية المغربية، غير الذي انتظم في ثلاثينات القرن الماضي.

استبد بي التفكير في هذا الموضوع، “الوطنية الجديدة” لأيام، وذلك لكون الأستاذ الحسن، يقول في مقاله، بعد أن أعطى تعريفا لما هي الوطنية، أن هذه الأخيرة عقد تتجدد مقتضياته مع كل جيل، وأن الإطار الذي انتظمت فيه الوطنية المغربية في ثلاثينات القرن الماضي، لم يعد قائما، وكان يتحدد في مواجهة الآخر الذي كان حينها المستعمر؛ حاولت خلالها أن أهتدي إلى مفهوم جديد للوطنية اقنع به نفسي على الأقل، إذ الوطنية في عرفي، ليست اصطلاحا يحتاج إلى تعريف وتحديد من أكاديمي أو من عالم لغوي، وإنما هي إحساس وشعور يتولد في النفس نتيجة مجموعة من الأحداث التي تطبع الحياة اليومية للأفراد، ولعل أهم هذه الأحداث، القرارات التي تتخذها مؤسسات الدولة، وتمس بشكل مباشر حياة الأفراد اليومية.

انتهيت في الأخير، بعد أيام من التفكير والتروي في المفهوم الجديد للوطنية، إلى طرح سؤال على نفسي، فحواه، “ما الوطنية بالنسبة لك يا هذا؟”، حين بدأت بالبحث عن إجابة لهذا السؤال، تيقنت أن الإجابة الأكاديمية عنه لا تهم كثيرا، بقدر ما تهم الأحداث والتطورات التي نعيشها في الوقت الحاضر، والتي يمكنها التأثير في تكوين مفهوم الوطنية لدي ولدى من هم أمثالي.

نعيش اليوم وضع استثنائي عالمي، يطبعه اللايقين في كل شيء، حتى في العلوم الحقة، التي كنا بالأمس نعدها عنوانا للحقيقة واليقين الذي يولد الراحة في النفس ويحقق الطمأنينة، وحتى الأنظمة الفكرية التي كانت تؤطر الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تهاوت بشكل “غير متوقع”، سقوط مدوي لنظام الليبيرالية وكريمته النيوليبيرالية، وقبله سقوط مدوي للمؤسسات الدولية، والتي قال عنها المرحوم المهدي المنجرة، قبل ثلاثة عقود ونيف، أنها انتهت، وقد أصاب حين قال، أن مؤسسات القرن 20 لا يمكنها أن تساير حياة القرن 21، بل أكثر من ذلك، نكوص واضمحلال لكثير من القيم التي كنا نعدها عقيدة للعالم الجديد، كالحرية والحق في التعبير وابداء الرأي وغيرها من الحقوق التي تدور في فلكها، ولعل جائحة كورونا، كانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقال، لعلها فقط المحلول الكاشف عن أعطاب العالم الجديد، وبالمناسبة فالمنجرة رفض سنة 1993 هذا الوصف، وقال “ليس هناك نظام دولي جديد. هناك فوضى منظمة …”، وهو نفس القول ربما يقوله الحسن أوريد في مؤلفه المميز “عالم بلا معالم”، وإن كان، حسب ما فهمته من بعض كتاباته، لا يتفق مع المنجرة حول ما أسماه هذا الأخير “الحرب الحضارية”.

كل هذه الأمور كان لها تأثير على المستوى الوطني، وعلى القرارات التي اتخذت بدءا من عام 1989 لتوطين الليبيرالية بالمغرب، ومن الصدف أن أكون ولدت بعد هذا التاريخ الفاصل في السياسة الوطنية، التي شكلت المغرب الجديد، وهي الفترة التي ستشكل بالنسبة لي مفهوم الوطنية، التي أراد لها الأستاذين بنخطاب وأوريد، أن تكون جديدة.

بل إن ما سيشكل مفهوم الوطنية بالنسبة لي هو اليوم والأمس، وليس كل تلك الفترة الممتدة من عام 1989 إلى عام 2021، لأني لم أعش وضعا عصيبا كما أعيشه اليوم، ولم أتأذى من القرارات الرسمية كما أتأذى منها اليوم، أنظمة أساسية تنظم مسار مهني وتحدد حقوق وواجبات أطر، لا ترقى لمستوى قانون، ولا يتم نشرها بالجريدة الرسمية، حتى لا يعذر أحد بجهلها؛ قرارات حكومية يعلن عنها بقصاصة إخبارية في التلفزة الرسمية، ومذكرات وزارية تسمو على القانون الإطار، وتهتك سجف المبادئ الأساسية التي أحدثها دستور 2011، بل أُمنع من ولوج المؤسسات العامة والخاصة، بدعوى أني لا أتوفر على ما سمي “جواز التلقيح”، والحقيقة أن التلقيح قيل أنه أمر اختياري، يبقى تقريره مرتبطا بالقناعات الشخصية للأفراد، دون أن نجبرهم عليه.

بل إني في عرف من وُكلت له مهمة خدمة الوطن والمواطنين، ونحث مفهوم جديد للوطنية، أقلية لا يسمح لي أن أبدي حتى رأيي بخصوص “جواز التلقيح”، بل إن وزيرا يدفن رأسه في التراب لتمر العاصفة التي أحدثها قرار أصدره، ويخرج آخر، وبصفاقة، لينوب عنه ويضرب باليمين والشمال في ما أسماه “الفايسبوك” “وما يريده الفايسبوك والمواقع الاجتماعية”، ثم بعدها يخرج علينا نفس الشخص في وصلة مصورة، يقول فيه لأحدهم، وبتعبير ينم عن ديكتاتورية تسكن نفس الرجل واعتداد بالشخصية قل نظيره، وفيه الكثير من الجور، أنه وزير ويعرف لون جواربه، ثم وفي وسْط البرلمان يتراشق نفس الوزير مع وزير سابق وبأسلوب وعبارات لا تليق بحرمة المكان والمنصب.

وقبل ذلك يخرج مدير الموارد البشرية بإحدى الوزارات، ليحط من قدر الشهادات الأساسية التي تمنحها الكليات ذات الاستقطاب المفتوح، وبطريقة أقل ما يقال عنها أنها مهينة وتسيء للمؤسسات الرسمية للدولة، ثم يقول بعدها أن لا مكان لتلك الشواهد، ولا حظ لها في الولوج لمهنة التدريس في المستقبل.

الأسوأ ليس هو وضع شروط لولوج مهنة معينة، أو جعلها مقصورة على شهادات معينة، وإنما هو الفتك بالأحلام، ومنع الناس من أن تحلم، فكيف سيواجه ملايين الشباب الحياة بدون حلم يعيشون على أمل تحقيقه؟ ألم يكن الأجدى أن نترك باب الحلم على الأقل مفتوحا، حتى نضمن حياة سليمة للمجتمع، ألم يكن بالإمكان تبرير القرار المتخذ بطريقة تضمن ألا نستعدي ضد مؤسسات الدوال عشرات الألاف من الشباب، بل ألا توجد هناك طريقة لتبرير القرارات التي تتخذ تضمن الحد الأدنى من الإحساس بالوطنية، وبأن ما يأخذ منا يعطى للوطن.

يبدو أن مشكلة هذا الجيل والتي ستأثر على مفهوم الوطنية لديه، هي مع التكنوقراط، الذي يعدم أدوات التعامل مع سيكولوجية الجماهير، وعوض أن يكون الخيط الرفيع الذي يضمن ربط الجماهير بوطنها ومؤسساته، وإحدى أهم الآليات التي ترسخ مفهوم الوطنية لديها، سيكون التكنوقراط هو الداء الذي سيشوه مفهوم الوطنية لدى هذه الجماهير، فحتى إن شفيت من هذا الداء اللعين المسمى التكنوقراط يوما، فستبقى ندوبه ظاهرة للعيان ومؤثرة في مفهومها وشعورها بالوطنية.

إن ما قامت به الدولة من إجراءات في عز جائحة كورونا لأمر يسر، ويملأ النفس اعتزازا وفخرا بالوطن، وقرار إحداث صندوق خاص بالجائحة وصرف تعويضات مالية للمواطنين، سيبقى موشوما بالذاكرة، ويحكى للأجيال اللاحقة بافتخار، وإحساس عظيم بالوطن الذي حمى أبناءه، في إحدى الكوارث التي لم يشهد لها الزمان بمثيل؛ لكن في مقابل ذلك هناك مشكلة ظهرت بعد الانتخابات الأخيرة، وهي صعود التكنوقراط لتقلد المناصب الحكومية، فحتى بعض الأشخاص منهم وإن كانوا ينتمون لأحزاب سياسية، ويتواجدون على رأسها، فإنه يصعب وصفهم بالسياسيين، لأنهم يفتقدون لأدوات السياسة والتعامل مع الجماهير، ومن سوء حظنا أن رجال الحكومة كلهم، ثلاثة أشخاص فقط منهم من شاركوا في الانتخابات الأخيرة، حسب ما انتهى إلى علمي.

قد لا يكون هذا القول أو الشعور – بصحيح العبارة -، على قدر كبير من الأهمية، وقد يكون “جمهوره” فئة قليلة، هي اليوم في ضعف، وصوتها غير مسموع، فإن الذي يجب أن يثير انتباهنا اليوم، هو جنوح هذه الفئة الضعيفة في المستقبل إلى ممارسات تعرقل المسير لتسمع صوتها، ولو كان ذلك على حساب الوطنية الذي يجب أن تسود لحظتها، قد تجنح إلى المبدأ “خالف تعرف”، أو كما قال حسن أوريد في أحد كتبه، لا أذكر عنوانها، ولا أدري أهو مؤلف فكري أم رواية أدبية، وإن كنت أصنف روايات هذا الرجل كلها ضمن الأعمال الفكرية لا الأدبية، لما تحمله من أفكار ورسائل مهمة جدا، لكن التعبير عالق بذهني لم ولن أنساه، وهو، “ولكم يصدح الضعفاء بدعواهم فلا من مستمع، فإذا جنحوا للقوة أسمعت دعواهم”، وقد قال قوله هذا في سياق آخر، هو السياق الذي أنتج إحدى ويلات العالم العربي الإسلامي اليوم، فلا أقل أن نعتبر قوله، ونحسب الحساب لما قد نلظى به في المستقبل، حين يحتاج الوطن لوطنييه.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

المغرب و الخليج في مواجهة محور الشر

وجهة نظر

سيدني بواتيي.. حكيم هوليود الذي صفع عنصرية الرجل الأبيض

وجهة نظر

التاريخ الرسمي الجزائري، بين إنتهاء الصلاحية وفتح أرشيف الذاكرة التاريخية…

تابعنا على