مجتمع

“عمي علي” .. قاهر الجبل الذي ألهم المغاربة والعالم

“سننقذه، فقط يجب أن نسرع قليلا، ما دام يتحرك، فهناك أمل، سيعود إلينا، سأدخل عند إتمام الحفر الأفقي، أحفر، ثُم أخرجه لوالديه بيداي هاتين”، كان هذا تصريحا لـ”عمي علي جاجاوي”، الذي تطوع مغامرا بحياته لإنقاذ الطفل ريان رحمه الله.

بملامحه الصحراوية المغربية الأصيلة، وابتسامته العريضة التي لم تفارقه طيلة الساعات الطوال للحفر ومحاولة إنقاذ الملاك ريان، كان سي علي الصحراوي، بمثابة طوق النجاة الذي يتشبث به الجميع.

نشر الطاقة الإيجابية في المكان، وكان أمله في الله عاليا وكبيرا، كلما سئل عن تقدم أشغال الحفر ومحاولات الإنقاذ، كان جوابه واحدا لا يتغير “لازال يتحرك، سنصل ريان إن شاء الله قريبا، ونفرح بإخراجه”.

كان أشبه بـ”مايسترو” عمليات الإنقاذ الأولية، وبطل الأمتار الأخيرة نحو الطفل ريان، حينما خرج من الحفرة استقبل من الحشود كالأبطال، ابتعد بخطوات وجلس القرفصاء ليشرب الماء، كانت ابتسامته العريضة بمثابة جرعة أمل جديدة تسري في دماء المتجمهرين بالمكان، وتزيد من شوق العالم لعناق لم يتم.

السي علي، أو عمي علي الصحراوي، وكما كتب في بطاقته الوطنية، علي الجاجاوي، ذلك الرجل الستيني القادم من مدينة أرفود في الصحراء الشرقية للمملكة، خبر التربة لسنوات، الرملية منها والجبلية والطنيية وما تعدد باختلاف المناطق. احترف لسنوات حفر الآبار، وبالأخص ما يُعرف بـ”الخطارات”، ذائعة الصيت والانتشار بمسقط رأسه.

منذ اللحظات الأولى، صمم خطة محكمة لإنقاذ الطفل ريان، هناك سيناريوهان، إما إدخال شخص نحيل البنية إلى القاع، أو الحفر الموازي، وإحداث خندق أو ممر في باطن الأرض للوصول إلى ريان. أما توسيع الحفرة، فسيكون أشبه بدفن ريان حيا، يقول السي علي للصحافيين المتجمهرين حوله.

وكذلك كان، كلما تقدمت الجرافات والآليات في الحفر، وركز المساحون الطبوغرافيون في شاشات آلاتهم الذكية، وما تشير إليه عن التربة وطبيعتها، تبينت حنكة الرجل، وصواب رأيه، وإلى الساعات الأخيرة، أجمعت القنوات العالمية عبر الخبراء الجيولوجيين الذين استضافتهم على دقة المخطط الذي تبنته لجنة الإنقاذ.

مرت أكثر من ثمانين ساعة من الحفر والجرف، القلوب عند الحناجر، التوتر في أقصى درجاته، عدسات العالم تنظر إلى تلك الحفرة العميقة التي تقارب الأربعين مترا داخل أحشاء الأرض.. سي علي الصحراوي يستعد، رجال الوقاية المدنية يلبسونه طقم الحماية، يتحدث بين الفينة والأخرى إلى المهندسين الطبوغرافيين.

يكبر الناس ويهللون، يلتقط “السي علي” أنفاسه، ويتجه بهامته التي تضاهي الجبل المنتصب أمامه، في كفه بعض أدوات الحفر اليدوي، وعلى كتفيه حمل روحه، التي قد تعانق باريها عند أدنى حركة أو انجراف للتربة.

دخل السي علي لساعات، ظل واقفا يحفر بيديه، بمعوله، دون كلل أو ملل، والنفق لا تخرج منه إلا بعض الأتربة، قبل أن يخرج بعدما شرعت الشمس في توديع المتجمهرين هناك، فتعالت التصفيقات وعمت الابتسامة وجوه الجميع، وعم معها الأمل…تراجع الجميع، تقدم والدا الطفل ريان نحو النفق المعجزة الذي حفرته أنامل صلبة، فتعالت التكبيرات والهتافات أن طلع البدر علينا، لكنه كان بدرا خافتا، هامدا، لا يتحرك، مات ريان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *