مجتمع، وجهة نظر

نوابغ مغربية: السّجلماسي.. مُوثِّق مسارات التّدريس والإقراء وإجازات الأشياخ بالمغرب السَّعدي

تميز المغرب عل مدار تاريخه ببزوغ شخصيات نابغة أبدعت في مجال تخصصها وأسهمت في بناء الإدراك المعرفي للمجتمع وشحذ الهمم والارتقاء بالوعي الجمعي، كما رسخت عبقرية المغاربة بتجاوز إشعاعها حدود الوطن، ومنهم من لا تزال إنتاجاتهم العلمية والمعرفية تُعتمد في الحياة وتدُرس في جامعات عالمية.

هم رجال دين وعلماء ومفكرون وأطباء ومقاومون وباحثون ورحالة وقادة سياسيون وإعلاميون وغيرهم، منهم من يعرفهم الجميع وآخرون لم يأخذوا نصيبهم من الاهتمام اللازم، لذا ارتأت جريدة “العمق” أن تسلط الأضواء على بعضهم في سلسلة حلقات بعنوان “نوابغ مغربية”، لنكتشف معًا عبقرية رجال مغاربة تركوا بصمتهم في التاريخ.

الحلقة 49: عبد الواحد السّجلماسي.. مُوثِّق مسارات التّدريس والإقراء وإجازات الأشياخ الأجلاء بالمغرب السَّـعدي

منذ عصور والعلماء المغاربة يَحفظون ويُوثِّقون مسارات الثقافة والفكر والحضارة والشريعة والعلوم التي بَصمت كلّ قرن على حِدة، من خلال مُدوَّنات ومخطوطات ومصنّفات وفهارس، هاته الأخيرة لعِبت دورا بارزا في إحاطتنا علما بحياة وإضافات مشاهير رجالات العلم والأدب والتدريس والسياسة والتصوّف والجهاد، لا سيما بعد أنْ امتدَّت إليها يَدُ العناية العلمية تحقيقًا وتخريجاً ودراسةً، فصِرنا أمام تُراث مغربي هائل، نُباهي برجاله ونسائه، ونستعيد مِن خلال مَا كَتبوه لحظات الإشراق والنبوغ المغربي. 

ينفرد كلّ عَلَم مِن أعلام عصر مِن العصور المغربية عن سابقيه ولاحقيه، فيُتحِفنا بما لم نكُن نُحاطُ به علما، ويُركّز بذكاء على ما يُشكِّل إضافة نوعية في حقلٍ من حقول المعرفة والإنسانيات واجتماعيات الثقافة وغيرها من المجالات. ونتوقّف هنا عندَ سيرة عالِمٍ تمَّمَ جهود سابقيه بأنْ اختَصَّ بوضع فهرسٍ ضمَّ أهمَّ معالم ومسارات التعليم وطُرق التدريس والإقراء في العصر السَّعدي الزاهر، يتعلَّق الأمر بالشيخ المجتهد المتفنِّن المكابِد في سبيل الترقِّي العلمي، العلّامة عبد الواحد بن أحمد السجلماسي. 

كانت ولادة الصبي عبد الواحد في الثاني عشر من يونيو 1527 بسجلماسة العريقة، من أصول ضاربة في الشَّرف، فتربّى في أحضان والده الذي كان فقيها وعالما، ومنذ سنته الثانية عُهِدَ به إلى شيخ الزاوية الشهيرة بالحنّا في زاكورة الحالية، الشيخ محمد بن المهدي الجراري، فترعرع بين يديه ومَجالسه العلمية والتربوية. 

تلقّى السجلماسي الحسني تعليمه في مبادئ العربية والعلوم الشرعية، وختَم مرارا صحيح الإمام البخاري وأراجيز عديدة في النّحو والصرف والفرائض، إلى جانب اشتغاله على كُتب التصوف وأصول الفقه بجدية ونهَم، إضافة إلى المختَصَرات والألفيات الشّهيرة في التدريس إلى ذلكم الوقت. أما القرآن الكريم فقد أتمَّ حِفْظَهُ على يديْ شيخه الفقيه اللامع سعيد بن علي الهوزالي، إضافة إلى أخْذِه عنه علم القراءات والحساب. 

استزادَ من العلوم عن نوابغ ومشايخ أجلاّء، ذَكر منهم محمد بن المهدي الجراري، وسعيد بن علي الهوزالي، وأحمد بن علي المنجور صاحب الفهرس الشّهير، ومحمد بن مُجبِر المساري شيخُ اللّغة والقراءات في عصره، الذي وَصَف لنا العلّامةُ عبدُ الواحدِ طريقتَه في التدريس بأنها كانت مُتقَنَة، لا سيما في علم النحو بما كان يمتاز به الشيخُ المساري مِن قدرة فذّة على استنطاق وشرح الألفية ودقائق النحو حتّى كانت “تَرتفع في مجلسه للأبحاث النحوية سوق نافعة (..) ويُتحِف المتعلِّمين بتقاييده وفوائده، ويَمُدُّهم بفرائده”، /انظر: “الإلمام ببعض من لقيته من علماء الإسلام”، ص: 91.

بَعد مرحلة طويلة من الطّلب العلمي في عُمق درعة، تاق الرجل إلى مُصاحبة الشيوخ الكبار ومحادثة ذَوي المعارف في الحواضر المغربية الشهيرة بأعلامها وعلمائها. فارتحل إلى فاس، وفيها أُجيز على يد كبار العلماء، وأساساً على الإمام العلّامة رضوان الجنوي ابتداءً من سنة 1574 وعنه أخذ الإجازة في الحديث وفي فِهْرِسَتيْ ابن غازي وابن حجر، و”يَظهَر أنَّ هذه الإجازة كانت المبتَغى الذي اجتهَدَ في الوصول إليه، والمادة العلمية التي جَعَلَتْه يُؤسّس لتدوين سيرته التّعليمية انطلاقا منها”، تقول الدكتورة نفيسة الذهبي. فارتقى إلى مصافّ علماء المغرب الكبار، وكان يَفتخر على المجتمع العلمي الفاسي بأعالي الأسانيد الصِّحاح التي تلقَّاها عن جِلّة المشايخ، ومنها مشيخته المشرقية التي أناله إياها الشيخ عبد الرحمن بن عبد القادر الهاشمي الشافعي إجازةً سنة 1580 _ عن بُعد إنْ جاز التعبير، لأنّ الشيخ السجلماسي لم يَسبق له أنْ سافر خارج المغرب الأقصى أو قام بأيّ رحلة علمية أو روحية _، كما أجازه العالِمانِ محمد المقدسي ومحمد العلقمي المصري سنة 1584، وبذلك اجتمع له إجازَتا المشرق والمغرب ومَشْيختِهما، حتّى وصَلت سُمعته إلى الأمراء السَّعديين فقَرَّبوه “منذ المراحل الأولى لتأسيس دولتهم، وتَوَلَّى أيام أحمد المنصور خِطَّة الفتوى بحاضرة الدولة، والإمامة والتّدريس بجامع الأشراف في حيّ المواسين (..) حتّى عُدَّ شَيخ الجماعة في عَصره”، /انظر: “مَعلمة المغرب”، ص: 3433، بل قبل عهد المنصور بسنواتٍ؛ عمِل السجلماسيُّ كاتبا في ديوان الوزير محمد بن عبد القادر بن محمد الشيخ السعدي، وذلك في مرحلة حُكم السلطان السعدي عبد الله الغالب (1557 – 1574).

لم يَنل الشيخ السّجلماسي منزلة السُّمو العلمي في الطور السعدي الأوّل من فراغ، فسيرته العلمية عامِرة، ونبوغه لا مجال للشك فيه، فضلا عن مَحاسن أخلاقه ومَتانه ارتباطه بدينه، وانكبابه على التحصيل العلمي في ظِل زَحمة الأعمال العامة والخاصة، فالرجل مُدرِّس بارز في جامع الأشراف، ومُفْت رَسمي بعاصمة السَّعديين، وواحدٌ من نخبة البلاط السلطاني، مُقرَّب جدا من رأس السلطة، لدرجةٍ كان أحمد المنصور السَّعدي يُنيبه عنه في كثير من القضايا المجتمعية والمظالم، ويُكلِّفه بتحرير بعض المراسلات والوثائق المهمة إلى الشّخصيات والعلماء والخارج. ويُسنِدُ إليه تكليفاتٍ علمية، منها على سبيل المثال؛ جَمْعُ ديوان أشعار أهل البيت، الذي صار مع الوقت كتاباً مرجعيا هاما، قُدِّر له _ مع الأسف _ أن يكون مِن جُملة الكُتب التي صادرها القراصنة الإسبان والفرنسيين ضمن محتويات سفينة السلطان المولى زيدان النّاصر تَاسع الأمراء السعديين الذي حَكم فيما بين (1613-1628)، وتُوجَد مخطوطته بخطّ يد العلّامة السّجلماسي في الجناح الخاص بالمكتبة الزيدانية في خزانة الإسكوريال بالعاصمة الإسبانية مدريد حسب أقوال المؤرخين والباحثين. 

وإلى جانب هذه المكانة، كثيراً ما سَعت السلطة السعدية إلى إبراز نخبتها العلمية وإعطائها إشعاعاً لدى الساكنة ودول الجوار الأوربي، فكان الشيخ عبد الواحد دائماً في مقدِّمة الشخصيات العلمية والدينية التي تتبوّأ مكانة رفيعة في الاحتفالات الرسمية بِعيد المولد النبوي الشريف، وكان المنصور الذّهبي يُقَدّمه “في إنشاد قصائد المولديات”، حَسب “معلمة المغرب”، ص: 3434، وكان دائم الحضور ضمن الوفد السلطاني السعدي من مراكش إلى فاس ومن فاس إلى مراكش لسنوات عديدة.

الإسهام الهام للعلّامة السجلماسي يَتمثَّل في عمله العلمي الجليل النافع “الإلمام ببعض مَن لقيته من العلماء الإسلام”، الذي فرِغ من كتابته أواخر 1575، سنة واحدة قبل معركة وادي المخازن الفاصلة، وتداعيات المرحلة الانتقالية فيما بين حُكم محمد المتوكل ومعركة الملوك الثلاثة وانتقال الـحُكْم للمنصور الذّهبي، فَجَاء شاملاً “جانبَ الحركة التّعليمية، مِن وَصْفِ مَجالس الدّرس، وعناية بالمشايخ، ووقوف على العلاقات الطيبة الـمُعَبَّر عنها والمتبَادَلة بين الطلبة والأساتذة، سواء في صِيَغ التحلية والدعاء، أو في الحرص على الزيارة والإجازة. كما تَشمل تَقاليد الرواية والسَّنَد، ورصْد ضَوابط العلوم الـمتدَاوَلة، والإحساس بأهمية العلاقات الثّقافية المغربية، والمغربية – المشرقية” حسب عبارة الدكتور نفيسة الذهبي مُحقِّقة الفهرس القيم للسّجلماسي “الإلمام ببعض مَن لقيته من علماء الإسلام”. 

نرتحل معه متعرِّفين على نَسيج الـمَشيخة في القرن السادس عشر، مِن تخوم الصحراء إلى حاضِرتي فاس ومراكش، ومكتشفين لَون الثّقافة التعليمية والتربوية في البيئة السعدية بالمغرب، ونتعرّف على مسارات تكوين النخبة المغربية. 

لقد تَعدّدت الفهارس المغربية بين الشّاملة والجزئية وفهارس المرويات والطبقات والرحلات، والفهارس الصوفية، إلا أنّ السجماسي يُضيف إلى هذا الرصيد فهرس الإجازات من كافة المدارس والزوايا والرُّبُط التي جسَّدت مراكز الجذب العلمي في المغرب، وكيفيات تكوين رجالات العلم والشريعة والفكر، وطبيعة الإجازات العلمية..، فيُـقرِّبنا أكثر إلى البصْمة المغربية في مجال التدريس والإقراء. فمن زاوية الــحنَّا بدرعة؛ الموئل الأوّل لتعلُّم الشّيخ السِّجلماسي، نستفيد مِن مَدحه وإطْرائه الكبير لشيخه العالِم ابن المهدي أنّ الرجل كان يَعتمد في تدريسه على “تقديم أسلوب تعليمي نَظَري لتأسيس عنصر التكوين عند الـمتلَقِّي، ثم بعد ذلك يأتي التحسيس بأهمية تَجاوُز الاجترار ومُجَرَّد الحفظ لبُلوغ مُستوى الإدراك والتعمُّق في كل علم أو كتاب”، حسب الباحثة الذّهْـبي، في “الإلمام”، ص: 24. ويَصف لنا السجلماسي مُجمَل طريقة التدريس بالزاوية على يد الشيخ ابن المهدي بأنها “كانت تقوم على الاقتصار في الإقراء على تَصحيح الـمتن وحلّ المشكِل وإيضاح المعقَّد”، /انظر: “الإلمام..”، ص: 85، أما طريقة شيخه أحمد المنجور فتعتمد على المحاضَرة، وإتقان فنّ العَرض والبسط والنقاش واستنباط الأحكام. 

ويُعيننا الشيخ عبد الواحد _ مغاربةً وباحثين _ من خلال هذا العمل الفريد على فَهْمٍ دقيق للمسار الفكري والعلمي والتعليمي للمغرب في الطور السعدي الأوّل، ويَخدِمُ به هدفاً نبيلا يتمثَّل في “جَعْل التاريخ الثقافي والعلمي شيئا محبوبا ومألوفاً عند الشّباب والمثقَّفين وعامة الناس (..) ورَفْـد البرامج التعليمية بنُصوص مُستقاة من التراث العلمي المغربي” على حد تعبير الباحث جمال بدومي، /انظر: ميثاق الرابطة، العدد 238، وهدفاً آخر، يتمثَّل في إحاطة الناشئة والأجيال بأسماء وإجازات ومرويات الشيوخ والعلماء من فاس ومراكش ودرعة والصّحراء، وجهودهم العلمية وكفاءاتهم في تخريج النخب العلمية المحلية، وانخراطها في الشأن الثقافي والعلمي والسياسي والديني في عصر دولة السّعديين.

أما على مُستوى الكفاءة التي أهّلته لوضع فهرسه المفيد للأجيال، فالرجل كان ذا ذائقة أدبية رفيعة متميّزا بــ”سلاسة التعبير والكفاية اللُّـغوية وحُسـن الصِّياغة السَّجْعية”، حسب الباحثة نفيسة الذهبي. وله ما يشهد بذلك مما أوردناه أعلاه؛ ومصنّفات أخرى غير الفهرس المذكور، أورَد له الباحث محمد حجّي رحمه الله في “معلمة المغرب”، منها: “شَرْح مَقصورة المكّودي في المديح النبوي”، و“تعاليق على ألفية ابن مالك”، و“اختصار نكت السيوطي على الألفية”. فاستحَقَّ بذلك وافر الثَّـناء على علمه وبراعته في الكتابة وخدمته لسيرة العلم في المغرب من قِبَلِ علماء كُثُر منهم، ابن المؤقِّت المراكشي في فهرسته الشهيرة “السعادة الأبدية في ذكر مشاهير الحضرة المراكشية”، والعلّامة أبو المحاسن الفاسي، والمؤرّخ الكبير محمد بن الطيب القادري في “نَشر المثاني لأهْل القرن الحادي عشر والثاني” الكتاب النّافع الذي حقَّقه الدكتوران الباحثان محمد حجي رحمه الله وأحمد التوفيق حفظه الله. فيما وصفهُ الإمام محمد بن أبي العافية المكناسي الشهير بابن القاضي بــ”الفقيه المحدِّث العالِم العامِل العلَّامة الـمُشارِك المتفنِّن الفهَّـامة، وحيد عصْره، ومصباح دهره”، وذلك حين حديثه عن إجازته المعروفة عن الشيخ السجلماسي، وعَدَّه المُستشرِق البحّاثة لِـيفي بروفنصال من “جهابذة أهل الحديث في عصره”، /انظر: “مؤرِّخو الشُّرفاء”، ص: 166.

وقال هو نفسه في مقدّمة كتابه المذكور آنفا “..حتى رجوتُ أنْ أكون بِـسِـمَةِ العلماء موسوماً، وفي ديوانهم مَرسوما” وذلك ما كان. 

وتَوالَت منكَ الجهود حثيثة

وتَعزَّزت في غير ما مَيــــــدانِ

خلَّف الشيخ السجلماسي الدّنيا وراء ظَهره وانتقَل إلى دار البَقاء يوم 5 أبريل 1595 ودُفن في ضريح الإمام القاضي عياض رحمهما الله، بمراكش المحروسة. 

مصادر ومراجع: 

* (السجلماسي) عبد الواحد: “الإلمام ببعض مَن لَقيته من علماء الإسلام”، تقديم وتحقيق الدكتورة نفيسة الذهبي، مطبعة Rabat Net، الطبعة الأولى 2008، نسخة إلكترونية.  

* (بروفنصال) ليفي: “مؤرخو الشُّرفاء”، تعريب عبد القادر الخلّادي، مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، سلسلة التاريخ، العدد 5، الطبعة الأولى 1977. 

* “معلمة المغرب”، مجموعة مؤلفين، مطابع سلا، 1989، صفحة

* الموقع الإلكتروني لــ“ميثاق الرابطة”، العدد 238. 

* إعداد: عـدنان بـن صالح/ باحث بسلك الدكتوراه، مختبر “شمال المغرب وعلاقاته بحضارات الحوض المتوسِّطي”، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي – تطوان.

* الصورة تعبيرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.