وجهة نظر

حين يُمنع الحزن في فلسطين.. 

جثمان أبو عاقلة

طبيعي أن تبسم، وقد تُنتزع منك ابتسامتك لسبب ما و بشكل من الأشكال. كما هو طبيعي أن تفرح وتُسلب منك فرحتك وسعادتك لعلة ما و بطريقة أو بأخرى. غير أن الشاذ والغير المنطقي والعادل هو، أن تُمنع من أن تحزنَ و تأسى أو تُنزع منك كآبتك وطُرق أشجانك و مأتمك.

يتعلق الأمر هنا بما شاهده العالم على مسرح ساحة المستشفى الفرنسي بالقدس المحتلة ، عقب تشييع جنازة جثمان الراحلة الصحفية شيرين أبو عاقلة استعدادا لمراسيم دفنها بمثواها الأخير ، في مشهد مُريب و مُروّع  في نفس الوقت ،اتّسم بالعنف والضرب المفضي للجرح و الإغماء، مُنع فيه رفع الأعلام الفلسطينية بل ونزعها من فوق نعش الراحلة ، حتى كاد أن يسقط لولا عزيمة و إصرار حامليه على الأكتاف من مختلف الأعمار ، كما هي القضية الفلسطينية التي ظلت مسموعة و مرفوعة على أكتاف شبابها وشيوخها ، تتقاطر دماء شهدائها من مناضلين بالسلاح والقلم على حد سواء .

وكأن الصورة إذن مختزلة بين العلم الفلسطيني ونعش شيرين، الذي أصبح رمزا لكل شهداء القضية التي بدأت بالرصاصة  الأولى لإسكات مطلب الأرض والحرية إلى ” صوت تحت الرصاص وفي اللهب ” – حسب الشهيدة فدوى طوقان – حيث كانت الصحفية شيرين والفريق الصحفي على وشك تغطية ونقل أحداث لهيب احتجاجات فلسطينية في مخيم جنين صبيحة الأربعاء 11 مايو 2022 .

هكذا تبقى الرموز شاهدة على عصرها و على انتماءها الطبيعي الذي خُلقت من أجله وتحيى لمبتغاة إلى أن تُستشهد لأجله.

فالأرض والعلم والنعش والشهيد هم المكون والمؤثث الرئيسي للمشهد بأكمله، وكلها دلالات وإشارات على مدى شدّة الإيمان بالقضية والثبات على مطالبها التاريخية التي اقل ما يقال عنها أنها مقدسة وشرعية، غير قابلة لا لطمس الحقائق وتزييفها، و لا لقمعها أو التنكيل بها و بأسُسها أو رموزها . والتي تبقى شيرين أبو عاقلة إحدى أبهى صورها، بعدما اسكتوا صوتها برصاصة الغدر ، لكن حدث العكس وصدع صوت نعشها عاليا تناقلته كل القنوات العالمية الكبرى . وقد لا تكون الأخيرة لا محالة مادام الاحتلال جاثما فوق أرض فلسطين ،المُرتوية والخصبة بدماء العديد من الشُّهداء على مختلف مشاربهم وتوجهاتهم من أمثال : غسان كنفاني و علي فودة و وائل زعيتر و ناجي العلي و محمد الدرة …و القائمة طويلة تعد بالآلف .

جدير بالذكر أن محمد دراغمة مدير مكتب رام الله لموقع ” الشرق نيوز ” صديق الراحلة شيرين لسنوات طويلة ، أنه تحدث معها قبل يومين من مقتلها وأخبرها أنه لا يعتقد أن الأحداث في جنين مهمة بما يكفي لتغطيها صحفية كبيرة مثلها . لكن هذا لن يثنيها عن التقليل من مهمتها رغم جسامتها فذهبت وغطّت القصة بالطّريقة المعهودة والمعروفة بها، حيث احتضنت آمال وطموحات وانكسارات أبناء الشعب الفلسطيني في مشهد واحد .

غير أن هذه المرة كتبتْ قصة بطريقة أخرى وبأسلوب آخر ، صاغته بدمائها البريئة على أرض فلسطين ، وكأنها تُحيكٌ وتُعيد اختزال كل الأحداث التي نقلتها عبر جُل محطات تغطياتها الصحفية . وبذلك يُسدل الستار على آخر مشهد من صلابتها و شجاعتها ويبقى مثلا يُحتذى به لكُل مُزاولي ومُمارسي الكفاح والنضال الفلسطيني بشتّى أنواعه وأشكاله، على أن تبقى المشاهد من فصول شعب بأكمله متواصلة ومُستمرة بكل أشكال النضال و المقاومة لشعب يريد الإنعتاق والحرية ويعيش حياة كريمة في دولة فلسطينية عاصمتها القدس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.