منوعات

اختراع بِذْلَة لَمْسِيَّة ستمكن الأشخاص الصُّم من الاستمتاع بالموسيقى

تثير الموسيقى انتباهنا ومشاعرنا بشكل يجعل لها سحرا خاصا. ويلازمنا إدراك سحرها حتى ونحن في بطون أمهاتنا، حين نبدأ استراق السمع من خلف جدران الرحم.

وحسب ويب طب فالجنين يبدأ في سماع الأصوات خلال الأسابيع من السادس عشر حتى الثامن عشر، ثم يبدأ في الاستجابة للصوت والتفاعل معه في حوالي الأسبوع الخامس والعشرين.

وبعد الولادة نستجيب للموسيقى كما يستجيب الكبار، سوف نتأهب ونتراقص مع بعضها، ثم مع البعض الآخر الحزين منها سنركن إلى كتفي أمهاتنا لنهدأ قليلا.

وعالم الموسيقى، بجماله، وروعته، وتنوع أدواقه، وعظيم تأثيراته في نفوسنا ومشاعرنا، وأدواره في التخفيف عن معاناتنا، وتحفيز نشاطنا، … حاول الكثيرون صياغة عبارات تلخصه.

وحسب “حياتك.كوم” قيل إن “الموسيقى تعبر عما لا يمكنك قوله ولا تستطيع السكوت عنه”. وقال “ريتشارد فاجنر”: “إذا أردنا أن نتخيل الجمال في أكمل صورة فيكفينا أن نستمع إلى موسيقى جميلة”. وقال بيتهوفن: “الموسيقى هي الجمال المسموع والحلقة التي تربط الروح بالحس”.

لكن لا ينتبه كثير من الناس إلى أن الأشخاص الصم يحرمون من الاستمتاع بكل ما للموسيقى من جمال ومتعة وفوائد.

إنهم يرون حركات الضرب على أجهزة الموسيقى، ويرون تمايل الناس مع نغماتها، وتفاعلهم معها، ويرون تمايل الأجساد، ويدركون أن ثمة عالم صاخب جميل حولهم، ويستمتعون بالحضور في وسط مبتهج، لكنهم لا يدركون نغمات الموسيقى أو يدركها ضعاف السمع منهم بشكل خافت ضعيف.

فهل من سبيل إلى تحطيم الحواجز التي تمنع هذه الفئة من الناس من حقها في الاستمتاع بالموسيقى؟

اختراع بِذْلة لَمْسِية تتضمن 24 نقطة ارتجاج

عبر المشاهدة من بعيد، حسب اندبندنت عربية، لا يمكن لكل الأشخاص الإحساس بالطريقة عينها بوقع طنين الباس “الجهير الصاخب” أو قرع الطبول وغيرها من الارتجاجات الصادرة من حفلة ضمن مهرجان صاخب، فالارتجاجات المتوالدة من مكبرات الصوت يمكنها الوصول لمسافة معينة، وفي حال كان هناك أشخاص في الجمهور يعانون الصمم أو مشكلات في السمع، فإن إحساسهم بالأصوات سيختلف كثيراً عن إحساس أكثرية الحاضرين حولهم، فالمرء “يكون في حفل في ناد أو صالة سهر أو مهرجان، فيما تكون مكبرات الصوت دائماً بعيدة”، يخبرني الـ “دي جي” (منسق الموسيقى) الأصم جون ماكديفيت بمهرجان “مايتي هوبلا” Mighty Hoopla في بريكستون، ويضيف “الشخص الأصم يعتمد على مكبر الصوت لتلقي الارتجاجات”.

لكن اليوم، حسب نفس المصدر، ثمة اختراع تكنولوجي جديد دعمته شركة “فودافون” Vodafone يمكنه عما قريب أن يتيح تجربة مختلفة في هذا المضمار.

التكنولوجيا الجديدة عبارة عن بذلة لمسية تتضمن 24 نقطة ارتجاج (اهتزاز) موزعة في أنحاء الجسم، من بينها نقاط مثبتة عند المعصمين والكاحلين، وتبدو تلك النقاط الارتجاجية قادرة على منح الصم وثقيلي السمع خاصية الإحساس بالموسيقى توافقاً مع رنينها على المسرح.

وفيما تعد التجارب السمعية المستندة إلى الارتجاجات (الصوتية) تجارب معهودة وليست بجديدة بالنسبة للصم، إلا أن هذه “البذلة” تعد بإتاحة تجربة فريدة للصم، وذلك عبر تضمنها منحيين تكنولوجيين متضافرين معاً.

وتشرح داني فالكوفا من شركة “يونيت9” (UNIT9) للإنتاج، “المنحى الأول يتمثل بأخذه الموسيقى مباشرة من المؤدي (أو المصدر) في وقتها الفعلي، وتحويلها إلى ارتجاجات موزعة في أنحاء جسمك كي تخلق إحساساً بمحيط صوتي ارتجاجي، أما المنحى الثاني من التكنولوجيا فيعتبر الأول من نوعه في العالم، إذ بفضل استخدام سرعة شبكة فودافون الفائقة من الجيل الخامس جي 5 ، يمكننا أخذ التسجيلات من وسط الحشد وتحويلها إلى معطيات (داتا)، ثم نعتمد أحدث التقنيات الآلية لتحويل ما تتضمنه أصوات الحشد إلى ارتجاجات وأحاسيس على الجسم”.

وبالطريقة عينها التي تقوم فيها البذلة بترجمة صوت الحشد إلى ارتجاجات، تستخدم فالكوفا تشبيهاً مماثلاً لزيادة الإحساس المستقبلي الذي تتيحه التكنولوجيا، وتشرح قائلة “أخذنا كافة الطرق التي قد يتفاعل بها الحشد وجمعناها في حالات مختلفة، أردنا في كافة هذه الحالات ترجمة كل رد فعل محتملة من قبل الحشد إلى شيء يشبه المصفوفة [ماتريكس]، جانب منه يشكل الطاقة والجانب الآخر يشكل الكثافة”.

ويدرك الرواد الموسميون للحفلات الموسيقية الإحساس الذي تتركه الأصوات ذات الترددات المنخفضة التي تضرب على الصدر خلال الحفلة الأدائية، لكن معظم الأحاسيس لن تكون مركزة هناك بمساعدة البذلة اللمسية، والتي تبقى فعالة طوال 10 ساعات بفضل البطارية، فالموضع الذي سيشعر فيه جمهور الصم وضعاف السمع بالموسيقى يبقى إلى حد كبير قراراً فنياً.

“الموسيقى للجميع ويجب أن تكون للجميع”

إلى هذا، وفيما كنت أرتدي البذلة وألتحق بصم آخرين في الجمهور قبيل عرض “جيسي وير” يوم السبت الماضي ضمن مهرجان “مايتي هوبلا”، يقول معد تقرير اندبندنت، شرح “مؤلف الارتجاجات” سي تيو تفاصيل تتعلق بهذه الهندسة الصوتية على المسرح، الهندسة التي ستوائم الأصوات الموسيقية مع الذبذبات في الجهاز المبتكر، وقد جرى إعلامنا في ما خص أداء وير بأن أجهزة الاستشعار الموجودة على معاصم وأكتاف مرتدي البذلة سوف تقوم بنسخ صوت تصفيق الجمهور، أما أصوات الحناجر والطبول فسيشعر بها حول الضلوع وعلى الكواحل تباعاً، وهذا الأمر يعمل جيداً في حال المقطوعات الصاخبة مثل “وايلدست مومنتس” Wildest Moments، فيما أغنيات وير الهادئة ستترك المرء الأصم يتساءل إن كانت للبذلة تعمل فعلاً.

وتيو، مرتدياً قبعة “سناب باك” زاهية الألوان في ذلك السبت المشمس، حادثني بحماسة لافتة عن الجهاز المبتكر، معلناً استعداده لكشف مزيد عن هذه التكنولوجيا بعد اختبارها إن تطلب الأمر، وقد تكررت تلك الحماسة في أوساط الفنانين أنفسهم، إذ أن وير التي بدت مشرقة بمكياج ظلال العيون بنفسجي اللون، خصتنا بابتسامة عريضة وهي تعبر عن تأييدها لإتاحة تلك التقنية أمام الجمهور.

وفي دردشة معها في غرفة تبديل الملابس، قالت “الموسيقى للجميع ويجب أن تكون للجميع، فالتفاعل والإحساس بالمشاركة هما أمران مهمان جداً، خصوصاً في المهرجانات ومن وجهة نظر شخص يحب المشاركة بها، بالنسبة إلى الصم، ولكي يشعروا أنهم مشمولين وفاعلين ومهمين كجمهور، فإن هذه التقنية رائعة، وعندما تكون في مهرجان أو في حفلة أو أي مناسبة أخرى، فإنك تشعر بالطاقة المحيطة بك، لذا فإن الأمر بالنسبة للصم يغير المسألة برمتها، إذ سيكون ممكناً لهم الاستمتاع بجو الحفلة، وأن يكون [الجهاز] بالنسبة إليهم شيئاً قادراً على بث الحياة في الموسيقى التي تؤدى. إنه تغير رائع”

التعبير عن تجارب وانتقادات

ماكديفيت من جهته يستخدم العبارة نفسها لوصف تجربته في استخدام هذه التكنولوجيا، إذ في السياق اعترف قائلاً “بداية لم أعرف ماذا يمكن توقعه لأنني اعتقدت بأن البذلة ستقوم فقط بالارتجاج، لكن أجزاء مختلفة منها [عكست] آلات مختلفة. مثلاً، فيما كانت ارتجاجات الغيتار تتلاشى تصاعدت ارتجاجات الطبول، وذلك حصل في أجزاء مختلفة من البذلة، ثم كان هناك نقاط استشعار على المعصم متصلة بالجمهور”

بالنسبة إلى “غيما جيفري”، وهي من المعجبين بـ”جيسي وير” وتعاني من صمم كامل في أذنها اليمنى، فقد عبرت عن وجهة نظر مماثلة أيضاً، إذ قالت بعد أداء فنانتها للحفل “كان أداءً رائعاً”. وأضافت، “عندما يذهب الصم إلى الحفلات الموسيقية فإن الأمر غالباً يتعلق بالأجواء، وأنا شعرت بأن التزود بهذه التكنولوجيا يسهم إيجاباً. مقطوعة مثل “رانينغ” [Running] (إحدى أغنيات وير) جاءت رائعة، لأنه بوسعك الإحساس بنقاط الذروة جميعها وهي تجعلك تشعر برغبة أكثر بالرقص. إنها فعلاً تكنولوجيا متقدمة أتيحت للناس”.

لكن وسط تلك التعليقات المؤيدة والإيجابية سرعان ما طرحت أسئلة تتعلق بالاستخدامات المستقبلية لهذه التكنولوجيا. في هذا الإطار فإن كوري لابروس الذي يستخدم قوقعة أذن مزروعة قال حين سألته إن كان سيستخدم هذه التكنولوجيا، “الأمر يعتمد على مقدار شعورك بالراحة حين تختلط بالآخرين وتتجول بينهم. هذا يشكل علامة سؤال كبيرة. أقصد أنني أعرف بأنها تكنولوجيا جديدة، لكن هل سنقوم تدريجياً في المستقبل بالاعتياد عليها؟ لست متأكداً تماماً، لكن أعتقد أننا جميعاً نؤيدها”

وفي هذا الإطار قال أعضاء فرقة البوب الأسطورية “ستيبس” Steps قبل حفلتهم يوم الجمعة، “من المثير جداً أن عدداً أكبر من جمهورنا سيمكنه التمتع بالتجربة كاملة بفضل هذه التكنولوجيا”. أما أعضاء فرقة “شوغابايبز” Sugababes التي تصدرت عناوين الأخبار يوم السبت الماضي، فقالوا إن “كل شخص ينبغي أن يكون مرحباً به في الحفلات الحية، وهذه طريقة حاذقة لإدماج أكبر عدد ممكن من الأشخاص في أجواء الحفلات”

في السياق، وبرسالة إلكترونية كتب جاكوب آدامز من منظمة “آتيتيود إز إيفري ثينغ” Attitude is Everything للموسيقى الحية، فقال “الأجهزة اللمسية كهذه تفتح الأفق لاحتمالات جديدة تؤدي تعزيز قدرات الصم وذوي الصعوبات في السمع للتمتع بالعروض، وغالباً ما نسمع من هؤلاء الأشخاص بأن صلتهم بالعروض لا تجعلهم دائماً يشعرون بأنهم جزء من الجمهور، لذا فإننا مهتمين جداً بهكذا جهاز قد يكون قادراً على ضم تفاعلات الجمهور”

لقد شكل مهرجان “مايتي هوبلا” نقطة الإعلان عن هذه التكنولوجيا للمرة الأولى، بيد أن الفريق الذي يقف وراء تصميم واختراع البذلة يأمل بأن يشهد اختراعهم تطورات مع مرور الوقت. وإزاء حماسة الفنانين والمنظمات الخيرية للتكنولوجيا المبتكرة ودعمهم لها، يشعر الصم من جمهور وعشاق الموسيقى بتفاؤل متعدد النواحي تجاه مستقبل الحفلات والمهرجانات الاندماجية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.