وجهة نظر

محنة الكرة المغربية.. أو حينما يروض الثعلب الأسود

تعادل بطعم الهزيمة، هي النتيجة التي اكتفى بها المنتخب الوطني للكرة بعقر داره أمام نظيره الإيفواري؛ ضمن تصفيات كأس العالم 2018. النتيجة علق عليها المدرب بأنه لا يملك عصا سحرية لإصلاح المنتخب. نسي السيد “رونار” أن يحمل المسؤولية للجمهور؛ الذي حج بكثرة لتشجيع المنتخب الوطني المؤلف من لاعبي الجالية المغربية بالخارج، والتي لا تأتي إلى بلدها الأصلي إلا للنزهة ولعب الكرة في الشواطئ صيفا، أو لتجريب مهارتها في الملاعب المعشوشبة التي أنشئت من مال الشعب وضرائبه.

والمغاربة، وهم يتجرعون مرارة هذه النتيجة المخيبة؛ مازالوا يتذكرون ملابسات تعيين هذا المدرب، ويتذكرون حيثيات إقالة الإطار الوطني بادو الزاكي. ذلك الحدث الذي كانت قد تداولته آنذاك مواقع التواصل الاجتماعي، كما المنابر الإعلامية الإلكترونية منها والورقية، المسموعة والمرئية، الخاصة والعمومية. التعليقات كانت آنذاك مفعمة بالعواطف الجياشة تجاه الزاكي؛ والتي حاولت الانتصار له بصفته إطارا وطنيا من جهة، ولأنه من جهة أخرى، يمثل رمزا لآخر الانتصارات التي حققها المنتخب الوطني، ضمن نهائيات كأس افريقيا للأمم التي احتضنتها تونس 2004، انتصارات كانت آنذاك حدثا وطنيا متميزا بكل المقاييس، أدخلت فرحة عارمة ومؤقتة على الشعب المغربي، الذي يفتقد للأفراح والمناسبات السارة.

كانت قصة إقالة الزاكي، بمثابة الشجرة التي تخفي ورائها غابة من الفضائح الكبرى لجامعة الكرة، قصة الإقالة تلك؛ والتي أريد لها أن تصادف جمعا عاما للجامعة، حيكت بليل، وكانت قد نسجت خيوطها الأولى بإشاعة الخبر، ثم بتكذيب الإشاعة، ضمن لعبة الإلهاء وصرف الأنظار. ولعل الأرقام الخيالية والمهولة التي تضمنها التقرير المالي آنذاك كانت خير دليل على لعبة الإلهاء تلك.

أقيل “الزاكي” إذن، وجيء يومئذ بمدرب جديد وقديم؛ اسمه “رونار”. هذا الاسم الفرنسي الذي يحمل معنى أحد الحيوانات المعروفة بالدهاء والمكر والخديعة بترجمته إلى العربية ترجمة حرفية؛ وذلك كما يحلو لنا أحيانا أن نتلاعب بالألفاظ ونحن نتسامر ونلهو ضمن لعبة تشبه اللعبة إياها؛ لعبة الإلهاء وصرف الأنظار. وشاءت الأقدار كذلك أن يصادف مجيء صاحب هذا الاسم إلى المغرب، ولسان حال المغاربة يتحدث آنذاك عن أسماء بعض الحيوانات وبعض الكائنات والمخلوقات ما ظهر منها وما بطن؛ من قبيل التماسيح والعفاريت و”داكْشِي”.

إن الرجل، موضوع الحديث، وقبل أن يصبح مدربا للمنتخب الوطني كان لاعبا مغمورا، لم يلعب مع أي نادي كبير يجعله يعانق الشهرة، وهو الشيء الذي اضطره ليفكر في التدريب. كانت بدايته في التدريب إذن في الفيتنام، ثم في نادي مغمور بانجلترا في الدرجة الرابعة كمساعد للمدرب. إلا أن نتائجه كانت مخيبة للآمال، ما جعله يعيش فترة من البطالة، ثم التحق بعد ذلك في جولة افريقية دائما كمساعد للمدرب. ولعل أفضل نتيجة له بالقارة السمراء هو حصوله مع منتخب ساحل العاج على لقب كأس افريقيا للأمم؛ وكانت نتيجة استثنائية والاستثناء لا يقاس عليه.

وإذا ألقينا نظرة شاملة على نتائج المنتخب المغربي عبر الأزمنة؛ يتضح جليا أن هذه النتائج كانت متوسطة في عمومها؛ باستثناء فلتة “كان” 1978، والنتائج الطيبة في مكسيكو 1998، والوصول إلى النهاية في “كان” تونس، ما عدا ذلك كان كل ما تحقق عكس ما تطمح له الجماهير المغربية التواقة للانتصارات، ففي كل مناسبة كروية كانت الجماهير تطمح إلى من يدخل البهجة على قلوبها. غير أن الأحلام، ككل مرة، سرعان ما تتبدد، والكبوة تتحول إلى مناسبة أخرى نمني فيها النفس بإنجازات محتملة فيما يلي من التظاهرات الكروية؛ قاريا أو عالميا. لكن تاريخ الاندحارات والكبوات يصر ويأبى إلا أن يعيد نفسه في كل مناسبة رياضية.

إن الكرة المغربية، في واقع الأمر، ليست إلا جزءا من كل الإخفاقات على مستوى الأنواع الرياضية برمتها، وتخفي خلفها ركاما من بقايا عقليات مهترئة، نقلت عدوى الصدأ والتعفن إلى عقليات تصنف نفسها ضمن جيل التجديد والتغيير، كما تخفي جبالا مما تبقى من تدبير وتسيير عقول مترهلة، وأياد مرتعشة خُوِّل لها، كما لغيرها، حق التصرف في أموال شعب أريد له أن يكون قاصرا وفاقدا للأهلية.

إن الجماهير الرياضية ليست إلا ثلة قليلة من الشعب، والشعب سئم الانتظارات الكاذبة والأحلام المزيفة.. يئس من خطط التدريب المستوردة، كما يئس في السياسة من الايديولوجيات الدخيلة. إن الترويج لفكرة استيراد المدرب الجديد لم تكن وليدة اللحظة، بل ما فتئ يروج لها فلول الكرة المغربية منذ سنوات خلت. غير أن أصوات الجماهير التي صادفت ما سمي بالربيع العربي، بفضل وسائل الاتصال الحديثة، في محاولة لتشجيع الإنتاج الوطني؛ أرغمت مسؤولي الكرة مضطرين، على تنصيب مدرب وطني على رأس النخبة.

لكن الربيع المغربي قد تحول إلى خريف، وأمواج الجماهير العاتية سرعان ما تكسرت؛ كأن أياد خفية تتحرك في الظلام. هي نفس الأيادي التي تحرك خيوط السياسة والاقتصاد والرياضة أيضا، وهي نفسها التي تعبث بمصائر الأحزاب والشركات والنوادي… وهي العقول ذاتها التي تدبر بليل كما بالنهار، لا تكل ولا تمل؛ لتنصيب الزعماء وخلق الأثرياء وصنع الأبطال المسلوقين… والنتيجة عودة المدرب الأجنبي الفرنسي من جديد.

للفرنكوفونية في مغربنا الحبيب وكلاء في السياسة، وفي الاقتصاد، وفي الفكر والثقافة، وفي الرياضة أيضا، بل في كل شيء. راهن وكلاء الفرنكوفونية المغاربة في جامعة الكرة على المدرسة الفرنسية لتحقيق النتائج الإيجابية، راهنوا على هذه المدرسة وقد أثبتت إفلاسها في المحافل الكروية القارية والدولية، راهنوا عليها معللين ادعاءاتهم ببعض التتويجات التي حققتها النخبة الفرنسية، والتي لا تساوي في الحقيقة عدد أصابع اليد الواحدة. لكن الكرة المغربية لم تُجْد معها لا هذه المدرسة ولا تلك، ولم ينفع معها لا المدرب المحلي ولا الأجنبي. إنها باختصار أزمة سياسة رياضية بكل تجلياتها؟

وإذا عاد المغاربة بذاكرتهم إلى الماضي القريب، وبالذات إلى تصريح واحد من المدربين الفرنسين، وهو “هونري ميشيل”؛ الذي كان آنذاك على رأس المنتخب المغربي، قال في التصريح، وهو يعبر عن حالة من السخط والغضب، إثر الهجمات الشرسة التي تعرض لها من لدن الصحافة المغربية حينما عاد يجر أذيال الإقصاء المبكر في إحدى نهائيات الكان. قال الرجل في زلة لسان صادقة: إن أزمة الكرة المغربية أزمة هيكلية ليس إلا. أدلى بهذه الحقيقة المؤلمة التي لم يستسغها المغارية من كل الأطياف آنذاك، بعدما يئس الرجل من العودة لتدريب المنتخب، وبعدما فقد الأمل في الاستفادة من لبن البقر الحلوب. تلك كانت الحقيقة التي أدار لها القائمون على أمور الكرة آنذاك ظهورهم، وخلف من بعدهم خلف أضاعوا الأمانة، وخذلوا المغاربة.

إن النفقات التي تستفيد منها المنتخبات المغربية بكل فئاتها هائلة، والأموال التي تصرف عليها طائلة، سواء تعلق الأمر بالتسيير أو النقل أو الإقامة أو التغذية أو مصروف الجيب الذي يفوق راتب أكبر الأطر بالمغرب… وذلك، في نظرهم، له ما يبرره، لعله التحفيز أو تهيئ الأجواء أو ربما “الفشوش”. لكن الشيء غير المبرر هو هدر أموال المغاربة على مدربين محليين و أجانب؛ لا يحققون نتائج تذكر، وعلى لاعبين سواء الذين يمارسون في البطولة الوطنية أو المحترفين.

إن تحقيق النتائج المرضية يقتضي من المسؤولين أخذ الأمور بجدية، يقتضي منهم كذلك وضع استراتيجيات بسقف زمني محدد. تحقيق النتائج يتطلب صرف كل تلك الأموال على إنشاء البنيات التحتية، وخلق المدارس الكروية، والاعتناء بالفئات الصغرى، وتهيئ الظروف المناسبة للأندية الوطنية لتصبح أكثر تنافسية وبالتالي أوفر إنتاجا للنجوم، وتكوين مدربين أكفاء… تحقيق النتائج لا يكون بالصدفة أو انتظار المناسبات، فالسماء لا تمطر ذهبا… تحقيق النتائج قبل هذا وذاك لا يتم إلا إذا كنا وطنيين، غيورين على الوطن، سواء كنا مسؤولين أو مدربين أو لاعبين أو حتى مشجعين.

إن الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل آليات الرقابة، وتطبيق القانون من شأنه أن يفيد في ترشيد النفقات التي تصرف على الرياضة، ومن شأنه أن يحد من آفة التبذير والإسراف وهدر الأموال الطائلة.. تطبيق القانون، وإن كان سيفيد في تحقيق النتائج المرضية، فهو حتما سيغني المسؤولين وسيجنبهم من سخط الجمهور وتعليقات الفايسبوكيين.

وما أحوج هذا الوطن إلى مسؤول غيور نزيه وشريف، وما أحوجه إلى مسؤول مواطن يحب الوطن والمواطنين. لعل ذلك قد يجنب أسود الأطلس من أن يروضها ثعلب الألزاس.