اقتصاد، حوارات

“خمسة أسئلة”.. كورونا تورث الخوف من الاستثمار السياحي وسط ضعف برامج الترويج 

خلفت جائحة كورونا على قطاعات السياحة ككل، آثارا وخيمة في جانبها الاقتصادي والاجتماعي والنفسي، وعلى المستثمرين والمهنيين العاملين في قطاع النقل السياحي خصوصا، تسببت في سجن البعض ووفاة آخرين جراء أزمات صحية، نتيجة الضغط الذي عانوا منه أثناء الأزمة.

ولعل أبرز تأثير مستمر بعد انتهاء هذه الأزمة، هو توجس المستثمرين من مستقبلهم في مواصلة استثمارهم في القطاع، خاصة بعد “إغلاق” الجهات الوصية باب الحوار و”عدم” التفاعل مع مقترحاتهم، كما عبروا عن ذلك في العديد من البيانات والمراسلات.

للحديث على هذا الموضوع، تستضيف جريدة “العمق”، الكاتب الوطني لفيدرالية النقل السياحي، محمد بامنصور، في فقرة “خمسة أسئلة”.

وستناقش هذه الحلقة مخلفات الأزمة العالمية على قطاع النقل السياحي بالمغرب، والدعم المقدم للقطاع ومدى فعاليته لتجاوز هذه الأزمة، و”ضعف” حملات الترويج للسياحة الداخلية بالمغرب، خاصة وسط بروز أسواق تنافسية عالمية جديدة، ومواضيع أخرى.

ما هي أبرز التغيرات التي طرأت على قطاع النقل السياحي بعد جائحة كورونا؟

لحق قطاع النقل السياحي تغيرات جوهرية عديدة مع وبعد جائحة كورونا، لعل أبرزها التخوفات والهواجس التي تظل تراود المستثمرين حول مستقبل القطاع، في ظل غياب ضمانات حقيقية تشجع على مواصلة الاستثمار، بالرغم من كونه العمود الفقري للسياحة المغربية.

ولكونها أزمة سابقة من نوعها، لم يعش المهنيين أزمة مماثلة لها، أدت إلى شلل تام في القطاع ولمدة طويلة، راوحت السنتين دون انقطاع، وقد تسببت في مشاكل نفسية للعديد من المستثمرين، وسُجن عدد منهم جراء الديون التي تراكمت عليهم، تطورت في حالات لوفيات جراء أزمات قلبية نتيجة الضغط الذي عاشوه، بعد توقف العمل وملاحقتهم من طرف شركات التمويل والأبناك.

كما عرف القطاع أيضا مشاكل على المستوى الاجتماعي، انعكست سلبا على عائلات شغيلة القطاع وأرباب الشركات، واستمر هذا الوضع إلى حين الإفراج على دعم يتيم للأجراء لم تستفد منه إلا فئات قليلة.

ولعل ما يؤكد توجس المستثمرين اليوم، هو تطورات في الوباء من جديد في الصين، والذي نتج عنه إغلاق السلطات المغربية للحدود الجوية، مما يعني أن القطاع فقد مجددا سوقا جد مهمة وكبيرة جدا، الأمر الذي خلق هلعا شديدا في صفوف المهنيين، وأصبحوا في الأزمة من جديد، خصوصا في ظرفية حساسة نلتمس فيها طريق العودة لوتيرة ما قبل كورونا.

هل استعاد القطاع عافيته بعد فتح الحدود الجوية؟ أم أن هناك عقبات خلفتها الأزمة الصحية ولم يتم تداركها؟

كما هو معلوم، فقطاع النقل السياحي ينشط موسميا في فترات معروفة في السنة، كالأسبوع الأخير من نهاية السنة وبداية السنة الجديدة، وبعض الفترات المتفرقة والمنقطعة في السنة.

ويمكن أن تصل نسبة الملء 90 بالمائة من أسطول المقاولات خلال هذه الفترات، وبمجرد ما تنتهي هذه المناسبات التي تكون محدودة جدا في الزمن، يعود القطاع إلى فترة طويلة من الركود.

لكن عموما، يمكن القول اليوم أن القطاع استعاد 70 بالمائة من زبنائه، مع ظهور أسواق سياحية جديدة، في المقابل فقدان بعض الأسواق والأنشطة التي يعتمد عليها مستثمري ومهنيي القطاع، مثل الجولات السياحية على سبيل المثال، لأن فيها عائدا مهما للشركات.

اليوم، ظهرت أنشطة خدماتية جيدة في النقل السياحي، حفلات، أعراس، ملتقيات وأنشطة الهيئات والمؤسسات، لكنها تبقى غير كافية ولا تغطي كلفة المصاريف المرتفعة التي تؤديها الشركات من تأمينات وضرائب ومصاريف الأسطول العادية.

ما هو تقييمكم للإجراءات الحكومية لدعم النقل السياحي أثناء الأزمة؟ وهل كانت كافية؟

لا يمكن وصف الدعم الممنوح لقطاع النقل السياحي، إلا بالدعم الهزيل مقارنة مع ما حصلت عليه باقي قطاعات النقل الأخرى وقطاع الفندقة والوحدات السياحية. وبالرغم من هزالته، فقد عرف منذ بدايته مشاكل كبيرة في البوابة التي خصصت لذلك.

فقد أعاقت المشاكل التقنية التي صادفها أرباب الشركات حصول هذه الأخيرة على الدعم المقدم لها، لدرجة حرمان أجرائها كليا منه، رغم العديد من المراسلات والتبليغات التي قوبلت بعدم تجاوب الجهات الوصية. ناهيك على عدم تقديم أي دعم للشركات التي تركت في مواجهة الأزمة لوحدها.

وبالتالي، إذا كانت هناك رغبة صادقة لدى القائمين على القطاع السياحي في الحفاظ على تنافسية السوق السياحية المغربية، أمام باقي دول العالم، يجب أن يأخذ هذا قطاع النقل السياحي نصيبه الكافي من الدعم أسوة بالقطاعات الأخرى، والقيام بإجراءات فعالة وتتبع تنزيلها.

فكيف يعقل أن يأتي زبون أجنبي في رحلة طيران من دولة خارجية بتكاليف منخفضة، تتراوح بين بـ200 و300 درهم، ويجد أمام المطار سيارة تنقله من المطار إلى فندق داخل نفس المدينة بمبلغ 500 أو 700 درهم.

كما أننا سجلنا في فيدرالية النقل السياحي بكل أسف، اعتماد وزارة السياحة على تقديم منتجات وعروض تهم قطاع الفنادق دون غيره من قطاعات السياحة الأخرى، وهذا راجع بالأساس إلى كون الوزارة اختارت مخاطبا وحيدا للتواصل، يضم ممثلين عن قطاع الفنادق دون غيرهم من الهيئات الأخرى النشيطة في القطاع.

هل قدمت الجائحة دروسا للمهنيين للتفكير في ابتكار سبل سياحة مستدامة، من قبيل الانفتاح أكثر وتنشيط السياحة الداخلية؟

كما قلت سابقا، القطاع السياحي يتسم بالموسمية، وهذا يقتضي الانفتاح على سوق السياحة الداخلية، إلا أننا كمستثمرين لا يمكننا النجاح في استقطاب السائح المغربي لوحدنا دون دعم، أولا بسبب المصاريف المرتفعة التي تؤديها الشركات في الضرائب والتأمين، وثانيا، في عدم اشتغال المكتب الوطني للسياحة على توفير منتوج سياحي يتوافق والقدرة الشرائية للمواطنين المغاربة.

هذا المنتوج يستوجب أن يكون مدعم من طرف الدولة، ويحترم خصوصية السفر عند العائلات المغربية، عبر تشجيع الوحدات السياحية والمطاعم لاحتواء هذه الفئات العريضة التي تبدي رغبتها في زيارة العديد من المناطق إلا أن تكلفة هذه الرحلات غالبا ما تكون مكلفة لها.

وهنا لا بد من الإشارة إلى مثل هذه المبادرات، والتي من الأولى أن يسهر على مراقبتها وتتبعها من طرف المكتب الوطني للسياحة، تنتشر  بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتتم في ظروف غير محمية وغير مضمونة وغير مرخصة، وهذا يغيب على المهنيين وعلى خزينة الدولة مداخيل مهمة.

قبل أن أنهي الحديث في هذه النقطة، لا بد أن أقول بأننا كمهنيين لا نريد أن نجعل السياحة الداخلية عجلة احتياطية، نلجأ إليها في الأزمات، وإنما نريد أن تكون دافعا وإضافة وتكملة للسياحة الخارجية، ومساهمة في الاقتصاد الوطني.

هل تقوم المؤسسات المعنية بالقطاع السياحي بدورها في الترويج والتسويق للمناطق السياحية المغربية، وتنجز استراتيجيات تروم تطوير القطاع للاستفادة من العملة الصعبة التي يدرها؟

تتكرر علينا مع كل عطلة صيفية أسطوانة واحدة طيلة سنين، عبر وصلات إشهارية لاستقبال السياح والمغاربية والأجانب، بنفس الطريقة في التسويق والترويج، في غياب لمسة إبداعية تواكب التطورات العالمية التي يعرفها سوق السياحة.

القطاع السياحي اليوم، في حاجة لخطط واستراتيجيات فعالة يستفيد منه الفندق والمرشد ووكيل الأسفار، والنقل السياحي، والمطعم، والصانع والحرفي… وما لهذا من عوائد كثيرة على التشغيل ومحاربة البطالة وتنمية الاقتصاد الوطني وتحصيل الضرائب لصالح الخزينة العامة.

ولعل أبرز ما يجب أن تتضمنه هذه الخطط والبرامج هو الجمع بين ما هو سياحي وثقافي، نظرا لما يتمتع به المغرب من تنوع جغرافي مميز، استثمار هذا التنوع في جلب العملة الصعبة.

لابد أن أشير هنا إلى أن وزارة السياحة يجب عليها أن تتحمل مسؤوليتها في فشل هذه البرامج الترويجية، والتي لن تنجح إلا في إطار مقاربة تشاركية، لجميع المهنيين المعنيين بالقطاع السياحي دون استثناء. كما أننا نعيب على الوزارة عدم أخذها بعين الاعتبار للمقترحات التي نقدمها وعدم التجاوب معها سلبا أو إيجابا أو تنقيحا من أجل تجويدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *