أخبار الساعة، حوارات، سياسة

عبد النبي صبري يبرز دلالات وأبعاد زيارة وزير الخارجية الأوكراني للمغرب

يبدو أن الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأوكراني، دميترو كوليبا إلى المغرب، والتي التقى خلالها نظيره ناصر بوريطة، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقرأ من منظور العلاقات الثنائية فقط، بشكل مبتور عن التحولات الدولية والإقليمية، كما لا يمكن استقراؤها دون الحديث عن مكان تموقع المغربي من الحرب الروسية الأوكرانية، وعن موقف أوكرانيا من قضية الصحراء.

في هذا السياق يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس، عبد النبي صبري، أن هاته الزيارة واللقاء التي أعقبها تحمل العديد من الدلالات لا سيما وأنه الأولى من نوعها بعد تبادل التمثيل الدبلوماسي بين البلدين منذ ما يزيد عن ثلاثة قرون، وعلى رأس هاته الدلالات حسب صبري، التأكيد على ما جاء في الخطاب الملكي لذكرى ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2021 بخصوص أن قضية الصحراء هي النظارة التي ينظر من خلالها المغرب إلى العالم.

ويضيف صبري، في حوار مع جريدة العمق المغربي، أن الزيارة التي قام بها وزير الخراجية ترتبط بسياق زيارة أخرى هي تلك هي تلك التي قام بها الرئيس الأوكراني فلديمير زيلنسكي إلى المملكة العربية السعودية وحضوره قمة جامعة الدول العربية، مشيرا أنها وإن كانت من أجل تحسين العلاقات الثنائية فهي أيضا من أجل العلاقات المتعددة الأطراف.

وفيما يلي نص الحوار كاملا:

ما هي دلالات الزيارة التي قام به وزير الخارجية الأوكراني، دميترو كوليبا إلى المملكة المغرب خلال هاته المرحلة بالذات؟

الزيارة تحمل دلالات سياسية عميقة تمثلت أساسا في كون الزيارة التي قام بها دميترو كوليبا هي أول زيارة يقوم بها وزير خارجية أوكرني إلى المغرب منذ تبادل التمثيل الدبلوماسي لما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمن، أمر آخر هو أن أوكرانيا اعترفت بالوحدة الترابية كمفهوم مقدس لدى المغرب، وبمخطط الحكم الذاتي في الصحراء المغربية باعتبارها مبادرة جادة وواقعية،  وهذا الأمر يعكس ما جاء في الخطاب الملكي  في ذكرى ثورة الملك والشعب 20 غشت 2021 بخصوص ان قضية الصحراء هي النظارة التي ينظر من خلالها المغرب إلى العالم، وأوكرانيا اليوم تنضاف إلى قائمة الدول التي تؤكد على أن قضية الصحراء المغربية قضية مقدسة بامتياز بالنسبة للمغرب والمغاربة، وأن وإيجاد حل لها أضحى ضرورة منهجية لا مفر منها من خلال ما قدمه للمغرب لهذا الملف.

مسألة أخرى هو أن الزيارة ترتبط بسياق زيارة أخرى هي تلك التي قام بها الرئيس الأوكراني فلديمير زيلنسكي إلى المملكة العربية السعودية وحضوره قمة جامعة الدول العربية، وإعلانه عن خطة أوكرانية للسلام لنزع فتيل هذه الحرب وكما  هو معلوم في الحرب فهي تهدد الرفاه لكلا البلدين ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون هناك رابح في الحرب، لأنه حسب ضوابط العلاقات الدولية المعاصرة فإجمالي الأرباح التي يجنيها الطرف الذي يعتقد أنه رابح في الحرب تساوي تماما إجمالي الخسائر التي قدمها أو ما يعرف بالحصيلة الصفرية.

في مسألة ثالثة فزيارة وزير الخارجية الاوكراني خلال هاته الظرفية تحمل دلالة اقتصادية تعاونية من بينها أن أوكرانيا أصبحت تبحث عن فرص جديدة للاستثمارات والتجارة في الخارج ولعل المملكة المغربية هي الشريك الامثل كبلد محوري على مستوى شمال إفريقيا وعلى مستوى القارة، فهي تريد من خلال هذا الامر ربط علاقات مع المملكة المغربية ليس فقط من أجل تحسين العلاقات الثنائية ولكن أيضا من أجل العلاقات المتعددة الأطراف وقد تجلى ذلك من خلال موقف المغرب  في الأمم المتحدة وتصويته لصالح دعم الوحدة الترابية لأوكرانيا في هذا الأمر، وكانت قد وقعت هناك بعض الإشكالية في بداية هذه الحرب  حيث تمت إقالة سفيرة أوكرانيا بالمملكة المغربية لدوافع لخصها الرئيس الأوكراني آنذاك في عدم قيام السفيرة بما يلزم من أجل التعريف بالقضية الأوكرانية على هذا المستوى.

كيف يمكن قراءة الموقف المغربي من الحرب الروسية الأوكرانية، انطلاقا من اللقاء الذي جمع ناصر بوريطة بنظيره الأوكراني؟

انطلاقا من موقف المصلحة كجوهر للعلاقات الدولية وحسب ما تقتضيه النظرية الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية، وكذلك انطلاقا من تأثير محتوى القيم  أو الإدراك القيمي كمحدد لسلوكات الدول فالمغرب ليس طرفا  في هذه الحرب الروسية الأوكرانية، لكن آثار هذه الحرب مست مجريات الحياة الدولية  وبعثرة أوراق الجوار وأثرت على الأمن الإقليمي والدولي وساهمت وستساهم في زعزعت استقرار مجموعة من الدول، أما من حيث الانعكاسات الجيواقتصادية فبكل تأكد المغرب كان له نصيب من هذه الآثار  على مستوى مخلفات الأسعار وعلى مستوى سعار أسعار المواد الغذائية وغيره من المواد التي عرفتها مجموعة من دول العالم، ثم إن المغرب لديه قنوات تواصل واضحة مع روسيا وأوكرانيا ويمكن ان يساهم في إيجاد حل لهذا النزاع، وبالتالي فهو يأخذ المسافة نفسها مع كافة الفاعلين والدول لأنه اتخذ من بين المسائل التي اتخذها في العلاقات الدولية النأي عن الصرعات ونبذ الخلافات، والمملكة المغربية كانت ولا تزال تأخذ بالضوابط المؤطرة في علاقاتها الثنائية لا مع روسيا أو مع أوكرانيا ثم اتخاذ مواقف واضحة بدون لف أو دوران فلا يمكن وضع رجل هنا أو رجل هناك مثلما تفعله عدد من الدول أو تستعمل الدلالة الظنية التي لا يفهمها أحد أو لا تكون واضحة.

انطلاقا من التحليل الواقعي للعلاقات الدولية، ألا يمس هذا الاجراء بالموقف الحيادي للمغرب من الحرب؟

أولا المغرب اتخذ في سياسته الخارجية مجموعة من الضوابط وهي السعي إلى الحلول السلمية وتجنب التصعيد كيفما كان نوعه، لأن نتائجه تصيب شظاياها كافة الأطراف، والابتعاد قدر الإمكان وجهد المستطاع عن الجوانب الخلافية وتدعيم العلاقات التعاونية واحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية حسب ما تقتضيه الضوابط الدولية المؤطرة لهذا المجال، ومنها نطاق الأمم المتحدة الذي يدعوا إلى عدم استخدام القوة في العلاقات الدولية وعلى أن تكون علاقات الجوار تتسم بالحسن، وكما تقتضي أيضا الضوابط الدستورية للملكة المغربية التي تدعوا دائما إلى احترام قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بهذا المجال أو غيره.

أمر آخر هو أن المملكة المغربية لا يمكنها حسب ما تقتضيه الظروف والأحوال من أن تتخندق في جانب دون جانب آخر وبالتالي فهي تأخذ الأمور حسب ما يقتضيه منظورها القيمي مع الحفاظ على مصلحته مثل أي دولة، والحفاظ على المصالح داخل القيم ليس كالحفاظ على المصالح خارج القيم وهي المسألة التي تبدو ظاهرة للعيان ومترسخة في كثير من الاذهان ولدى كثير من الدول.

ماذا استفاد الطرفان من هذا اللقاء؟

أول ما استفاد منه الطرفان من اللقاء هو إعادة العلاقات الدبلوماسية وفتح السفارتين المغلقتين في البلدين، وتعزيز العلاقات الثنائية في المجالات التي يبدو أن المغرب أصبح يضرب به المثال فيها: كالتعاون الدولي في المجال الأمني  والاستفادة من التجربة المغربية في الحفاظ على أمن الوطن والمواطن، وأوكرانيا هي الأخرى تريد تأمين صادرات الحبوب على اعتبار أن القطاع الفلاحي قطاع واعد وحيوي بالنسبة لها ويساهم في ضمان السيادة الغذائية، فأوكرانيا اليوم تبدو أنها منفتحة على الذهاب في العلاقات الفلاحية وهي تنظر إلى ما وراء الحرب وإلى مخلفتها من هذه الحرب وبالتالي فهي تريد أن تعول على بلد مستقر في محيط مضطرب في شمال إفريقيا كالمغرب التي من خلالها يمكن أن يكون المنتوج داخل إفريقيا.

مسألة أخرى هي المخدرات والحركات الانفصالية والجرائم العابرة الحدود فأوكرانيا تريد ريط اتفاقيات دولية على مستوى ضبط هذه الأمور المرتبطة بالجريمة المنظمة وغيرها.

أمر آخر، وهو التنسيق المشترك على مستوى القضايا الإقليمية والجهوية والدولية، مع مراعاة أن تكون الاستفادة تكون في سياق رابح رابح، فضلا عن الدخول في شراكات استراتيجية بين البلدين وتطوير العلقات حسب الضوابط القانونية والمؤسساتية على أن تمتد هذه الشراكات إلى مجالات وقطاعات وزارية أوسع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • غزاوي
    منذ سنة واحدة

    .../... تتمة مجرد تساؤل ماذا استفاد الطرفان من هذا اللقاء !!!؟؟؟ جاء في المقال ما نصه: "أول زيارة يقوم بها وزير خارجية أوكرني إلى المغرب منذ تبادل التمثيل الدبلوماسي لما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمن ...." انتهى الاقتباس والإجابة على التساؤل السالف نقتبسها من المقال حيث جاء فيه ما نصه: لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقرأ من منظور العلاقات الثنائية فقط، بشكل مبتور عن التحولات الدولية والإقليمية، كما لا يمكن استقراؤها دون الحديث عن مكان تموقع المغربي من الحرب الروسية الأوكرانية، وعن موقف أوكرانيا من قضية الصحراء. " انتهى الاقتباس

  • غزاوي
    منذ سنة واحدة

    مجرد تساؤل ماذا استفاد الطرفان من هذا اللقاء !!!؟؟؟ التساؤل السالف مقتبس من المقال، والإجابة عليه لا تسوجب حك الرأس أو أن تكون خبير ولا تحتاج إلى تأويل. المغرب يطالب الجزائر بالتخلي عن دعم الشعب الصحراوي، بحجة أن الملف بين يدي الأمم المتحدة، وهو يقوم بعكس ذلك، ويسعى لاستمالة الدول بشتى الطرق لدعم مقترح "الحكم الذاتي" أو الاعتراف بمغربية الصحراء خارج مسعى الأمم المتحدة. ما معنى "مقترح" !!!؟؟؟ قال وزير الخارجية الأوكراني، دميترو كوليبا في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره المغربيما نصه: "أوكرانيا تدعم مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب لحل النزاع في الصحراء الغربية" انتهى الاقتباس. المقترح هو فكرة مطروحة للبت فيها. قد تُقبل وقد تُرفض من صاحب القرار. ما معنى سيادة الدول !!!؟؟؟ وقال الوزير ذاته ما نصه: "أوكرانيا والمغرب يدركان قيمة السيادة والوحدة الترابية لكلا البلدين" انتهى الاقتباس. سيادة الدول، هي الحدود البرية والبحرية والجوية المعترف بها دوليا وفقا للشرعية والقانون الدوليين، ولا تُغيرها أماني الأشخاص ولا العبث بها على الورق بقلم رصاص. وعليه فالوزير الأوكراني يناقض نفسه، يدافع عن" قيمة سيادة الدول"، وفي نفس الوقت يعلن دعمه لمبادرة "الحكم الذاتي" التي يهدف من ورائها المغرب ضم الصحراء الغربية بالقوة رغم أنف الصحراويين والشرعية والقانون الدوليين. من المؤكد أن وزير الخارجية الأوكراني لم يتحمل مشقة السفر إلى المغرب ليسمع بوريطة يخاطبه بما نصه: "المغرب ليس طرفا في الحرب الأوكرانية الروسية لا بشكل ولا بآخر" انتهى الاقتباس ومن المؤكد أن دعم الوزير الأوكراني لمبادرة "الحكم الذاتي " ليس بدون مقابل. المغرب حاول أن يقف على الحياد بالفرار من جلسات التصويت، لكنه عجز عن مقاومة الضغوط الأمريكية فأنحاز إلى أوكرانيا بدليل مشاركة بوريطة نفسه في القمة التي احتضنتها ألمانيا حول تقديم المساعدات العسكرية والسياسية إلى أوكرانيا التي دعت إليها أمريكا. كما ثبت انخراط مغربيين في القتال في صفوف الأوكرانيين. وفي مقال نشره موقع " i24 " العبري يوم:22//01/2023، تحت عنوان:" تقرير : المغرب أول دولة إفريقية تقدم أسلحة إلى أوكرانيا " جاء في ما نصه: " أفاد موقع "ميناديفنس- menadefense"، أن المغرب أصبح أول دولة أفريقية تزود أوكرانيا بالسلاح، حيث سلم حوالي عشرين دبابة T-72 إلى كييف قبل أسبوع بعد تحديثها في جمهورية التشيك. " انتهى الاقتباس