منتدى العمق

نفديك يا أستاذ…

عندما ترتفع حناجر الأمهات المحتجات في الشارع العام، متحدية قوات القمع التي تحاول عبثا حصارها وصدها وتطويق حركتها: “بالروح … بالدم نفديك يا أستاذ …” فإن الأمر يستوجب وقفة راشدة متأنية متزنة للتأمل ولاستخلاص العبر والدروس والرسائل:

1_إن الحب والتقدير اللذين زرعا بالفطرة لمهنة التدريس ولشخصية الأستاذ مازالا قائمين بقوة، رغم كل مخططات التبخيس والتحقير والتنفير… حب وتقدير يسكنان بعمق وقوة في الوعي الجمعي المغربي منذ زمن بعيد، أثمرا ثقة مفرطة تجسدها المقولة الشعبية الشائعة: “أنت تذبح، وأنا نسلخ”

2_إن الوعي الشعبي بأبعاد وأطراف وخفايا وكواليس ومآلات معركة رجال التعليم قائم وحاضر بقوة رغم كل محاولات ومساعي التشويه والتضليل والتزييف.

3_إن الإيمان بأن التعليم حق ثابت لا يقبل المساومة، ولا يمكن التنازل عنه قيد شعرة، أمر راسخ غير قابل للنسخ أن الفسخ أو المسخ، كما أنه أصل ثابت غير قابل للزحزحة، إنه شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، والدليل على ذلك صراخ الأمهات المكلومات على فلذات أكبادهن بملء الفم: “مستعدات للتنازل عن كل شيء … مستعدات لتجاهل وتناسي كل ما اقترفتها هذه الحكومة … مستعدات للتضحية بكل شيء إلا في حق أبنائنا في تعليم عمومي مجاني…”

معنى ذلك باختصار شديد أن ثمة إجماعا شعبيا مطلقا على رفض نظام نعت بأنه “نظام المآسي” وهو نعت يستمد مشروعيته من اعتبارات ثلاثة على الأقل:

1_إنه يشرعن لمأساة رجل التعليم على مستويات عدة: المهام، الأجرة، ساعات العمل، العقوبات.

2_إنه يجهز على كثير من الحقوق التي ناضلت الشغيلة التعليمية من أجل انتزاعها طوال عقود.

3_إنه يكرس الصورة السلبية التي نسجتها مختلف قوى الظلام عن رجل التعليم، والتي جعلت منه بطل النكت والطرائف والحكايات المشوهة لصورته والمسيئة لكرامته.

غير أن المطلع على مواد وبنوذ هذا النظام يقف على حقيقة مرة مفادها أن ثمة تحاملا مقصودا على هيئة التدريس “الأساتذة” ؟ كما أن هناك إصرارا على إذلال هؤلاء الذين اختاروا البقاء في خط المواجهة على أن يتواروا خلف شاشات الحواسيب أو خلف الملفات المتراكمة ؟ بل إن ثمة إمعانا في تهميشهم وفي تمريغ كرامتهم في التراب ؟

ومن أجل ذلك يبقى التساؤل مشروعا بامتياز: لماذا كل هذا التحامل على “حماة العقول وأطبائها” ؟

يتخذ هذا التحامل أبعادا أربعة تشمل كل محاور هذا النظام:

_1المهام:

أناط “نظام المآسي” بأطر التدريس القيام بست مهام هي: التربية والتدريس والتقييم والدعم المدرسي والتعاون والتنسيق ضمن الفريق التربوي والمشاركة في عملية التنمية والتطوير المهني والمشاركة في تنظيم الامتحانات والمباريات والمشاركة في الأنشطة المدرسية والموازية، مع إمكانية إضافة مهام أخر تضيفها السلطة المكلفة بالتربية الوطنية متى رأت الحاجة إلى ذلك كما ورد في المادة 67. ويمكن تصنيف هذه المهام إلى أربعة أقسام كما يلي:

أ_المهام المنصوص عليها صراحة وتفصل فيها المادة 15.

ب_المهام المضمرة بين ثنايا نصوص المرسوم، وهي الواردة في المادة 52 في شأن تقييم الأداء المهني.

ج_مهام الريادة: وهي الواردة في المادة 60 وهي المشاركة في الدورات التكوينية المبرمجة لفائدة العاملين بالمؤسسة التعليمية واستيفاء جميع مراحلها.

د_مهام المبادرات المتميزة: جاء في الفصل 62 من المرسوم أن الوزارة الوصية تنتظر من هيئة التدريس ومن باقي الموارد البشرية القيام بمبادرات وممارسات متميزة.

2_التعويضات والتحفيزات:

نص النظام الأساسي على الزيادة في مقادير بعض التعويضات الخاصة بعدد من أطر الوظيفة التربوية، وتم استثناء المدرسين والمدرسات، وهذا ما يشكل معلما مناقضا لما صرحت به المذكرة التقديمية من مبادئ المساواة والإنصاف.

إن استثناء الأساتذة من هذا التغيير الإيجابي لا معنى له في زمن الإصلاح، لأنهم الفئة التي تتحمل تفاصيل كل المشاريع الإصلاحية وتبعاتها الإجرائية والعملية على أرض المدرسة.

ومن صور قصور “نظام المآسي” بخصوص هذه النقطة: التأجيل أو التراجع عما كان متداولا بخصوص التعويض عن العمل في العالم القروي.

3_العقوبات:

توثقها المادة 64، التي تترصد هفوات المدرسين والمدرسات، وتفصل العقوبات على مقاس كل زلة قد تصدر منهم، إذ تراوحت العقوبات المرتبة في سلم الدرجات الأربع بين الحرمان من الحركة الانتقالية، والحذف من لائحة الترقي، والانحدار في الرتب، والإقصاء من الامتحان المهني، والخصم من الأجور والعزل والإعفاء من ممارسة مهنة التعليم.

4_ساعات العمل:

أكد  المرسوم  في المادة 67 على أن السلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية، ستعمل على  تدقيق وتفصيل المهام المنصوص عليها في هذا المرسوم، و إسناد مهام أخرى للمعنيين، دون تحديد نوع وصنف وطبيعة والغلاف الزمني لهذه المهام الأخرى، كما أنه لا مبرر للمعنيين بالأمر خاصة من هيئة التدريس لرفض هذا الصنف من المهام الاضافية، ولاسيما وأن عدد ساعات العمل غير محددة بمنطوق المادة 68 من المرسوم نفسه.

هل اطلعت جماهير الآباء والأمهات على بنود هذا النظام ؟ هل تعمقت في قراءة ما وراء سطوره ؟ هل حضرت وشاركت في الدورات التكوينية التي كانت الوزارة تعتزم تنظيمها للتبشير به والدفاع عنه ؟

لا ندعي القدرة على الإجابة على كل هذه الأسئلة، ولا داعي لمحاولة ذلك، لأن ما يعرفه الشارع المغربي من هيجان شعبي واضطراب اجتماعي كفيل بتأكيد حقيقة أن الأسرة المغربية صارت على وعي تام ب:

1_أن ثمة مؤامرة خبيثة على المدرسة العمومية، وأن لوبي التعليم الخصوصي في المغرب صار متنفذا أكثر مما نتصور، ومن أجل ذلك فإنه يراهن على إفشال التعليم العمومي تماما والقضاء عليه.

2_أن الدولة ملزمة بإنصاف الأستاذ معنويا وماديا، لأن المس بحقوقه يعني المس بحق التلميذ في التربية والتعليم.

3_أن كل المحاولات التي قامت بها الوزارة لإشعال فتيل الصراع بين الأسر والأساتذة باءت بالفشل الذريع، وهذا دليل على التحول العميق في مستوى الوعي الاجتماعي، والفضل في ذلك يعود لا محالة إلى الثورة الرقمية التي سحبت البساط من تحت أقدام المسؤولين الذين كانوا سابقا يحتكرون منصات الحوار ومكبرات الأصوات وأتاحت الفرصة لكل الأطراف للتواصل والتوعية والترافع وكشف المستور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • ahmed el gharzaoui
    منذ شهرين

    مقالة تفتح الاعين والضمير حتى لمن ليس له ضمير او اعين تحياتي

  • عبد العزيز حداني
    منذ 3 أشهر

    بوركت أناملك يا صديقي، وإننا لفي حاجة إلى يقظة حقيقة تهد أركان الفساد التي طالما جثمت على صدر قطاع التربية والتعليم وأوصلته إلى السكتة القلبية.

  • عيسى
    منذ 3 أشهر

    تحية نضالية للدكتور المناضل