أدب وفنون، حوارات، مجتمع

بعد فوزه بـ”كتارا”.. أوعبو يتحدث عن وظيفة الحكي وأهمية الكتابة وتفرد النقد المغربي

قال الناقد المغربي “سعيد أُوعبو” في حديثه عن دراسته “في ثقافة الرّواية العربيّة” الفائزة بجائزة “كتارا” فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي ، لهذه السنة، أن “كلّ أمّة تسردُ تاريخها وأحوالها وثقافتها عبر الحكي”.

وأضاف أوعبو في حوار مع جريدة “العمق”، “نقدنا إعادة للنّظر في الوجود الإنسانيّ وتكوّنه المركّب بهمومه وتاريخه وشواغله”، معربا عن سعيه “إبانة المسكوت عنه في التاريخ المقترن بالاستعمار والاستعباد وأشكال الانهيار العربي في الحقبة الأندلسية وتلاشي الوجود العربي الإسلامي”.

ويرى الفائز بجائزة كتارا أن ما قدّم التفرد للنقد المغربي، الذي يظل حسب المتحدث “يسير في منحى مغايرة السائد قبل الستينات”، هو “الانفتاح على النقد الغربي الفرنسي تحديدا، واستثماره في تناول الإنتاج العربي حديثه وقديمه”.

وعن علاقته بالكتابة، يرى الناقد المغربي، أنه “إذا كانت الكتابة تكتسي طابعا توثيقيا رسميا يتحمل صاحبها مسؤوليته كاملة، فإن المشافهة تعبر مع الريح، بل ترجأ إلى التزوير والتحريف إن لم تسجل”.

وبخصوص تجربته في قطر، يعتبر أعبو أن “التجارب هي التي تجعل للحياة معنى، وحياتنا بمثابة تجربة كبرى تتخللها تجارب صغرى هي التي تشكل استثناء، لاسيما حينما تنحو في مسار إيجابي يجعلنا نستعرضها بفخر، وحينما يكون الرهان متحققا وكاملا، فنحن ننسى مخاضه”.

وفيما يلي نص الحوار كاملا:

لقد حظيت دراستك “في ثقافة الرّواية العربيّة” الفائزة بجائزة “كتارا” فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي باهتمام كبير. هل يمكنك تقديم لمحة موجزة عن المواضيع والنتائج الرئيسية التي تم استكشافها في بحثك؟

العمل في عمقه وحَدِّه قوّض المستويات الثّقافية المثارة في بعض النّصوص الرّوائية العربية الحديثة والمعاصرة بشكلٍ يراهن على سؤال جدوى الأنساق، أيْ فهم ثقافة الحياة والوجود عبر الرّواية، فكلّ أمّة تسردُ تاريخها وأحوالها وثقافتها عبر الحكي، ونقدنا هو إعادة للنّظر في الوجود الإنسانيّ وتكوّنه المركّب بهمومه وتاريخه وشواغله، ونحن إذْ نتحرك في المساحة الثّقافيّة، فقد انشغلنا بالهمّ الإنسانيّ الذي يُلزمنا من موقعنا بأن نسير في منحى فهم الآخر الذي يمثل فكرنا وأدبنا عبر سرده الذّاتيّ، مع إبانة المسكوت عنه في التاريخ المقترن بالاستعمار والاستعباد وأشكال الانهيار العربي في الحقبة الأندلسية وتلاشي الوجود العربي الإسلامي، ناهيك عن تفكيك بعض التّمثلات الثقافية ونظم اشتغالها. ولعلّ محاولة الانشغال بسؤال الثّقافة في الرّواية العربية أفضى إلى نتائج مستفيضة لا يسع مقام القول لذكرها.

كيف تناولت الموضوع، وما الذي ألهمك للتعمق في هذا المجال المحدد من الدراسة في النقد؟

لقد نهضت هاته الدّراسة بمعالجة المستويات الثقافية للرّواية عبر تفكيك أنساقها، مع بَوْصَلتِ جماليّات الإنتاج الفنّي من منظور: الهويّات السرديّة، والأثر الاستعماري وبراديغماته التعنيفيّة، وثنائية المركز والهامش بهرميّاته التراتبية، والاستيهامات والتّمثلات الثقافيّة وردود الفعل النّسوية. وهي مواضيع أكثر راهنية مقترحة من خلال الرواية وزاويتها المرآوية، والاهتمام بالمجال رهين بالأساس بملامسته للوضعيات الاجتماعية والإنسانية، بل تبدو المواضيع المثارة أكثر القضايا التي تتفاعل معها الرواية المعاصرة، وتستدعي التدبر والفهم والتحليل. وبحكم أنني اشتغلت على يقطين وعبد الله إبراهيم في أطروحتي الأكاديمية، فالمعطى كان سببا إضافيا لاختراق هذا المجال.

لا تعكس هذه الجائزة نجاحك الفردي فحسب، بل تعكس أيضًا أهمية الموضوع الذي استكشفته. كيف تأمل أن يساهم عملك في الحوار الأوسع ضمن النقد العربي؟

الموضوع لم يتم استكشافه في الحقيقة، بل هو امتداد لمواضيع سابقة، لكن زاوية النظر تختلف في الوصول إلى المقاصد والأهداف، ولعل الاعتداد من داخل الموضوع بتوضيح الفرق بين التمثيل الذي نراه عاما والتمثل الذي يبدو خاصا، فضلا عن الانتقالية النسقية بين المواضيع، هو الذي شفع للدراسة بأن تلقى التزكية والقبول، وأرى أيضا بأن تفسير الرواية بعد فهمها من منطلق النسق، جعلنا نتتبع بنية المواضيع، ونعرض هيكلتها وما تثيره من رجات أو تأثيرات خارجية عرضناها بالدرس والتحليل، مع التنبيه إلى قضايا  تحتاج إلى التقويم من قبيل الأنظمة الفارضة للرأي، وإبانة منطق تفكير الذات واختلاف مستويات هذا التفكير مما يُرجح فعل الاختلاف والتنافي مع المطابقة، وهي أشكال مسترشدة فرختها الرواية، في سبيل فهم الآخر، لأننا في حاجة ماسة إلى فهم الآخر، بما هو فهم لجدوى الأدب، ووظائفه التي من شأنها تجويد السلوك الإنساني، والتعبير بشكل حضاري عن إنسانيتنا التي بدأت تنتفي وتندثر.

حدثنا عن تجربتك بقطر: بعض التحديات التي واجهتك، وكيف تغلبت عليها؟ هل كانت هناك أي اكتشافات مفاجئة، كيف شعرت عندما علمت بخبر فوزك؟

التجارب هي التي تجعل للحياة معنى، وحياتنا بمثابة تجربة كبرى تتخللها تجارب صغرى هي التي تشكل استثناء، لاسيما حينما تنحو في مسار إيجابي يجعلنا نستعرضها بفخر، وحينما يكون الرهان متحققا وكاملا، فنحن ننسى مخاضه، وهذا المخاض محكوم بالانتظار والتأمل والترقب، وكما تعلم فإن الانتظار هو أكثر المعضلات على الأرض وجعا، ومن الآلام التي تقهر الذات والوجدان وتُخرِج الإنسان عن طواعيته وجادة صوابه، خصوصا إن لم يكن يتسلح بالأمل، شخصيا، تغاضيت وتناسيت أمر الترشيح، وبعد الوصول للائحة ال(9) في جائزة كتارا لم يكن يركبنا الشيطان في الحقيقة، ولم يسيطر علينا جنون العظمة، وكنت فخورا بوصولي للمرحلة المتقدمة  بشكل غير مبالغ فيه بعد عمل وتقييم اللجان، وفور استقبالي لخبر حيازة الجائزة لم أحس في الحقيقة إلا بفرح الاستحقاق، وأدركت إبان ذلك بأن الحياة منصفة بعد أن تغمط حقك في بعض الأحيان، وتدير ظهرها في أوقات سابقة. أما التواجد في قطر فلم تعقه أدنى الإكراهات، لأن الناس تعلم جيدا كيف تذهب بالوطن بعيدا، وتفهم أيضا معنى التخطيط والتدبير، هناك تصور، وهناك حياة وتطور يظهره تأهيل المكان، أما الإنسان فيُعامَل باعتباره إنسانا كامل الصفات.

الكتابة هي جانب حاسم في النقد والرواية، كيف تتعامل مع حرفة الكتابة، وما هي النصائح التي تقدمها للكتاب الطموحين، سواء كانوا نقاد أو روائيين، بناءً على تجاربك؟

الذي يقول غير الذي يكتب، ودائما ما يُطرَح سؤال الكتابة مقترنا بالمشافهة، وإذا كانت الكتابة تكتسي طابعا توثيقيا رسميا يتحمل صاحبها مسؤوليته كاملة، فإن المشافهة تعبر مع الريح، بل ترجأ إلى التزوير والتحريف إن لم تسجل، ولعل هذا شكل آخر من الفهم، وتفاعلا مع قصدك، فتجربتي في الكتابة مشروطة بأوقات الممارسة، فأنا أقدِّم النّقد على الرواية؛ أمارس النقد بكثرة باعتباره تخصُّصًا، وأنسلخ عن القاعدة لممارسة هواية متاحة للجميع وهي الكتابة السردية، سيما في أوقات متأخرة من الليل، وهنا، أخرج من الخطاب التقرير والمستنزف للفكر والعقل، إلى الخطاب التخييلي الذي يتيح فسحة للبرء مما يستبدنا في الحياة فنتطهّر منها لكي نستطيع مقاومة أكبر الأشياء مدعاة للألم. وردا على سؤال النصيحة، أشير إلى أنني لا أزال أنشد تطوير مهارتي في الكتابة، وأستند في ذلك على القراءة المتواصلة، كونها الأساس الحقيقي للهيكلة والبناء، وأحسب نفسي متعلما لم يَبرح قط موقعه، ويحمل الحماسة لتعبئة الأنصاف الخالية من الفكر والعقل، وأدعو (القرّاء) بعد هذا الاشتراط، إلى الانتقال لمرحلة تالية، وهي تعيين المصادر الأساسية بغية النهل منها، لمعرفة الأصول والفصول.

كيف تنظر إلى الدراسات النقدية بالمغرب وبالعالم العربي، ومن هو مثلك الأعلى؟

الدراسات النقدية في المغرب تجاوزت مرحلة الانطباعية، وفيها يتم تكريس نظريات أدبية في دراسة الأدب، بالتالي، يظل النقد المغربي يسير في منحى مغايرة السائد  قبل الستينات، وما قدّم له التفرد هو الانفتاح على النقد الغربي الفرنسي تحديدا، واستثماره في تناول الإنتاج العربي حديثه وقديمه، في حين أن النقد العربي باستثناء المنطقة المغربية تحديدا والمغاربية عموما، تنظر إلى النقد من زواياه الكمية والبث في القضايا النقدية الكلاسيكية، بل تسير اليوم في اتجاه الانفتاح على الرافد الأمريكي في النظريات وأبعاده الثقافية والاجتماعية.. ولا أخفيكم في أمر المثل الأعلى أن الإنسان في بعض الأحيان وجب أن يخالف السائد، ولا يؤمِنَ بأسطرة المقولة وتعاليها، بالتالي، هناك نماذج مختلف في الحياة في غياب فكرة الكمال، فمثلي في تبني منطق المشروع هو د.سعيد يقطين، وفي المتابعة وتتبع شأن النظريات الغربية وفهم فحواها أجد د.محمد الداهي، وفي الاجتهاد والتأطير أنظر إلى د.إدريس الخضراوي، وفي معنى العضد أتقاطع مع د.محمد عدناني، وفي الحياة إيمانُ وحبُّ والدتي.. وغير هؤلاء كثير في مجالات مغايرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • خلودالحيباري
    منذ 3 أشهر

    واومقال رائع صراحة صدمتونا😮😮😮😮😮😮😮😮😮😮😮😮

  • خلودالحيباري
    منذ 3 أشهر

    واو مقال رائع واوصراحةصدمتونا😮😮😮😮😮😮😮😮😮😮😮