سياسة

قانون الحق في الحصول على المعلومات.. هل تسهم جهود المجتمع المدني في ترافع حقوقي أكبر؟

مواكبةٌ لافتة تلك التي بصمت تفاعل المجتمع المدني المغربي مع أبرز تحولات المنظومة التشريعية الوطنية، وضمنها قانون الحق في الحصول على المعلومات 31.13، الذي شكّل بحسب المتخصصين مكتسبا حقوقيا باعتباره حقا من الحقوق  والحريات الذي من شأنه تعزيز الشفافية وترسيخ الحكامة الجيدة والديمقراطية التشاركية. 

وقد مكّن إصدار القانون في الجريدة الرسمية سنة 2018 من استكمال شروط انضمام المغرب إلى مبادرة الشراكة من أجل حكومة منفتحة، على إثرها تم إعداد خطة عمل وطنية للفترة ما بين غشت 2018 وغشت 2020، بتنسيق مع ممثلين عن القطاعات الوزارية وهيئات الحكامة والمجتمع المدني، وهي الخطة التي تضمنت18 التزاما في مجموعة من المجالات وضمنها الحصول على المعلومات وشفافية الميزانية والمشاركة المواطنة والنزاهة والتحسيس والتواصل.

وتضمن القانون بشكل خاص مبدأ النشر الاستباقي، ويتعلق الأمر” بالمعلومات التي يجب على المؤسسات والهيئات المعنية نشر الحد الأقصى منها، بشكل استباقي وتلقائي، حتى في حال عدم وجود أي طلب، وذلك عن طريق وسائل النشر المتاحة لديها، ولا سيما الإلكترونية منها بما فيها البوابات الوطنية للبيانات العمومية”.

كما نص القانون على أنه يمكن للمواطنات والمواطنين وللأجانب المقيمين في المغرب بشكل قانوني، الحصول على المعلومات بناء على طلب يقدمه المعني بالأمر عن طريق الإيداع المباشر مقابل وصل أو عن طريق البريد العادي أو الإلكتروني مقابل إشعار بالتوصل، حيث يمكن الحصول على المعلومات، إما بالاطلاع المباشر عليها، وإما عن طريق البريد الإلكتروني.

إلا أن المجتمع المدني وهو يواكب هذه الدينامية التي يشهدها تنزيل مقتضيات قانون الحق في الحصول على المعلومات، يسجل ملاحظات بشأن تجاوب الهيئات العمومية مع طلبات الحصول على المعلومات، مجسدا بذلك الديمقراطية التشاركية بما يمكن صناع القرار من تجويد القانون تحقيقا للانفتاح والشفافية.

“مشروع الحق في الحصول على المعلومة كآلية للترافع والشفافية”

في هذا السياق، تعد جمعية سمسم مشاركة مواطنة، إحدى جمعيات المجتمع المدني الأكثر نشاطا ودينامية على مستوى تتبع تنزيل قانون الحق في الحصول على المعلومات، مكرسة بذلك روح الديمقراطية التشاركية من خلال إطلاق مشروع “الحق في الحصول على المعلومات”، وقبل ذلك إطلاق الموقع الإلكتروني “article27.ma” الخاص بالتتبع وتجميع المعطيات الخاصة بتطبيق القانون 31.13 ونشرها لتكون متاحة للعموم.

ما هي أبرز الرهانات التي ينبني عليها تنزيل المشروع؟ يجيب المدير التنفيذي لجمعية سمسم مشاركة مواطنة، اسماعيل السوق بالقول إن “مشروع الحق في الحصول على المعلومات كآلية للترافع والشفافية والحكامة الجيدة ينبني على ممارسة المواطنات والمواطنين لحقهم في تقديم طلبات الحصول على المعلومات.

وأشار السوق إلى أن “هذه الأخيرة تتعلق بالمعلومات التي توجد في حوزة الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، وكذا تبني هذا الحق من طرف جمعيات المجتمع المدني، رغم استثنائها من الحق في تقديم طلبات الحصول على المعلومات، على تبنيه كآلية لدعم حملاتها الترافعية من أجل تحقيق أهدافها في التغيير الإيجابي”.

وأبرز السوق أن الجمعية وضعت من البداية، نصب عينيها التعريف بهذا الحق والعمل على المدى المتوسط على الترافع من أجل إصلاح القانون 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات في اتجاه تسهيل الحصول على المعلومات وتطوير ممارسة انفتاح المؤسسات وثقافة النشر الاستباقي للمعلومات.

وحول ما إذا كان هناك وعيا داخل الأوساط المدنية بأهمية تعزيز جهود المجتمع المدني للترافع حول الحق في الولوج إلى المعلومات وتحقيق مكاسب قانونية أكبر، أجاب الفاعل الجمعوي بالإيجاب، مسجلا بالمقابل أن الوعي “ليس بالشكل المطلوب”، ومؤكدا أن “منطق المشاركة المواطنة ينبغي أن ينبني على تيسيرها بأكبر شكل ممكن وعلى جعلها ذات جدوى، وهو أمر غير متوفر بشكل كامل فيما يخص مشاركة المواطنات والمواطنين وممارستهم لحق الحصول على المعلومات حاليا”.

ولفت السوق إلى أن هذا الأمر يؤثر على درجة تركيز المجتمع المدني لجهوده واستثمار الفرص التي يتيحها هذا الحق، موردا “نعمل بشكل مستمر على نشر الوعي بالحق في الحصول على المعلومات وتكوين الجمعيات في كيفية ممارسته في ست جهات من المغرب، ونتمنى أن نرى جهودا إضافية في هذا الصدد خاصة من طرف المؤسسات”.

وفي هذا الإطار، يركز مشروع الجمعية في شق من تنزيل مشروع الحق في الحصول على المعلومات على تكوين الصحفيين والفاعلين المدنيين، وهو ما ينسجم مع مقتضى التحسيس والتواصل الذي تتضمنه خطة العمل للحكومة المنفتحة 2018-2020، بما يمكن من فهم أفضل للإجراءات والمساطر الإدارية من لدن المواطنين وحماية حقوقهم وتنمية الوعي القانوني والإداري.

وتعليقا على أهمية التشبيك بين الفاعلين في الحقل الصحفي والمدني لتجويد الترسانة القانونية 31.13 وتعزيز أكبر للشفافية والحكامة، يقول السوق إن التشبيك بين الجمعيات والصحافيين والحرص على تنزيل الممارسة والنقاش حول الحق في الحصول على المعلومات على المستوى المحلي يكتسي أهمية قصوى في تحقيق أهداف الحق في الحصول على المعلومات حاليا، والعمل على تجويد ممارسته وإطاره القانوني مستقبلا.

وأضاف السوق “انطلقنا من مقاربتنا للموضوع من ضرورة ممارسة هذا الحق للوقوف على نقاط قوته وضعفه، والقدرة على تقديم مقترحات كفيلة بتخطي عقبات تنزيله من خلال رصد وتقييم أكبر عدد من التجارب الممكنة”، مبرزا أن التشبيك كفيل كذلك بخلق نقاش مستمر حول الموضوع ومواكبة تنزيله مستقبلا.

“ضرورة توحيد جهود المجتمع المدني”

بدورها اعتبرت المستشارة في مجال الحصول على المعلومات زينب بوزار، أنه من الضرورة توحيد وتقوية جهود المجتمع المدني من أجل ترافع قوي، مؤكدة أن مبادرة تجويد القانون يجب أن يتقدم بها المجتمع المدني وكل من لا يساعده القانون على الحصول على المعلومات.

مقابل ذلك، سجلت بوزار أنه قبل الحديث عن تجويد القانون يجب أساسا الحديث عن استخدامه وهو ما تتطلبه اللحظة الراهنة، من أجل مراكمة مكتسبات وتجارب تفضي لاحقا إلى ضرورة تغيير القانون.

وفي هذا الإطار، قالت بوزار إن دور المجتمع المدني هو التحسيس والتعريف أكثر بالقانون ومستجداته، حتى يصير الحق في المعلومة أولوية “لأنه لتجويد الخدمات العمومية يجب أن تتحقق الشفافية ولتحقيقها يجب الحصول على المعلومات”.

وأشارت المتدخلة إلى تجربة جمعية سمسم مشاركة مواطنة وإلى تجربة مؤسسة “طفرة” التي تشتغل بدورها على مشروع مماثل، موردة أن “المشروعين متكاملان، فطفرة تشتغل على النشر الاستباقي للمعلومات بناء على ما تنشره المؤسسات والهيئات من معطيات، فيما تقوم جمعية سمسم بالنشر التفاعلي انطلاقا من تقديم الطلب ثم البث في كيفية التفاعل معه”.

ونوهت المتخصصة إلى أن الآليتين مهمتان للتقييم والتتبع والشفافية، من أجل “الوقوف عند النقائص التي تعترض استخدام القانون والتنبيه إليها”، مشددة على أهمية استدامة واستمرارية هذه المشاريع رغم تحدي التمويل الذي تواجهه، من أجل مواكبة الحالة الحقيقية لتنزيل القانون.

من جهة أخرى، سجلت بوزار أن هناك تحسنا من 2018 إلى اليوم بشكل عام على مستوى النشر الاستباقي للمؤسسات، بالإضافة إلى تكوين الأشخاص المعينين والمكلفين بالتفاعل مع طلبات الحصول على المعلومات، ودعمهم ومواكبتهم، مقابل ذلك سجلت ضعف عمل لجنة الحق في الحصول على المعلومات باعتبارها وصية على التنزيل الجيد للقانون فيما لا تنشر التقرير السنوي الذي من شأنه تقديم أرقام وإحصائيات بخصوص عدد الطلبات والشكايات التي تم البث فيها.

وفي هذا السياق، شددت المتحدثة على أهمية النشر الاستباقي وبطريقة مفتوحة، أي في صيغة تمكن المواطن من استخدامها، معتبرة أن القانون يتعلق بالحق في الحصول وليس الولوج أو النفاذ إلى المعلومة.

“الحق في الحصول على المعلومة ..المعلومة البرلمانية أولا”

وتتيح منصة “شفافية” للمواطنات والمواطنين وكذا الأشخاص الأجانب المقيمين بالمغرب بصفة قانونية تقديم وتتبع طلبات الحصول على المعلومات وفقا للقانون 13-31 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات المتعلقة بالإدارات العمومية والمؤسسات والمقاولات العمومية والجماعات الترابية وعدد من الهيئات، أو التواصل مع الشخص أو الأشخاص المكلفين بالحصول على المعلومات على مستوى المؤسسات والهيئات المعنية بتنفيذ القانون.

وبهذا الخصوص سجلت الباحثة في القانون البرلماني، مريم بليل، أن منصة “شفافية لا تضم مجلسي البرلمان ضمن المؤسسات التي يقدم إليها طلب الحصول على المعلومات، بالتالي الطلب عبر المنصة غير متاح”، ويبقى الحل بالنسبة إلى الباحثة هو تقديم طلب المعلومة بشكل شخصي إلى الشخص المكلف، لكنه “غير معروف” ولا توجد أي بيانات بخصوصه.

وفي إطار مواكبة المجتمع المدني لمستجدات المنظومة التشريعية، تبقى المعلومة البرلمانية أهم ما يجب أن يخضع للنشر الاستباقي دون الحاجة إلى تقديم طلب. وتعتبر بليل أن المؤسسة البرلمانية يجب أن توفر كافة الوثائق والمعلومات بشكل استباقي، مشيرة إلى أنه بناء على هذا المعطى تقاس مدى ديمقراطية البرلمان، أي مدى نشرها للمعطيات ومدى شفافيتها.

ولفتت إلى الدور الهام للمجتمع المدني في مسار تقييم السياسات العمومية ومراقبة أثر تنزيل القوانين التي تنبثق من المؤسسة التشريعية والتقدم بتعديلات في إطار الديمقراطية التشاركية، معتبرة أن أي إقصاء لأدواره سيكون خارج السياق، بالنظر لسياق الشراكة من أجل الحكومة المنفتحة التي انخرط فيها المغرب، والتي تؤكد على تشبيك الجهود والانخراط بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني.

كما لفتت بليل إلى أن القانون يجب أن يشمل جمعيات المجتمع المدني في تقديم طلبات الحصول على المعلومات إلى جانب الأفراد، منوهة إلى أهمية العمل التشاوري الذي يقوم به المجتمع المدني من خلال تقديم خلاصات تجاربه في استخدام القانون والزوايا التي يجب أن يتم من خلالها تجويد القانون، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا “إذا كان البرلمان مفتوحا على هذه المبادرات ومنصتا لها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *