حوارات، سياسة، مجتمع

فلسطين والوضع الحقوقي ومناورات الخصوم.. الحسيني يعدد رهانات المغرب بعد ترأسه مجلس حقوق الإنسان (فيديو)

اعتبر تاج الدين الحسيني، أستاذ القانون الدولي بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن أحسن وسيلة لكي يعطي المغرب سمعة ومصداقية على المستوى الدولي، خلال ترأسه لمجلس حقوق الإنسان، هو أن يبدأ بإصلاح قضايا حقوق الإنسان من الداخل.

وأوضح في هذا الإطار، ضمن حوار مع جريدة “العمق”، قائلا: “اليوم أصبح من واجبنا أن ننظف أكثر فأكثر بيتنا الداخلي، لأننا مطالبون بأن نشكل النموذج والمثال الأسمى على الصعيد العالمي”.

ويرى الحسيني أن التحدي الأكبر الذي تواجهه رئاسة المغرب لهذا المجلس، هو أن يرفع عاليا صوت الحكمة وصوت الحل الحقيقي الذي يعطي للفلسطينيين الحد الأدنى من حقوقهم، وهو على الأقل “تكوين دولتهم المستقلة التي ينبغي أن تكون قادرة على الحياة وأن تكون لها القدرة في أن تعيش بين الدول المكونة للأمم المتحدة”.

وأرجع السبب وراء تصويت 30 دولة صالح رئاسة المغرب لمجلس حقوق الإنسان، وإفشال مناورات الجزائر وجنوب إفريقيا، إلى “سيره البعيد والملاحظ في اتجاه ترسيخ حقوق الإنسان التي أصبحت من الشعارات الأساسية التي ترفعها كل المؤسسات المسؤولة في المغرب”.

وأشار أستاذ القانون الدولي إلى أن هذه الوضعية عرفت تعثرات، من قبيل ما حدث في سنوات الرصاص، والصراعات التي كانت قائمة بين النظام وعدة توجهات يسارية.

وأوضح المتحدث أن المغرب يمكن أن يتعامل ضمن سياق عمله بالمجلس، مع عدد من المنظمات الدولية مثل “هيومن رايتس ووتش”، و”منظمة العفو الدولية”.

ولفت إلى أن المنظمات الداخلية مثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان قد يكون من واجبها أن تتعامل مع المجلس بطريقة أخرى، لأن “هدف الجميع في نهاية المطاف هو إعطاء صورة مشرفة عن واقع حقوق الإنسان في المغرب”.

وفيما يلي نص الحوار كاملا:

ما أهمية انتخاب المغرب لرئاسة مجلس حقوق الإنسان؟ وهل سيؤثر على جدول أعمال المجلس وأولوياته؟

انتخاب المغرب على رأس هذا المجلس يعتبر سابقة فريدة من نوعها في تاريخ علاقته بالأمم المتحدة. المغرب عضو في هذه المنظمة العالمية منذ حصوله على الاستقلال وقد مضت على ذلك عشرات العقود وهذه أول مرة يأخذ فيها المغرب هذا المنصب. وعلينا أن نلاحظ أن هذه العملية لم تكن بالشيء السهل، فهذا يتطلب نوعا من العمل المستمر لعشرات السنين.

مجلس حقوق الإنسان جاء بمثابة وريث لهيئة أو اللجنة السابقة لحقوق الإنسان التي عاشت في ظل الأمم المتحدة إلى حدود سنة 2006. وكان حينها الأمين العام السابق كوفي عنان قد اقترح تأسيس هذا المجلس بهذه الطريقة لكي يعطي لحقوق الإنسان أهمية أكبر في العلاقات الدولية. وقد تأسس على أن يضم 47 عضوا يتم أولا انتخابهم من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة وفقا للمبادئ التوزيع الجغرافي العادل التي تعمل بها هذه المنظمة. وكذلك في إطار تمثيلية تهم عدة قارات، مثلا القارة الإفريقية الممثلة ب 13 دولة.

الميزة التي حصل عليها المغرب في هذه الانتخابات أنه من بين 13 دولة إفريقية شاركت في عملية التصويت من أصل 47 دولة أعضاء، وافقت 10 دول إفريقية على انتخاب المغرب أمام طرفين أساسيين مرشحين خاضا حربا شعواء داخل هذه الهيئة، وهما الجزائر وجنوب أفريقيا التي رُشحت كذلك والتي لم تحصل رغم المناورات إلا على 17 صوتا في حين حصل المغرب على 30 صوتا.

أعتقد أن سنة 24 ستكون حافلة بعدة إنجازات في هذا المجال، المغرب اليوم مدعو لكي يتعامل مع المؤسسات المدنية لحقوق الإنسان في مختلف بلدان العالم، ومدعو ليتعامل مع الدول نفسها كأعضاء أساسيين، مدعو كذلك لكي يشارك في إطار أعضاء المكتب .

وبالتالي هذا المكسب له صلاحيات واسعة حتى فيما يتعلق بإمكانية القيام ببعض التحريات عن طريق تأسيس لجان لتقصي الحقائق، والانتقال إلى عين المكان لمراقبة مدى احترام حقوق الإنسان. وبطبيعة الحال إذا أخذنا هذا التطور في آليات متابعة حقوق الإنسان بعين الاعتبار، فينبغي القول إنه حتى المنظمات الأخرى غير الحكومية التي تشتغل على الصعيد الدولي يمكن أن يتعامل معها المغرب في سياق تعاونها معها المجلس كما هو الشأن مثلا مع منظمة “هيومن رايتس ووتش”، و”منظمة العفو الدولية”.

وحتى المنظمات الداخلية مثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان على سبيل المثال قد يكون من واجبها أن تتعامل مع المجلس بطريقة أخرى لأن هدف الجميع في نهاية المطاف هو أن نعطي صورة مشرفة عن واقع حقوق الإنسان في بلادنا. وبالتالي حتى تكون مرآة هذه الوضعية أساسا لآلية اتخاذ القرار من طرف المغرب وفق مسؤولياته الجديدة في هذا المجال.

هل تتماشى قيادة المغرب لمجلس حقوق الإنسان مع أهداف سياسته الخارجية والتزاماته الحقوقية؟

أظن أن لا أحد ينكر أن المغرب منذ حصوله على الاستقلال وضع في البداية دستورا يرفض الاحتكار، يرفض الحزب الواحد، وكذلك يرفض الهيمنة على رأس المال من طرف الدولة. لقد كان النهج من ناحية اقتصادية ليبراليا ومن الناحية السياسية ذو تعددية حزبية. ثم صدر ظهير الحريات العامة وتأسيس الجمعيات منذ سنة 1958 الذي فتح الباب على مصراعيه لحرية الفكر، حرية العبادة، حرية التعبير، حرية تأسيس الجمعيات دون حدود إلى آخر ذلك من الحقوق والمزايا.

بالفعل عرفت هذه الوضعية تعثرات؛ لا أحد ينسى ما حدث في سنوات الرصاص لا أحد ينسى الصراعات التي كانت قائمة بالنظام وعدة توجهات يسارية في الحقل السياسي المغربي. ولكن في نهاية المطاف علينا أن نلاحظ أن مسألة ترسيخ حقوق الإنسان وحقوق الأقليات أصبحت من بين الشعارات الأساسية التي ترفعها كل المؤسسات المسؤولة في المغرب.

اليوم مسألة حقوق الإنسان لم تعد تقتصر على الحريات الفردية والجماعية أصبحت كذلك تهم حقوق الأقليات، تهم حقوق المهاجرين ونحن نلاحظ كيف أن المغرب استطاع بحكمة استثنائية أن يعطي مسألة حقوق المهاجرين صبغة خاصة.

وأكثر من هذا عندما نأخذ مسألة حقوق الانسان على مستوى المؤسسات واشتغالها، فدستور 2011 جاء ليشكل منعطفا جديدا في احترام حقوق الانسان، وحقوق الجماعات؛ نتحدث عن إمكانية تقديم العرائض من طرف المواطنين، وإمكانية المراقبة التي اعطيت المجلس الوطني لحقوق الانسان بمختلف فروعة.

وللتذكير فمجلس الامن أشاد غير ما مرة بالدور الفعال الذي يقوم بهم المجلس الوطني لحقوق الانسان في المغرب وخاصة في الأقاليم المسترجعة في كل من الداخلة والعيون واعتبر بالنتيجة أنه لا حاجة لأن تتكفل “المينيرسو” بحماية حقوق الانسان ما دامت هذه الهيئة او هذه الهيئات موجودة وتمارس نشاطها. وفيما يتعلق بتأسيس لجنة الانصاف المصالحة التي كانت ابتداعا مغربيا وقلدته عدة بلدان اخرى. كذلك مسألة الحوار بين الأديان والثقافات؛ المغرب شجعها واستدعى “بابا” الكاثوليك وأقام عدة حوارات من منطلق أن الاسلام دين للإشعاع المبني على الاعتدال وعلى الوسطية وعلى احترام حقوق الانسان وعلى احترام الآخر.

وبالتالي أظن في إطار هذه البوتقة من التحول التي عرفها المجتمع المغربي وحتى بالنسبة لما يجري في الأقاليم الصحراوية الجنوبية نلاحظ أن احترام حقوق الانسان أصبح شعارا مركزيا. فحتى مع الانفصاليين إذ يتاح لهم امكانية الحصول على الجواز المغربي والسفر الى عدة مؤتمرات في الجزائر وغيرها وربما يشنعون بالنظام المغربي ثم يعودون الى مواطنهم في أمن وأمان.

وهذه هي صورة المجتمع التعددي لأن المغرب من الأساس ينبغي أن نعترف بهذه الحقيقة تكون منذ البداية على اساس التوازن بين مشاربه المختلفة فأول أمازيغي ثم عربي ثم عرف لقاحات من عدة جهات مثل مكون الاندلسي والمكن الصحراوي والمكون الافريقي المتوسطي. واليوم علينا أن نقول بأن المغرب إذا كان يعيش نوع من الوحدة والاستقرار فهو يعيش هذه الوحدة في ظل التعدد.

المغرب سار بعيدا في هذا الاتجاه بشكل أعتقد أنه هو السبب الرئيسي في أن تقوم حوالي 30 دولة داخل مجلس حقوق الانسان بالتصويت لصالحه. وهذا فضل عن الدور الأساسي الذي يلعبه في اللجان التي تؤسسها هذه الهيئة العالمية، وأكثر من ذلك هو يشتغل في حوالي 19 فرعا من فروع المجلس. وبالتالي هناك وجود قوي للمغرب لا يمكن أن تزعزعه مثل المؤامرات التي تخوضها الجزائر وجنوب إفريقيا أو تحلفهما معا.

ما هي التحديات والفرص أمام المغرب لتعزيز وحماية حقوق الإنسان على الصعيد العالمي، وكيف سيؤثر ذلك على مكانته الدبلوماسية؟

أظن أن أحسن وسيلة لإعطاء سمعة ومصداقية على المستوى الدولي أن تبدأ مسألة إصلاح قضايا حقوق الإنسان من الداخل يعني اليوم أصبح من واجبنا أن ننظف أكثر فأكثر بيتنا الداخلي لأننا مطالبون بأن نشكل النموذج والمثال الاسمي على الصعيد العالمي. واعتقد أنه كل التجاوزات التي عرفها بعض المراحل في تاريخ المغرب وحتى في السنوات الأخيرة ينبغي اليوم أن نتجاوزها بشكل مطلق.

لكن أكثر من هذا هو أن دبلوماسيتنا ينبغي أن تكون أكثر نشاطا وحنكة في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان ليس فقط في تطوير مناهج احترام حقوق الإنسان بشكل أفضل ولكن في مواجهة الحالات التي تنتهك فيها حقوق الإنسان وحقوق الشعوب.

فما يجري اليوم في غزة هو مأساة لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية من تقتيل وتشريد وتنكيل ليس فقط بالراشدين ولكن بالنساء والأطفال تصوروا أن أكثر من 20 ألف ضحية سقطت في ميدان الصراع داخل غزة، وهذا شيء خطير يعيشه المجتمع الدولي، فلا الولايات المتحدة الأمريكية ولا الغرب يسائل إسرائيل أو يحاسبونها. اليوم هناك محاكمة تجري في محكمة العدل الدولية وأظن صادقا أنها يمكن أن تؤدي إلى نتائج أولية وهذه سابقة جديدة.

أعتقد أن أول شيء ينبغي أن يضعه المغرب على جدول الأعمال هو مواجهة هذا الانحراف وهذا التسلط الصهيوني الذي عرفت الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها الضفة الغربية، هدف إسرائيل للأسف في المرحلة الراهنة هو أن تقوم تقوم بتهجير كل الفلسطينيين للبحث لهم عن أوطان أخرى خارج بلدهم؛ وهذا نموذج لنكبة أكثر فظاعة في ظل عالم أصبح يرى ويسمع كل شيء.

الغرب وخاصة الولايات المتحدة التي قال عنها الرئيس المصري الأسبق أنور السادات إن 99 % من فرص تحقيق نجاح في تسوية النجاح النزاع في الشرق الأوسط تتحمله الولايات المتحدة. وأظن أن هذا لا يزال صالحا حتى الآن لأن الولايات المتحدة في الوقت الذي يقتل فيه الأطفال والنساء في هذا الوقت تزداد عملية دعم إسرائيل بالأسلحة المتطورة التي لا هدف لها إلا تقتيل الأبرياء.

لذلك أظن أن التحدي الأكبر الذي تواجهه رئاسة المغرب لهذا المجلس هو أن يرفع عاليا صوت الحكمة وصوت الحل الحقيقي الذي يعطي للفلسطينيين الحد الأدنى من حقوقهم. وعلى الأقل هو تكوين دولتهم المستقلة التي ينبغي أن تكون قادرة على الحياة وأن تكون لها القدرة في أن تعيش بين الدول المكونة للأمم المتحدة.

وبطبيعة ينبغي الأخذ بعين الاعتبار القضايا الأخرى التي تعرفها حقوق الإنسان من انتهاك لحقوق الأقليات من تنكيل بالمسلمين في الكثير من مناطق العالم في ظل عنصرية جديدة وإرهاب فكري تفرضه بعض الأنظمة التي وصل فيها اليمين المتطرف إلى الحكم في عدة بلدان داخل أوروبا.

هذه أشياء كلها ينبغي أن تواجه بقوة، فوجود المغرب في هذا المركز يشكل نوعا من الشرف ونوع من المكانة هو كذلك مسؤولية جسيمة ينبغي ألا تمر سنة 2024 دون أن يكون قد أنجز فعلا جدول أعمال ناجع ومنتج يترك بصمة المغرب في هذه المؤسسة الدولية الممتازة، ليس فقط الآن ولكن حتى للأجيال المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • غزاوي
    منذ شهر واحد

    مجرد تساؤل. هل يغلب التطبع الطبع !!!؟؟؟ جاء في المقال على لسان تاج الدين الحسيني، أستاذ القانون الدولي بجامعة محمد الخامس بالرباط ما نصه: "لكي يعطي المغرب سمعة ومصداقية على المستوى الدولي، خلال ترأسه لمجلس حقوق الإنسان، هو أن يبدأ بإصلاح قضايا حقوق الإنسان من الداخل.... التحدي الأكبر الذي تواجهه رئاسة المغرب لهذا المجلس، هو أن يرفع عاليا صوت الحكمة وصوت الحل الحقيقي الذي يعطي للفلسطينيين الحد الأدنى من حقوقهم" انتهى الاقتباس المغرب منذ نشأته وملوكه وسلاطين ضد حقوق المغربيين، حرموهم حتى من ذكرهم في شعار المملكة المغربية، أما حقوق الفلسطينيين فلن ترقى أبدا إلى حقوق اليهود، فضلا أن حقوق اليهود مقدم على حقوق الفلسطينيين.

  • قاريء
    منذ شهر واحد

    لم تعد امريكا القوة العالمية الاولى قادرة على إيجاد حل للقضية الفلسطينية لان اللوبي الصهيوني هو الذي يتحكم بالقوة في سياساتها وسياسات اسراءيل.وكل رءيس سعى لتراس امريكا الا وتكون اسراءيل الكاشف الاول لخبايا سياسته حفاظا على غطرستها في توسيع رقعة احتلالها لتكون اسراءيل من النيل الى الفرات.