منتدى العمق

الطفل بين الأم الوالدة والمربية المستوردة

لا شك أن الطفل كان و سيبقى هو الهاجس الدائم للآباء و الأمهات و المربين و المعلمين و المصلحين، و كل الذين يفكرون بالمستقبل، و يحاولون وضع المقدمات السليمة لبلوغه بشكل مأمون، وتشكيله على نحو أفضل، ذلك أن النتائج المنظورة و الملموسة للنظريات التربوية سواء منها النظرية المادية، أو الاجتماعية أو الطبيعية، أو مدرسة التحليل النفسي التي سادت المؤسسات التربوية فترة من الزمن، خيبت الآمال، و بددت الجهود و أدت إلى الإحباط .

فالطفل إلى هذه اللحظة لا يزال محل تجارب واختبارات و اجتهادات يحكمها الكثير من الخطإ، والقليل من الصواب، هذا على الرغم من التقدم الكبير في الدراسات النفسية والسيكولوجية إلى درجة جعلت علم النفس التربوي محصورا في دائرة الطفل، أما ما وراءه من علم النفس فهو أقرب بطبيعته إلى الدائرة العلاجية منه إلى الدائرة التربوية، ومن نعم الله علينا نحن المسلمين أن ركائز الحياة الطيبة السعيدة، حددها الوحي بشكل حاسم و لم تترك لعبث الأهواء و تضارب الآراء، فالإسلام نظرإلى العملية التربوية نظرة شمولية و وضع لها الأسس و المعايير الثابتة من بدايتها و حتى نهايتها..

فالعملية التربوية في الإسلام تبدأ من قبل الزواج، وذلك بإيجاد المقدمات الصحيحة التي تصير إلي النتائج الصحيحة و السليمة. وأعتقد أن ما شرعه الإسلام من معايير للزواج من الحض على النكاح في الحجر الصالح، والتخير للنطف، وضرورة الظفر بذات الدين، وذي الدين، كلها مقدمات راعت الجانب الوراثي والجانب الاكتسابي معا للوصول إلى مجتمع المودة و الرحمة ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ) الروم : 21 .. الذي يشكل المحضن النظيف والمناخ الصحيح للتنشئة و الناشئة، ولا أظن أن أية نظرية تربوية اليوم، تبدأ عندها تربية الطفل من قبل وجوده و ولادته إلا ما شرعه الإسلام ..

و قد لا يتسع المجال هنا للكلام عن آداب الإسلام في الزفاف وبيان أهداف الزواج و أدعية الاتصال بين الرجل والمرأة و أحكام الجنين، ونحسب أن ذلك معروف ومشهور . فالمسؤولية تبدأ قبل الزواج، وتتركز على وسائل الاختيار وكل التدابير الوقائية الأخرى، وتبقى مستمرة استمرار الحياة ولا تتوقف بالموت. فإذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة، أحداها ولد صالح يدعو له .. فلعل المسؤولية عن تربية الصلاح للولد تستمر بعد الموت، وذلك باستمرار الثواب و التواصل والامتداد الذي يحمله الولد لأبيه، وإما الشر و الإثم والمسؤولية التقصيرية إذا كان العكس كما يفيد مفهوم المخالفة .. فهو إما صالح يضمن استمرار الثواب وامتداد الأجر الذي يعني من بعض الوجوه امتداد العمر، وإما فاسد ( و العياذ بالله ) والكلام على أثره و تأثيره على الأحياء و الأموات خطير جدا ..

والتربية الكسبية أيضا تبدأ عند المسلمين منذ لحظة الولادة، بالآذان في أذن الطفل اليمنى و تلقينه عقيدة التوحيد واختيار الإسم الذي له منه نصيب، وما إلى ذلك، حتى أن علماء التربية أجمعوا حديثا على أن الاكتساب والاختزان المعرفي يبدأ عند الطفل منذ اللحظة الأولى، وأن أية غفلة عن هذه الحقيقة تشكل تراكمات و مكتسبات سيئة تظهر على سلوك الطفل عندما يبدأ بالتعبير عنها بعد مرحلة الكمون ..

إنه يكتسب تربية وثقافة من نظراته لكل من حوله، وسماعه لكل الأصوات و رصده لكل الحركات التي تحيط به، وليس أدل على ذلك من قدرته على استعمال بكائه، سلاحه الأوحد في التعبير في هذه المرحلة في استدعاء أمه حسب ما عودته منذ اللحظات الأولى .. أليس التعويد هو التربية ؟؟

لذلك لا بد أن تدرك الأم، ويدرك الأب خطورة التعامل مع هذه الصفحة البيضاء القابلة لكل نقش وصورة، لأنهم سوف يقرأون في المستقبل ما يكتبون عليها وما يرسمون فيها ..

فالمسؤولية كلها تكاد تقع على مصادر التربية الأولى، ذلك أن المولود يولد على الفطرة، وأبواه هما محور التشكيل والصياغة، و نحن بذلك لا نغض من طرف المؤسسات الأخرى، لكن نقول : إن مستقبل الحياة السلوكية تزرع بذوره في الطفولة .. والعملية التربوية فيما بعد عملية تنمية لا نملكها بغير البذور، كما أننا لا نمتلك تغيير ثمرات البذور ..

ولاشك أن الأم بطبيعتها و تكوينها و لصوقها بالطفل ( و طفولته طويلة المدى ) هي محور التربية ومرتكزها .. فهي راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيتها .. بل أكثر من ذلك نقول : إن الرسول الكريم ‎ﷺ قَرَنَ رعويتها برعوية الإمام الأعظم المسؤول عن الأمة جميعا، وقد تكون مسؤوليتها أدق وأخطر، ذلك أن مسؤولية الإمام تنتهي إدارية في حقيقتها، أما مسؤوليتها هي فتربوية، وتشكل الأساس السليم لمسؤولية الإمام. وأعتقد أن أي استهتار بقيمة هذه المسؤولية أو دورها أو التخلي عنها لامرأة أخرى أو عمل آخر بدون ضرورة هو إصابة عضوية وعلة نفسية ونقص عقلي واختلال في الشخصية، ذلك أن الولد يبدأ بالامتصاص اللغوي النفسي الثقافي وتتكون خصائصه العامة كلها في مرحلة الطفولة الأولى – كما أسلفنا- و التخلي عن هذا الأمر يمكن أن يكون من أكبر الجرائم التي لا ندرك نتائجها الآن، ومن الألغام الموقوتة التي تتفجر بنا وبذرارينا، ومهما تكن المسوغات والأعذار، ومهما يكن مورد التفرغ لأعمال أخرى على حساب العملية التربوية .. فما الذي نستفيد من كل كسبنا إذا خسرنا أنفسنا ؟

و المأساة التي وقعنا فيها اليوم ومن قبل، أو وقع فيها بعضنا – ( و دول الخليج أكثر ) – هي في استيراد المربيات المغايرات في الدين واللغة و الثقافة والبيئة لأولادنا، الأمر الذي يحمل الكارثة، ذلك أن النتائج الكاملة لم تظهر بعد .. إنها سوف تظهر في الجيل القادم – وقد بدت بعض أماراتها فيهم – والفرق بيننا وبين أسلافنا كبير جدا، أولئك الذين كانوا يرسلون أبنائهم إلى البوادي لنقاء عودهم وسلامة لغتهم، أما نحن فنعمل على تعجيم أبنائنا باختيارنا ..

إن أعداءنا لا يسرقون أطفالنا من المخيمات وأماكن الكوارث و المجاعات و الحروب و يعدونهم كما يريدون فقط، إن السراق الحقيقيين يعيشون في بيوتنا و تحت حمايتنا، و يعبثون في مستقبلنا .، وندفع لهم أجر ذلك، و كثير من نسائنا اللواتي يعشن عقدة المظاهر والتفاخر لا يعلمن أنهن أول من يدفع الثمن من دينهن و عرضهن وأمنهن ..

و أعداء الإسلام وخصوم الأمة من اليهود و المنصرين، يحاولون في أحدث صورة للغزو الفكري التسلل من جديد إلى العالم الإسلامي تحت عناوين العمالة و الخدمات و المربيات، خاصة و إن مجال المربية المستوردة سوف يُمكّن من التعرف على البيوت من داخلها و ينقل أخبارها و أسرارها و يستأثر بصناعة جيل المستقبل، الذي يمكن أن يصب في مصلحة أعداء الدين و يفتن بهم وبحضارتهم، خاصة وأن البيوت التي تستورد الخادمات المساعدات وتتخلى عن تربية أطفالها للمربيات هي غالبا بيوت ذات أثر وتأثير في الحياة الاجتماعية ..

فهل يستشعر الآباء و الأمهات المسؤولية و يلتزمون بشرع الله، وآداب الإسلام حتى لا تقع الكارثة، وحتى يحموا أطفالهم من التمزق والضياع بين الأم الرؤوم الوالدة والمربية المستوردة ؟؟ !!

والله يقول الحق و يهدي للصواب ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *