وجهة نظر

ملف المدرسين الموقوفين.. حجرة في بلغة النظام الأساسي المرتقب

بعد أن وضعت معركة التعليم أوزارها، وعادت الأمور إلى سالف عهدها، بالعودة الجماعية إلى الفصول الدراسية، لا يمكن إلا التعبير عن مشاعر الأسف والتضامن مع المدرسين الذين طالهم سيف “التوقيف المؤقت” عن العمل، ومهما اتفقنا أو اختلفنا مع السلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية، حول الأسباب أو الدوافع، التي فرضت اللجوء إلى دق طبول الردع والزجر، ومهما تأسفنا في ذات الآن، على النضالات  “الاندفاعية” التي انتهت على إيقاع  الخضوع والانحناء، هناك ثوابت لامناص من الإشارة إليها:

 

  • الثابت الأول: أن سياق “التوقيفات المؤقتة” ارتبط بالنضال الجماعي، الذي انخرطت فيه الشغيلة التعليمية بكل فئاتها، بحثا عن الكرامة التي غابت شمسها عن سماء نظام المآسي، ولم يكن نضال أفراد أو مجموعات معزولة، ومن باب الإنصاف، إذا كان الزجر لابد منه، فمن باب الإنصاف، كان لابد أن يطال مقصه الجميع على قدم المساواة ؛

 

  • الثابت الثاني: أن “التوقيفات المؤقتة” لا تساير البتة، ما أبانت عنه الحكومة، من إرادة وحسن نية، في الخروج من عنق زجاجة الأزمة التعليمية، سواء تعلق الأمر بالاستجابة لجوانب مهمة من مطالب الشغيلة التعليمية في مشروع النظام الأساسي المرتقب الإعلان عن صيغته النهائية في قادم الأيام، أو من خلال الرفع من أجور نساء ورجال التعليم بكل فئاتهم، كما لا يساير الظرفية التعليمية العامة، التي تقتضي الحكمة والتبصر وحسن النية والجنوح نحو السلم، خاصة بعد العودة الجماعية إلى الفصول الدراسية وإعادة تحريك عجلة الموسم الدراسي بعد أسابيع من التعطيل والشلل؛

 

  • الثابت الثالث: أن جلوس الحكومة مرة أخرى على طاولة الحوار والتفاوض مع النقابات التعليمية بشأن تعديل النظام الأساسي، هو اعتراف بالنواقص التي طالت نظام المآسي، وإقرار بمشروعية نضالات الشغيلة التعليمية، التي لم تخرج إلى ساحات وشوارع الاحتجاج، إلا بعد أن نفذ الصبر وبلغ السيل الزبى؛

 

  • الثابت الرابع: أن توقيف أساتذة بعينهم دون آخرين، قد يرى فيه البعض “ممارسة انتقائية” وقد يرى فيه البعض الآخر “تصرفات انتقامية تحكمية”، وقد يرى فيه البعض الثالث “فقدانا للثقة” في السلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية، و”تشكيكا” في نواياها الإصلاحية؛

 

  • الثابت الخامس: أن قرارات التوقيف المؤقت التي طالت أعناق عينات من المدرسين المحتجين دون غيرهم من المناضلين، ما هي في الواقع إلا نوعا من “العقاب الجماعي” في حق أسر وأبناء وعائلات، في سياق سوسيواقتصادي صعب وشاق، مطبوع بارتفاع نسب التضخم والارتفاع  المهول في الأسعار،  وفي لحظة تعليمية “استثنائية” تقتضي قرارات “استثنائية”  بعيدة كل البعد عن أي خطاب جانح نحو “التحكم” و”الانتقام” و”كسر العظام”، حرصا على مدرسة عمومية، في حاجة ماسة اليوم، إلى خطاب “العقل” و”الحكمة” و”التبصر” و”العيش المشترك”؛

 

  • الثابت السادس: أن التوقيفات المؤقتة “المأسوف عليها”، هي نتاج لنضالات متهورة أقرب إلى “الانتحار”، حضرت فيها “الأنانية المفرطة” و”المصلحة العمياء” و”العبث” و”سوء التقدير”، ولو حضر “التعقل” و”الرصانة”، خاصة بعد أن نزلت الحكومة من البرج العاجي وجنحت نحو السلم واستجابت للمطالب المشروعة أو على الأقل لبعضها، لكانت العودة إلى الفصول الدراسية، عودة “ميمونة” و”مظفرة”، لا عودة اضطرارية بطعم “الخيبات” ولون “التوقيفات”؛

 

  • الثابت السابع: أن النضالات في أسابيعها الأولى، كانت “بهية” في ظل الإجماع المجتمعي حول مشروعيتها، لكن حولها “العبث” و”الاندفاع” و”التهور” و”الأنانية” و”المصلحة” و”الاتهام” و”التخوين”، إلى نضالات “بئيسة” خارج نسق “الواقعية” والالتزام” و”المسؤولية”، وبدون شك، نجحت  الوزارة ومن خلالها الحكومة، في استثمار هذا الواقع النضالي “الفاقد للبوصلة”، لضبط عقارب الساعة وإعادة الأمــور إلى سالف عهدها؛

 

  • الثابت الثامن: الذين رفعوا طيلة  أطوار النضال شعار “الموت ولا المذلة”، لابد أن يدركوا اليوم، بعد أن غادرت العاصفة، أنهم ناضلوا من زاوية “الاندفاع” و”التهور”، ومن باب “الأنانية المفرطة” و”المصلحة العمياء”، ولابد أن يستوعبوا أنهم فضوا “بكرة” النضال باندفاعهم وعدميتهم وسوء تقديرهم للواقع والمستقبل، في سياقات نضالية، كانت تفرض “التكتيك”، في ظل معركة نضالية غير مسبوقة،  كان لابد أن تدار بمنطق “الربح” و”الخسارة”، لا بعقلية “العدمية” و”الاندفاع”؛

 

  • الثابت التاسع: بالعودة الاضطرارية إلى الفصول الدراسية، ذاب جليد “الموت ولا المذلة”، واختفت فجأة شعارات  الحماسة والبطولة والاندفاع، وتحطم معها شعار “كلنا موقوفون” على صخرة الواقع، وفي المحصلة، “توقيفات مؤقتة”، كان  بالإمكان  تفاديها، لو حضر التعقل والتبصر ، وحضرت معهما الواقعية والموضوعية وتقدير “الربح” و”الخسارة”؛

 

  • الثابت العاشر: النضالات التي تكون بدون أفق وبدون نظرة دقيقة للواقع، لا يمكن أن تفضي إلا إلى المأساة والخيبات، بدليل أن “التوقيفات المؤقتة” عجلت بتعليق كل الأشكال الاحتجاجية التي امتدت لأسابيع بدون انقطاع، وكبحت جماح النقاش بشأن النظام الأساسي المرتقب، وبات “ملف الموقوفين” أولوية الأولويات؛

 

وإذا ما تركنا الثوابت  المذكورة جانبا، هناك مبررات كثيرة تدعو اليوم، إلى طي  “ملف الموقوفين” أو ملف “الأساتذة ضحايا نظام المآسي”، لما له من آثار وانعكاسات نفسية واجتماعية ومادية على  المعيش اليومي للموقوفين وأسرهم، في سياق سوسيواقتصادي صعب وشاق، ومن تكريس لثقافة الرفض والعناد والصدام بين الشغيلة التعليمية والسلطة الحكومية  المكلفة بالتربية الوطنية، وهذه الثقافة آن الأوان للقطع معها، في سياق ما تعيشه المنظومة التربوية من محاولات ومساعي إصلاحية، لا يمكن البتة، كسب الرهانات المرتبطة بها،  ما لم يتم طي صفحة الماضي والقطع بشكل خاص، مـع ما أثاره نظام المآسي من احتقان غير مسبوق؛

وقبل الإفراج عن هوية النظام الأساسي الجديد في قادم الأيام، نأمل أن يتم التوصل إلى صيغة من التفاهم والتوافق، من شأنها الدفع في اتجاه الحل النهائي لملف الموقوفين، بما يضمن استعجال عودتهم إلى فصولهم الدراسية، في لحظة تربوية، تقتضي النظر إلى المستقبل والانخراط الفردي والجمعي في كسب رهانات ما يتم التطلع إليه من إصلاح وتحديث، وفي هذا الإطار، فإذا كانت السلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية، قد نجحت  في إخماد نيران الاحتجاجات بإشهار سلاح التوقيفات المؤقتة، التي عجلت بالعودة الاضطرارية إلى الفصول الدراسية واستدراك ما تبقى من الزمن الدراسي، فإنها لن تنجح البتة، في إتاحة ما يتطلبه الإصلاح، من أمن واستقرار وسلم وتعبئة ومسؤولية وانخراط والتزام وخلق وإبداع وتحفيز؛

وعليه، وحرصا على كسب رهانات إصلاح المنظومة التربوية، واعتبارا ما للتعليم الناجع والعادل والمنصف والمحفز والفعال، من دور في تحقيق الإقلاع التنموي المأمول، ومن باب “المصالحة” و زاوية “جبر الخواطر”، وحتى يكون النظام الأساسي المرتقب، نظام “سلم” و”ثقة” و”أمل” و”إرادة فردية وجمعية” في بناء أسس منظومة تربوية عصرية، عاكسة لمغرب البناء والنماء والتحديث والإصلاح والإشعاع، لا خيار اليوم، سوى طرح أسلحة “التحكم” و”الانتقام” والقطع مع خطاب “كسر العظام”، والجنوح الآني إلى “سلم حقيقي” يدفع في اتجاه إصلاح تربوي حقيقي يقطع مع زمن “التجريب” و”الارتباك” و”الارتجال”؛

وفي المجمل، فما عاشته المدرسة العمومية من احتقان غير مسبوق، تتحمل مسؤوليته الوزارة الوصية على القطاع ومن خلالها الحكومة التي أساءت التقدير، وهي تنزل “نظام للمآسي” كان بالإمكان تفادي مقتضياته المجحفة والظالمة، المكرسة لمهنة “الحكرة” وما فوقها وما تحتها، والشغيلة التعليمية، التي وقعت في المحظور، بإنتاجها لخطاب “المصلحة” و”الأنانية” و”الاندفاعية” و”التهور” و”الاتهام” و”التخوين”، بدل أن تبقى مركزة وملتزمة ويقظة وموحدة، لتحقيق المطالب في أبعادها “الشمولية”، في إطار من “الواقعية” و”الموضوعية” و”التبصر” و”بعد النظر”، و”النقابات التعليمية” التي ما كان لها أن تحقق ما حققته من مطالب مشروعة، لولا ضغط الشارع و”الانتفاضة” المباركة للشغيلة التعليمية، ونحن ندلي بهذه الملاحظات، ندرك أن اللحظة، هي فوق العتاب والإدانة والاتهام؛

ومعركة اليوم،  يجب عزلها عن قواعد “الربح” و”الخسارة” وتكتيك “التحكم” و”الاستقواء”، ولابد أن ننتصر جميعا كوزارة ونقابات وشغيلة تعليمية، بالإسهام الفردي والجماعي في تهيئة بيئة تربوية للعيش المشترك، مبنية على دعامات “الاحترام” و”التقدير” و”الاعتبار” و”التشارك”، لأن “أزمة المدرسة العمومية”، هي أكبر من نظام أساسي، هي أزمة “مناهج” متجاوزة، و”برامج” متهالكة، و”بنيات استقبال” رتيبة، و”حياة مدرسية” كئيبة و”ساعات عمل” مرهقة، هي أزمة “اكتظاظ” و”هدر” و”غش”، هي أزمة إفلاس قيمي وأخلاقي”، هي أزمة “أسر” لم تعد تتحمل مسؤولياتها في التربية والتنشئة الاجتماعية…، هي باختصار، أزمة “مدرسة عمومية” أرهقتها مساحيق التجميل ولو يعد وجهها يحتمل، وأزمة “مدرس/ة”، لا إصلاح ولا خارطة طريق ولا ريادة ولا جودة، إلا إذا تمت إحاطته بكافة شروط التحفيز والتقدير والاحترام  والاعتبار، وتم الارتقاء به إلى مستوى “الشريك” في معركة الإصلاح والتحديث…، عوض الإبقاء عليه في موضع “المفعول به” أو “المفعول فيه”، وفي منزلة “الحيط القصير”، الذي تعلق عليه كل الخطايا ما ظهر منها وما بطن؛

ونختم بتجديد التضامن مع الموقوفين، آملين أن يعودوا إلى أقسامهم في أقرب الأوقات الممكنة، وبدعوة الشغيلة التعليمية، إلى طرح أسلحة الأنانية المفرطة والابتعاد قدر الإمكان عن خطاب التهور والاندفاع، والتحلي بما تقتضيه المرحلة، من “حكمة” و “مسؤولية” و”التزام” و”تبصر”، واستحضار أن القوة تتجسد في الوحدة والتعقل والترافع الواعي والمواطن، عن كل الملفات والقضايا، التي من شأنها الدفع في اتجاه “أنسنة بيئة العمل”، وبلوغ مرمى “مدرسة عمومية” عصرية، بانية للقيم الوطنية والدينية والإنسانية، وصانعة للأمل والحياة، ومقوية لمحبـة وطن، بقدر ما نسكن فيه بقدر ما يسكننا. ومهما قيل أو ما يمكن أن يقال، يبقى ملف المدرسين الموقوفين، عبارة عن “حجرة” موجعة ومؤلمة، في بلغة نظام الأساسي المرتقب الإفراج عنه، ولا خيار للتوجه نحو المستقبل، إلا باستعجال إزالتها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *