وجهة نظر

ما حاجة البشرية للقرآن في عصر التحولات؟

على سبيل التمهيد

يعد القرآن الكريم منهج حياة، ومنظومة متكاملة مؤسسة على أنساق متماسكة تشمل النفس ولاجتماع البشري بكل ما يقتضيه من سياسة واقتصاد وتنظيم. والحديث عن حاجة الإنسان للقرآن الكريم تفرضها مجموعة من الحقائق، من أهمها، أن هذا الإنسان خلق مكرما بيد الخالق عز وجل. وأنه خلق في الجنة قبل أن ينزل منها ويُبتلى ويُختبر ليعود إليها من نجح في الابتلاء والاختبار، ويعاقب من فشل في ذلك. وأن الإنسان الأول، آدم عليه السلام، كان نبيا مؤمنا عالما مسلما، ومنذ آدم عليه السلام والدين واحد. “إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ. وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ. وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ” (سورة آل عمران، الآية 19).

وعدم الوعي بهذه الحقائق يجعل الإنسان يعيش مشكلات عقدية، وشقاء في الدنيا، وسوء العاقبة في الآخرة. والوعي بذلك إنما مصدره الكتاب المسطور، القرآن الكريم، الذي يعلمنا كيفية قراءة الكتاب المنظور من سماء وجبال وبحار وحيوانات وكل ما خلق الله، وفي الإنسان نفسه.

وحاجة البشرية للقرآن الكريم جوهرية لا ترقى فقط إلى حاجته للماء والهواء، لأنهما يمدانه بالحياة المادية ويشترك معه فيهما كل الكائنات الحية، بل ترقى لما هو أعمق، إلى ما يجعل الإنسان إنسانا أصلا. ذلك أن القرآن الكريم يجعلك في حوار مباشر مع الله، وهذا أعظم ما يحتاج إليه الإنسان. ثم إن القران الكريم تضمن ما يشمل حياة الفرد نفسيا، واجتماعيا، وبشقيه الروح والجسد.

ومدار حياة الإنسان عموما يكون بين حركتين اثنتين، حركة يجلب بها ما ينفعه، وحركة يدفع بها ما يضره. والقرآن الكريم هو الذي يضع معايير الضار والنافع، الحق والباطل، والصواب والخطأ، والحلال والحرام وما بينهما من مباح ومستحب ومندوب ومكروه، لأن ما تضمنه القرآن الكريم من تشريعات وتوجيهات هو عدل الله في خلقه.

وقد جاء في المعاجم اللغوية أن الحاجة من الحوج. تقول أحوجه الله وأحوج هو أي احتاج، ومعناه كذلك طلب الحاجة: التحوج. والحاجة تعني الفقر والفاقة وفي الصحاح للجواهري: الحاجة جمع حاج وحاجات وحوج وحوائج على غير قياس. وفي لسان العرب الحاجة المأربة “وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ” (من الآية 80 من سورة غافر). فنستخلص أن الحاجة هي كل ما يمكن أن يحتاجه الإنسان في حياته وأخراه ماديا ومعنويا، ويمكن أن يصل إلى درجة أن تتوقف عليه الحياة ولا تستقيم بدونه.

وإذا كنا في حاجة للقرآن الكريم في كل شيء، فإننا سنتوقف في هذا المقال على ثلاث حاجات جوهرية، ونرى أنها الأصل الذي تبنى عليه باقي الحاجات الفرعية الأخرى، إذ كلما كان الأساس والمنهج صحيحا، كان الخوض في التفاصيل الدقيقة سالما ومأمونا، والعكس صحيح.

1 ـ الحاجة الفطرية

إذا كانت فطرتنا في حاجة ماسة إلى القرآن الكريم للحفاظ عليها سوية منذ خلق آدم عليه السلام، فإننا أشد احتياجا إلى القرآن الكريم في هذا العصر الذي وقع فيه ويقع انحراف كبير لفطرة الإنسان، سواء في بعدها المادي الجنسي المتعلق بالذكر والأنثى وما يعرفه المجتمع من انحراف في هذا البعد من حيث التأسيس الفكري والفلسفي للمثلية الجنسية والأسرة على غير ثنائية ذكر أنثى، أو في بعدها الروحي القائم على عبادة الله وفق دين الإسلام، الذي هو الدين الوحيد عند الله، ووفق القرآن الذي هو الشريعة التي شرعها الله وفق فطرته التي فطر الناس عليها ليكون موجها لهم في العبادة والمعاملات. وقد نسب الله الفطرة إليه ودعا إلى الالتزام بها، “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ” (سورة الروم الآية 30).

وكلمة فطرة مشتقة من الجذر (ف. ط. ر)، وهي عند علماء اللغة من “فطر الشيء أي فتحه، شقَّه وأبرزه للوجود. ولحق لفظ “فطرة” تطور فأصبحت معانيه الشق، وابتداء الخلق، والظهور إلى حيز الوجود (مادة فطر، لسان العرب ابن منظور). وقد تكرر اشتقاق هذا الجذر اللغوي في القرآن عشرين مرة بصيغ مختلفة منها ( فطر/ فاطر/ فطرة/ فطور/ منفطر…). ومن ثم ففطرة الإنسان مقترنة في منشئها وبداية خلقها ببداية خلق هذا الإنسان.

والفطرة في القرآن الكريم تعني الخير والعدل والوفاء والعطف ومساعدة المحتاج وفعل الخير. وتدل على عامة الأصول الشرعية أو تقتضيها. فالفطرة تطلب التعبد جملة: الخضوع لله جملة، العبادة جملة، العدل جملة…إلخ. “فالفطرة هي الدين بعقائده وشرائعه” (الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية. دار الكتاب المصري) إن الفطرة بهذا المعنى معاني كلية.

ووردت الفطرة في القرآن الكريم بمعنى الدين والتدين، وهي أرقى ميول النفس وعواطفها. وفطرة التدين تلاحق الإنسان مادام يعقل مفاهيم الجمال والقبح والنفع والضرر، وتزداد الفطرة عمقا حسب نسبة علو مدارك الإنسان ونمو معارفه في تلك المفاهيم شريطة أن تكون تلك المعرفة مسددة بالقرآن الكريك بوصفه مرجعية عليا متجاوِزة. والفطرة، بدون تمثل للقيم والأخلاق القرآنية، يلحقها الخلل والوهن والانحراف، لذلك فنحن فطريا في حاجة ماسة إلى القرآن الكريم لحمايتها من ذلك الخلل والانحراف الذي نشاهده اليوم.

نقرر إذن أن حاجتنا الفطرية للقرآن الكريم تتمثل في كونه مصدر توجيه للفطرة نحو الإسلام  متى أخذ بها الأبوان والمجتمع، كما نص على ذلك الحديث النبوي: “حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هريرة أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ كَمَا تُنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ” (رواه البخاري ومسلم في الصحيحين).

وعلى الرغم من أن الإنسان متدين بالفطرة، إذ “إنَّ توحيد الله عز وجل ميثاق معقود بين الفطرة وخالقها، ميثاق مودع في كيانها، مودع في كل خلية حية منذ نشأتها، وهو ميثاق أقدم من الرسل والرسالات، وفيه تشهد كل خلية بربوبية الله الواحد”(محمد علي الصلابي، 2010، الفطرة عهد وميثاق بين الخالق والمخلوق)، فهو في حاجة إلى القرآن الكريم لأنه في حاجة إلى التوحيد، والقرآن الكريم هو المصدر الذي يعلمنا عقيدة التوحيد التي استغرق الحديث عنها، وعن براهينها، ثلاثة عشر عاما من نزول الوحي. وأغلب آيات القرآن الكريم ترتبط بالتوحيد مقارنة بآيات التشريع. فقد ظل العقل البشري تائها باحثا عما يمكنه من تفسير ما يحيط به من ظواهر، فعبَدَ الحجر تارة، وعبد الشمس تارة، وعبد القمر تارة أخرى، فكان عنوان ما قبل القرآن الكريم هو “تشتت العقل البشري وتعدد الآلهة”.

وإذا قلنا إن الفطرة هي الدين بعقائده وشرائعه، فإن عامة التشريع تقتضي طلبه ابتداء، وقبل ذلك أن تكون القابلية عند الطلب، وبذلك فالفطرة تطلب كل شيء في الشرع بشكل عام، أي التوحيد عامة. وتفصيل ذلك التوحيد وكيف نمارسه في كل حركاتنا وسكناتنا إنما نعرفه بالقرآن الكريم ثم السنة.  إذ الفطرة لا يمكنها تعيين تفاصيل الإرث مثلا أو العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة أو شروط الصلاة وصحتها وشروط أداء الزكاة، والعلاقة مع غير المسلمين…إلخ. فالقابلية عند الطلب هو ما عمل القرآن الكريم طيلة الفترة المكية على بنائه في الإنسان لتستوي فطرته، فيكون مستعدا لتنفيذ التشريعات.

إن الحب على سبيل المثال أمر فطري في الإنسان، لكن مضمون الحب وتفاصيله وكيفية ممارسته على الفطرة يتطلب منا الرجوع إلى القرآن الكريم وتطبيقاتها في السيرة النبوية حتى لا نقع في الانحراف الذي وقعت فيه الحداثة الغربية والمادية وشرعت لممارسات خاطئة في الحب من قبيل ميل الذكر للذكر والأنثى للأنثى جنسيا وإقامة علاقات منحرفة كليا أو المثلية الجنسية وما يترتب عنها من تغيير لخلق الله مثل التحول الجنسي. وهو الانحراف التي استوجبت عقابا شديدا لقوم لوط (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ) ( سورة هود، الآية 82)، وذلك بعد أن حذرهم من انحراف فطرتهم ووصف ذلك بالاعتداء باستفهام إنكاري (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ . وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُون) سورة الشعراء الآيتان:165 – 166.

وحماية الفطرة من هذا الانحراف المدمر يؤسس له القرآن بتحديده لتراتبية منهجية في الحب، الأصل فيها هو حب الله الذي معياره هو اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) سورة آل عمران، الآية 31)، والفرع فيها هو الحب الذي يسود العلاقات الإنسانية كحب الآباء والأزواج والأبناء والأصدقاء وغيره، فيكون مثلا حب الرجل لزوجته صادقا وحب المرأة لزوجها صادقا لأنه حب متبادل ينبع من الأصل الذي هو حب الله ورسوله وحب الله لعباده. وهذا الحب الأصل هو الوقاية والعلاج من داء الخيانة الزوجية والغيرة القاتلة والعلاقات غير الشرعية بين الذكور والإناث، وهو الوقاية من الانحراف في الحب الذي أفرز لنا المثلية الجنسية.

ولكي تصل إلى الحب الأصل أو الفطري الذي هو حبك لله ورسوله وحب الله لك، وجب عليك أن تسلك الطريق المؤدي إلى هذا الحب “وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِه، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِه، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا ، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ”. وبيت القصيد أن تحقيق الحب الأصل يكون بالتقرب إلى الله بالفرائض والنوافل من الأعمال سواء بين الإنسان وربه أو بين الناس في المعاملات ومنها حسن معاملة الزوج لزوجته. ويستمر التقرب، أي السير في اتجاه الاتصاف بصفتي محب ومحبوب إلى أن يكون الله سمعك وبصرك ويدك ورجلك، أي جوارحك التي تترجم الأفكار والمشاعر والأحاسيس إلى أفعال محكومة بحب الله لك فلن تكون علاقتك مع زوجتك إلا صادقة، لن تحب شخصا من جنسك إلا في إطار الحب في الله الذي يكون سببا في استحقاق ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، ولن تحب أنثى وتربط معها علاقة إلا في إطار الزواج وهو المجال الذي تتحقق فيه المكابدة التي تؤدي إلى الحب أثناء المعاشرة بالمعروف مراعاة لحدود المحبوب الأصل والمحب الذي هو الله تعالى. ولا يمكن أن تكون حققت هذا الحب الأصل وتنحرف فطرتك نحو المثلية الجنسية مثلا.

2 الحاجة النفسية

تعتبر النفس البشرية تركيبا معقدا مازال يحير العلماء وعلماء النفس والأطباء إلى اليوم، وما تزال ظواهره تتعدد بتعدد مظاهر ثقافة الإنسان وتطوره الحضاري. والقران الكريم يخاطب في الإنسان طبائعه ونوازعه النفسية المترسخة فيه بصفته بشرا، لذلك فتهذيب النفس وتوجيهها بشكل صحيح لا يكون إلا بالوحي. والنوازع النفسية تشمل ما يوافق هوى النفس: الغرور، الكبر، النفاق، العجب، حب المال، حب الظهور، وكلها أمراض نفسية يحتاج معها الإنسان إلى أدوية، وهي الأدوية المتضمنة في القرآن الكريم في غير ما موضع .

ثم إن سنن التغيير بشكل عام تتوقف على تغيير النفس، و تغيير النفس يتوقف على توجيهات القرآن الكريم، وعلى ما تضمنه من طاعات وعبادات، وما نهى عنه من محرمات. وإن جميع الانحرافات العقدية والاجتماعية و الاقتصادية والسلوكية وغيرها سببها النفس البشرية. وتتوقف تزكية النفس، لتكون سوية، على معرفة منهج التزكية المبثوث في ثنايا آيات القرآن الكريم، وبدونه يبقى الإنسان بين طرقين متطرفين:

أحدهما إنسان متدين بالفطرة لكنه منحرف نفسيا، مما يؤدي إلى فساد الفطرة فيما بعد، فيفسد دينه وتدينه. وفي أحسن الحالات ينفصل عن واقع التدافع على مستوى مفهوم القيم في الحياة الفردية والمجتمعية، فينسحب من دائرة التدافع معتقدا أن إقامة الشعائر وحدها كافية في الدين، بينما الدين أشمل. وأهم ما فيه مدافعة الفساد الذي تسرب إلى جُل تفاصيل الحياة اليوم في الاقتصاد والاجتماع وبناء الدول، والعلاقات بين الرجل والمرأة، والإباحية الجنسية، وغيرها من الانحرافات النفسية المدمرة.

والثاني إنسان يتبع في منهجية حياته فلسفات وضعية مادية، ويتخذها دينا له. وقد فشلت تلك الفلسفات في إسعاد البشرية، بل سببت لها الشقاء والدمار، الذي يتجلى في الحروب العشوائية التي لا تميز بين محارب وطفل وشيخ وامرأة، وفي السباق نحو امتلاك أسلحة الدمار الشامل، وفي الانتحار بعد تحقيق كل شهوات النفس المادية، وغير ذلك من مظاهر الشقاء.

وفي كلا الحالين فالإنسان بدون نور القرآن يبقى في ظلام دامس يخبط فيه خبط عشواء، “وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ” (سورة النور، الآية 40). كما أن القرآن الكريم تحدث لنا عن علاقة الفَلاَح والخسران بالنفس في قوله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا” (سورة الشمس، الآيات 7،8،9،10).

ومن ثم تظهر حاجتنا النفسية الملحة للقرآن الكريم لترصد سبل تزكيتها لتسلك بنا سبيل التقوى، وتنأى بنا عن سبيل الفجور وخسران المآل في الآخرة. وذلك رهين بتلاوة القرآن الكريم حق التلاوة ” هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ” (سورة الجمعة، الآية 2).

ولنتذكر أننا في حاجة ماسة إلى القرآن الكريم لأن فطرتنا هي الإسلام، ولأن تغيير مجتمعنا متوقف على تغيير أنفسنا، ولا يتحقق ذلك إلا بالقرآن، وبالسيرة النبوية باعتبارها المثال والأنموذج لتطبيق القرآن الذي حوله الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أخلاق حية تسير على الأرض بتصرفاته، عليه السلام، التي كانت قرآنا.

3 – الحاجة الاجتماعية

إن الإنسان، كما قال ابن خلدون ، مدني بطبعه، ويستحيل أن يعيش دون اجتماع بشري، بالنظر إلى كون حاجاته متعددة ومتوقفة على الآخر ( التواصل، التزاوج، التعاون، الحرف، التجارة…). وإن مدنية الإنسان تحتم عليه وضع نظام اجتماعي يضبط العلاقات وينظمها، ويحدد الواجبات ويكفل الحقوق. والقرآن الكريم هو المصدر والمرجع الوحيد الذي يتضمن أسس بناء منظومة اجتماعية متكاملة تنبني على الأمة باعتبارها الأصل. وبذلك تكون الأمة هي التي تتولى بناء أنظمتها عامة، بما فيها النظام السياسي والاقتصادي، بالشكل الذي يحقق لها أمنها وسلمها الاجتماعيين، وفق الرؤية القرآنية.

وعيش الإنسان داخل مجتمع يحتم عليه الالتزام بتصرفات معينة تجاه الآخرين. والعقيدة الصحيحة، المبثوثة في ثنايا القرآن الكريم، هي التي يجب أن تحكم حركات الإنسان وتصرفاته الاختيارية تجاه الآخرين، وهو ما يرسخه القرآن الكريم باعتباره مصدر الإيمان والعقيدة الصحيحة عند البشرية. لذلك كان الجانب التشريعي في القرآن الكريم، ومن ضمنه أحكام مؤسسة الأسرة و الإرث، هو آخر ما نزل بعد آيات التوحيد والعقيدة التي كان الهدف من ورائها خلق بيئة مجتمعية صالحة لتطبيق الأحكام بما فيها نظام الإرث بوصفه جزءا لا يتجزأ من تصور شمولي لما ينبغي أن تكون عليه علاقة المرأة بالرجل، بحسبانهما مخلوقين للقيام بوظائف مختلفة تضمن التكامل بدل التنافر والصراع الذي تؤسس له فلسفة المساواة المثلية أو النسوية التي تَسُوق الرجل والمرأة ليكونا قطبين سالبين معا أو موجبين معا فيحدث التصادم في الأدوار وندخل مرحلة سائلة تتفكك معها الأسرة والمجتمع. والتناقض الذي تقع فيه النسوية هي أنها تصور للمرأة أن استقلالها عن الرجل يكمن في اقتحام كل مهنة يمتهنها أو سلوك يقوم به، بدءا من اللباس، مرورا بالتدخين وشرب الخمر، وليس انتهاء بزواج المرأة بالمرأة والرجل بالرجل! فهل قيام المرأة بمهام أو تصرفات يقوم بها الرجل هو استقلال عنه أم تبعية له؟ إن الاستقلال الحقيقي للمرأة يكمن في قيامها بوظائف متناسبة مع خصائصها البيولوجية والنفسية، تلك الوظائف التي تختلف عن الرجل لتحدث التكامل بينهما لبناء علاقات اجتماعية سوية. فكأننا اليوم في أمسس الحاجة إلى التأسيس لجهاز عقدي إيماني قوي قادر على استيعاب التشريع القرآني للعلاقات الاجتماعية أولا.

ويبرر حاجة الإنسان الاجتماعية للقرآن، كذلك، اشتماله على مفاهيم تنظيمية وتوجيهية، وغايات وأهداف ومبادئ وتشريعات تؤسس المجتمع على العدل والحق والنظام (نظام الصلاة، نظام الحج، نظام الزكاة، نظام المعاملات المالية والاجتماعية، أسس الحكم والسياسة). فالقرآن الكريم، من الناحية الاجتماعية، هو رسالة إصلاح و رفض للفساد ومحاربة للتخريب والهدم.

ويمكن اختزال حاجتنا الاجتماعية للقرآن الكريم في التربية والإعداد الفردي، وتنظيم المجتمع  وبناء الدولة على أساس العدل، ووسائل المحافظة على البناء الاجتماعي السليم المبني على منظومة القيم التي تحكم سلوك الانسان المسلم تجاه الآخرين.

خلاصة

إن حاجة البشرية العامةَ للقران الكريم هي سبب نزوله، كما أنها سبب بعثة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان قرآنا يمشي بوصفه قدوة في الجوانب الفطرية والنفسية والمجتمعية.  وهذه الحاجة اليوم هي أشد في عصر الصورة والاستلاب الحضاري. فالقرآن هو المحصن الوحيد لعقيدة الإنسان المسلم في عصر العولمة والفوضى وبروز مقدسات وهمية (العلمانية، الإلحاد، التكنولوجيا، المثلية الموضة …).

وتتوقف الاستفادة من القرآن الكريم فطريا ونفسيا واجتماعيا، وتحقيق الحاجة الإنسانية الفردية والجماعية، على قراءته بتدبر وتفكر. و يساعدنا في ذلك البحث الدؤوب عن الأجوبة للأسئلة الآتية: كيف أعمل بالقرآن؟ ماذا يريد ربي مني بآيات القرآن الكريم؟ هل تأمرني بشيء أم تنهاني عن شيء؟ هل ائتمرت بما أمر؟ وهل انتهيت عما نهى؟ كيف تنعكس عباداتي على معاملاتي؟

ولنتذكر أننا في حاجة ماسة إلى القرآن الكريم لأن فطرتنا هي الإسلام، ولأن تغيير مجتمعنا متوقف على تغيير أنفسنا، ولا يتحقق ذلك إلا بالقرآن، وبالسيرة النبوية باعتبارها المثال والأنموذج لتطبيق القرآن الذي حوله الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أخلاق حية تسير على الأرض بتصرفاته، عليه السلام، التي كانت قرآنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *