مجتمع

العقوبات البديلة.. هل يهدد الإفلات من العقاب بتعطيل قانون “شراء أيام السجن؟

العقوبات البديلة للعقوبات الاسالبة للحرية - سجن

صادق مجلس المستشارين الثلاثاء الماضي على مشروع القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، الذي اعتبره وزير العدل، عبداللطيف وهبي من أهم الأوراش التشريعية ومحركا أساسيا لمنظومة العدالة الجنائية، لارتباطه الوثيق بمجال حماية الحقوق والحريات ومكافحة الجريمة وتحقيق أمن الأفراد والجماعات، وسط مخاوف من شرعنة القانون للإفلات من العقاب.

وفي هذا السياق، رحب أستاذ القانون الجنائي بكلية الحقوق بجامعة محمد الاول بوجدة، البوبكري العربي، بهذا القانون الذي شكل مطلبا ملحا لعدد من الباحثين والمهتمين، في مجال منظومة العدالة خلال العقدين الأخيرين، معتبرا أن مشروع قانون العقوبات البديلة الذي أفرج عنها بعد أشهر من البلوكاج داخل الغرفة الثانية للبرلمان” مسألة مهمة ونقطة إيجابية للمنظومة الجنائية”.

وأوضح الأستاذ الجامعي في تصريح أدلى به لجريدة “العمق” أن هذا المشروع سيجعل المغرب من بين الدول التي تتوفر على ترسانة قانونية تتضمن بدائل للعقوبات السالبة للحرية، خاصة مع ظاهرة الاكتظاظ التي تعرفها المؤسسات السجنية الناتج عن لجوء القضاء بكثرة إلى هذا النوع من العقوبات، و”معضلة” الاعتقال الاحتياطي.

بالمقابل، توقع أستاذ القانون الجنائي، أن  يصطدم هذا المشروع بإشكالات مرتبطة بالإمكانات البشرية واللوجستية التي وفرتها الدولة لتطبيقه، لأنه لا يكفي إقرار قانون وإصداره دون توفير إمكانيات، خاصة أن مثل هذه القوانين تتطلب شروطا لتنفيذه، لافتا إلى المراقبة الالكترونية التي يطرحها هذا المشروع مثلا تتطلب جهدا كبيرا وموارد بشرية كثيرة مؤهلة.

وتساءل المتحدث قائلا: “ماذا أعدت الدولة لتنفيذ وتنزيل هذا القانون”، فالمغرب لديه تجارب سابقة في قانون المسطرة الجنائية، حيث تم إقرار مؤسسة الصلح الزجري كبديل للمتابعة، إلا أنه بالنظر لمجموعة من العوامل خاصة عدم ترسيخ ثقافة الصلح وعدم الاقتناع بها لدى الفاعلين في مؤسسة العدالة الجنائية وبالضبط الأجهزة المتابعة أدى إلى فشل هذه المؤسسة وهو المصير الذي يمكن أن يؤول إليه هذا القانون، وفق تعبيره.

وأضاف أن هناك مجموعة من المؤشرات التي ربما ستؤدي إلى فشل هذا القانون وعدم تطبيقه بالشكل المطلوب من بينها توسيع نطاق اللجوء إليه ليشمل الجنح التي تصل العقوبة فيها خمس سنوات حبسا، بمعنى أنه شمل جميع الجنح وهو الشيء الذي كان بالإمكان تجاوزه واعتماد مبدأ التدرج ليشمل فقط الجنح التي تصل عقوبتها سنتين حبسا قبل أن يتم تعميمه على باقي الجنح في وقت لاحق.

واستطرد البوبكري شارحا: “بما أن المشرع وسع نطاق العقوبات، وإذ استحضرنا النقاش المرتبط بالغرامة اليومية التي تم اعتمادها كبديل للعقوبة الحبسية قصيرة المدة، فإنه من الممكن أن يفتح ذلك الباب أمام ظاهرة “شراء العقوبة الحبسية” بالرغم من القيود التي وضعها المشرع، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة ستتيح لأصحاب المال إمكانية شراء هذه العقوبات، وبالتالي يمكن أن تشجعهم على العودة لارتكاب نفس المخالفات.

وأوضح الأكاديمي، أن التدرج مطلوب في مثل هذه القوانين، لأن المجتمع المغربي فيه أشخاص متهورون لا يمتثلون للقانون وغير متشبعين بروح الموطنة ويمكنهم استغلال هذا القانون لـ”شراء العقوبات الحبسية”، وهو ما يمكن اعتباره مدخلا من مداخيل الإفلات من العقاب، حسب تصريح العربي البوبكري.

ووافقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، بالإجماع، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون العقوبات البديلة، بعد التصويت على التعديلات التي تقدمت بها الفرق والمجموعات البرلمانية، بحضور وزير العدل، عبد اللطيف وهبي.وكان مجلس النواب، قد صادق أواخر أكتوبر الماضي، بالأغلبية على مشروع قانون رقم 43.22 يتعلق بالعقوبات البديلة، حيث وافق عليه 115 نائبًا، وعارضه 41 نائبًا، وامتنع 4. وأحيل في نفس الشهر على مجلس المستشارين.

في مقابل ذلك، قلل المندوب العام لإدارة السجون من تأثير قانون العقوبات البديلة في التقليص من معضلة اكتظاظ السجون، معلنا عن توجسه من صعوبات تطبيقه لاسيما أنه لن يستفيد منه إلا 4 آلاف سجين سنويا، وهذا الرقم لن يحل مشكل الاكتظاظ بالسجون، مبرزا أن هذا الرقم هو نفسه عدد الذين ينالون البراءة.

وكشف التامك خلال مناقشة ميزانية مندوبية السجون برسم 2024، أنه لتنفيذ قانون العقوبات البديلة”يلزمنا منذ البداية 4 آلاف موظف للسهر على هذه العملية دون الحديث عن الجانب التقني”، مضيفا أن إدارة السجون تعاني من نقص حاد في الموارد البشرية يصل إلى 12 ألف موظف، في الوقت الذي تخصص 1000 منصب مالي فقط للمندوبية سنويا.

وفي معرض ردّه الانتقادات التي طالت قانون العقوبات البديلة من طرف مندوب إدارة السجون، قال وهبي خلال المناقشة العامة لمشروع ميزانية وزارة العدل، إن المغرب ليس البلد الوحيد الذي قرر اعتماد العقوبات البديلة بل يجري تطبيقها في أكثر من 90 دولة، ما يعني أنه لسنا أول من سنها حتى يمكن إصدار أحكام حول فشلها أو نجاحها.

واعتبر وهبي، أنه “إذا كانت العقوبات البديلة ستخفف على شخص واحد في المغرب وسأعمل على إقرارها فما بالك إذا تعلق الأمر بـ2000 مواطن أو أكثر”، مسجلا أن “الحكم على هذا القانون بأنه سيأتي بنتائج إيجابية أم سلبية يتوقف على مدى قدرتنا على الإبداع والتفكير في اللجوء إلى العقوبات البديلة من أجل التخفيف من معاناة المواطنين، وهذا هو التحدي”.

وبعدما أشاد التامك بالدينامية التي تميزت بها سنة 2023 في الجانب التشريعي المرتبط بقطاع إدارة السجون وإعادة الإدماج، والتي أثمرت عن المصادقة على مشروع قانون العقوبات البديلة في الغرفة الأولى للبرلمان، اعتبر المندوب العام لإدارة السجون أن أثر هذه العقوبات في التخفيض من عدد السجناء يبقى نسبيا.

ويرى التامك أنه ومن خلال استقراء تجارب عدد من الدول تبين أن هذه الأخيرة لازالت تسجل ارتفاعا في ساكنتها السجنية رغم تفعيلها للعقوبات البديلة، معتبرا أن مشروع القانون المنظم للمؤسسات السجنية، سيرفع من سقف تحديات المندوبية العامة على مستوى أنسنة ظروف الاعتقال، الشيء الذي سيزيد من صعوبة ربح هذا الرهان دون إيجاد حلول فعالة لظاهرة الاكتظاظ”.

وشدد المندوب العام لإدارة السجون، على أن طبيعة هذه الظاهرة المعقدة تستدعي تبني حلول عملية في إطار مخطط مندمج يشمل الجوانب التشريعية والقضائية والإدارية، مؤكدا ضرورة العمل على تجويد الترسانة القانونية الجنائية وضمان مواكبتها لتطور المجتمع المغربي ووتيرة نمو الجريمة تبعا للمتغيرات السوسيو اقتصادية مع استحضار متطلبات استباب الأمن.

ودعا التامك إلى معالجة ظاهرة الجريمة بشكل عام ووضع آليات لتعزيز التكفل بالسجناء المفرج عنهم للحيلولة دون عودتهم إلى الجريمة وهو ما يقتضي قيام القطاعات الحكومية المعنية بأدوارها على مستويات التربية والتعليم والتكوين والإدماج المهني والتكفل بالإدمان وتشجيع مبادرات جمعيات المجتمع المدني في مجال إعادة الإدماج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *