منتدى العمق

حين اكتمل الغياب

منير لكماني

أبي…

أكتب إليك من موضع لا يقاس بالسنين، بل بما تبقى من المعنى. من النقطة التي يصبح فيها الكلام واجبا أخلاقيا لا حنينا، وشهادة لا محاولة عزاء. أكتب لأن بعض الأخبار لا يجوز أن تترك للصدفة، ولأن بيني وبينك عهدا قديما: أن لا أترك الأثر بلا صوت.

أبي…
أمي وصلت إليك هذا العام.
لم تأتها النهاية فجأة، بل جاءت كما كانت تأتي كل ما يخصها: في موعده، بلا استعجال ولا فوضى. مشت نحو اكتمالها بنفس الخطى التي مشت بها في الحياة؛ هادئة، محكمة، كأنها تعرف أن البقاء ليس معيار المعنى، وأن الرحيل قد يكون شكله الأخير. لم تحدث ضجيجا وهي تعبر، ولم تلتفت خلفها. أنهت ما كان عليها، وسلمت المشهد كما يسلم الحكماء عصا الطريق.

منذ غيابها، تغير وزن الأشياء.
البيت ما زال قائما، لكنه فقد ضرورته الداخلية. الجدران في أماكنها، غير أن القلب غائب. الأيام تمضي بلا شاهد، كأنها لا تحتاج إلى إذن بعد الآن. صرت أفتح النوافذ لا طلبا للهواء، بل بحثا عن تلك الطمأنينة التي كانت تملأ المكان دون أن ترى.

لم تكن أمي حضورا عاطفيا فحسب؛
كانت بنية خفية للمعنى.
كانت تعرف كيف تعيد ترتيب الإنسان من داخله، دون أدوات، دون خطب. كانت تقنع الخوف أن ينتظر دوره، وتعلم الألم حدوده. بوجودها، لم تكن النجاة موضوعا للفهم، بل وضعا افتراضيا للحياة.

برحيلها، فهمت ما لم أفهمه يوم غيابك.
فهمت أن الفقد لا يقاس بعدد الراحلين، بل بمواقعهم في البناء. أنت كنت العلو الذي يمنع الانهيار، وهي كانت الاتزان الذي يمنع السقوط. حين غبت أولا، بقيت هي أرضا صالحة للوقوف… حتى قررت أن تعود إلى حيث بدأتما معا، وتترك العالم بلا سقف ولا أرض.

الآن فقط أقف في العراء الكامل.
لا ما أستند إليه من فوق، ولا ما يمسك خطوتي من تحت. ومع ذلك، ظل السقوط مؤجلا. كأنكما، من غير وصايا ولا خطب، غرستما في قدرة خفية على الوقوف وسط الفراغ، وعلى الاحتمال دون ادعاء بطولة.

أتصور لقاءكما الآن
لا بوصفه فرحا، بل بوصفه إنصافا متأخرا للتعب. نظرة واحدة تغني عن السؤال، وابتسامة صامتة تقول إن الحمل وضع أخيرا. أتصوركما في جهة لا يمتحن فيها الصبر، ولا يستنزف فيها القلب، جهة يستعيد فيها الإنسان خفته الأولى، بلا خوف ولا انتظار.

أما أنا يا أبي…
فأتعلم العيش من جديد، لا من الكتب، بل من الأثر الذي تركتماه في داخلي. أتعلم أن أكون أهدأ، لأنكما لم تكونا صاخبين. أصدق، لأنكما لم تعرفا التمثيل. وأرحم بنفسي، لأن القسوة لم تكن يوما لغتكما، ولا وسيلتكما في التربية.

لا أكتب إليك طلبا للعزاء،
بل لأضع شهادة في سجل الغياب:
أن المرأة التي سارت معك حتى التعب، لم يذهب جهدها سدى. وأن الابن الذي تركتماه خلفكما، ما زال يحاول أن يكون امتدادا يليق بما زرعتماه، لا ظلا باهتا له، ولا نسخة ناقصة.

إن سألت عنها،
فقل لها إنني أفتقدها كما يفتقد الاتجاه في ليل بلا نجوم.
وإن سألت عني،
فقل لها إنني تغيرت، نعم،
لكنني لم أضع…
لأن من تعلم المعنى على أيديكم
قد يكسر،
ولا يمحى.

ولكما معا، حيث يهدأ التعب أخيرا،
سكون يشبه السلام،
واتساع لا يحتاج إلى تفسير.

ابنك
الذي لا يمشي جسدا،
بل أثرا…
ويحاول أن لا يخون الأثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *