منتدى العمق

مساجد بلجيكا: تبرعات كبيرة و”مسؤولون” بدون كفاءات

يحيى التوزاني

ليست أزمة بعض مساجد بلجيكا في قلة المصلين، ولا في ضعف تبرعات المحسنين، ولا في غياب الغيرة الدينية لدى أبناء الجالية المسلمة؛ بل إن جوهر الأزمة، كما يراه كثيرون، يكمن في الفجوة الواسعة بين ما تقدمه الجالية من تضحيات مادية ومعنوية، وما تتلقاه من خدمات لا ترقى، في حالات عديدة، إلى مستوى انتظاراتها وتطلعاتها.

لقد أنفقت أجيال من المهاجرين أعمارها وأموالها من أجل بناء المساجد، وفتح أبواب تعليم القرآن الكريم واللغة العربية لأبنائها، والمحافظة على هويتها الدينية والثقافية في مجتمع مختلف في لغته وقوانينه وتقاليده. ولم يكن ذلك ترفًا ولا بحثًا عن وجاهة اجتماعية، وإنما كان استثمارًا في الأجيال القادمة، وأملًا في أن يجد الأبناء فضاءً يجمع بين التربية الدينية السليمة، والتعليم الجاد، والانفتاح الواعي على المجتمع الذي يعيشون فيه.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح: هل استطاعت إدارة مساجدنا أن ترتقي إلى مستوى هذه التضحيات؟ وهل تحولت الأموال التي تجمعها من المحسنين إلى خدمات ملموسة يشعر بها المصلون، والأسر والأطفال والشباب؟

حين يتقدم التدبير على الكفاءة

من المؤسف أن نجد بعض المؤسسات المسجدية تُدار بعقلية تقليدية، وكأن المسجد لا يحتاج إلا إلى من يفتح أبوابه، ويؤم المصلين، ويجمع التبرعات، وينظم بعض الأنشطة الموسمية. والحال أن المسجد في واقع الجالية المسلمة ببلجيكا أصبح مؤسسة دينية وتربوية واجتماعية، تتطلب كفاءات متعددة، ورؤية واضحة، وقدرة على التخطيط والتواصل والتدبير.

إن إدارة مسجد في بروكسيل ليست مجرد مسؤولية تطوعية تُمنح لمن سبق إلى تأسيسه أو لمن يحظى بثقة مجموعة من الأشخاص؛ بل هي أمانة تقتضي الكفاءة والنزاهة والشفافية، والإلمام بالقوانين المنظمة للعمل الجمعوي، والقدرة على التواصل مع المؤسسات الرسمية، وفهم طبيعة المجتمع البلجيكي وتحدياته.

ولا يستقيم أن نطالب أبناءنا بالاندماج الإيجابي، وبإتقان لغات البلد، واحترام قوانينه، ثم لا نولي هذه المتطلبات ما تستحقه من اهتمام داخل المؤسسات التي يفترض أن تكون قدوة في التنظيم والوعي والمسؤولية.

إن إتقان إحدى اللغات الرسمية في بلجيكا، بحسب الإقليم والجهة المعنية، ليس تفصيلًا ثانويًا بالنسبة إلى من يتولى مسؤولية مسجد؛ بل هو أداة أساسية للتواصل مع السلطات المحلية، وإدارة الملفات الإدارية، والدفاع عن مصالح المؤسسة، وبناء جسور الثقة مع محيطها.

فكيف يمكن لمسؤول أن يتابع بفعالية ملفًا إداريًا، أو يتفاوض مع جهة رسمية، أو يفهم التزامًا قانونيًا، إذا كانت قدرته على التواصل باللغة المطلوبة محدودة؟ وكيف يمكنه أن يضمن حسن تدبير مؤسسة دينية في بيئة قانونية معقدة إذا لم يكن مطلعًا على القواعد التي تحكم نشاطها؟

ليس المقصود الانتقاص من أحد، ولا التشكيك في نيات المتطوعين الذين بذلوا جهودًا مشكورة في خدمة بيوت الله، وإنما المقصود التأكيد أن حسن النية وحده لا يصنع إدارة ناجحة، وأن الغيرة الدينية لا تعوض نقص الكفاءة، وأن السبق في التأسيس لا يمنح صاحبه حق الاحتكار الدائم للمسؤولية.

الجالية تدفع… فمن يحاسب على النتائج؟

تقوم مساجد كثيرة على تبرعات المصلين والمحسنين، وعلى مساهمات الأسر التي تقتطع من ميزانياتها المحدودة ما تستطيع لتعليم أبنائها القرآن الكريم واللغة العربية، ولتوفير فضاء تربوي يحميهم من الضياع ويقوي صلتهم بدينهم وهويتهم.

وهذه الأموال ليست أرقامًا في صناديق التبرعات، بل هي جزء من تعب العمال، وعرق الآباء والأمهات، وتضحيات أسر تريد لأبنائها مستقبلًا أفضل.

ومن حق هؤلاء أن يسألوا عن أوجه صرف الأموال، وعن جودة الخدمات المقدمة، وعن البرامج التعليمية والتربوية، وعن المعايير التي تُعتمد في اختيار المسؤولين والمعلمين، وعن النتائج التي تحققها المؤسسات التي يساهمون في تمويلها.

فهل توجد خطط سنوية واضحة؟ وهل تُعرض الحسابات المالية بصورة منتظمة وشفافة؟ وهل تخضع البرامج التعليمية للتقييم؟ وهل تُقاس جودة الخدمات بمدى استفادة الأطفال والشباب والأسر، أم يظل نجاح المؤسسة مرتبطًا بعدد المصلين في بعض المناسبات، وحجم التبرعات التي تُجمع في المواسم؟

إن المطالبة بالشفافية ليست إساءة إلى المساجد، كما أن السؤال عن النتائج ليس تشكيكًا في العمل الديني؛ بل هو تعبير عن الحرص على حماية الأمانة من سوء التدبير، وصيانة أموال المحسنين من الهدر، وضمان أن تصل ثمار التبرعات إلى المستفيدين الحقيقيين.

فالمسجد الذي يجمع المال باسم القرآن الكريم مطالب بأن يجعل تعليم القرآن الكريم أولوية، والذي يجمع التبرعات باسم تربية الأبناء مطالب بأن يقدم تربية تليق بتطلعات الأسر، والذي يتحدث باسم الجالية مطالب بأن يستمع إلى الجالية، لا أن يكتفي بمطالبتها بالدفع.

لماذا لا نستفيد من التجارب الأخرى؟

حين ننظر إلى تجارب بعض المساجد والمراكز الإسلامية في إنجلترا وغيرها من البلدان الأوروبية، نجد نماذج تستحق الدراسة في مجالات التنظيم المؤسسي، وتأهيل العاملين، وتطوير البرامج التعليمية، والتواصل مع المجتمع، وإشراك الشباب والنساء في العمل المنظم، بحسب طبيعة كل مؤسسة وظروفها.

وليس من الإنصاف الادعاء بأن جميع مساجد إنجلترا ناجحة، أو أن جميع مساجد بروكسيل تعاني الإخفاق؛ فالتجارب متفاوتة في البلد الواحد، بل قد نجد مؤسسات بلجيكية ناجحة ومبادرات تستحق التنويه والتقدير. لكن من المشروع أن نتساءل: لماذا لا تتبادل مؤسساتنا الخبرات؟ ولماذا لا نستفيد من النماذج التي نجحت في بناء إدارة واضحة، وتكوين أطر مؤهلة، وتنويع الخدمات المقدمة للمسلمين؟

إن الاستفادة من التجارب الناجحة لا تعني استنساخها، وإنما تعني دراسة أسباب نجاحها، والاستفادة من أدواتها، وتكييفها مع السياق البلجيكي.

نحن في حاجة إلى مساجد لا تكتفي بالمحافظة على الموروث، بل تعرف كيف تنقله إلى الأجيال الجديدة بلغة العصر، وكيف تجعل من المسجد فضاءً للعلم والتربية والحوار والتكافل الاجتماعي.

نحتاج إلى مؤسسات تعرف أن الطفل الذي يأتي لتعلم القرآن الكريم يحتاج أيضًا إلى منهج تربوي مدروس، وأن الشاب الذي يطرق باب المسجد يحتاج إلى من يفهم أسئلته وتحدياته، وأن الأسرة التي تؤدي اشتراكاتها السنوية تنتظر خدمة تعليمية تستحق ما تبذله من مال وجهد.

ونحتاج، قبل كل شيء، إلى مسؤولين يدركون أن إدارة المسجد ليست امتيازًا اجتماعيًا، بل مسؤولية تستوجب التكوين المستمر، والاستعداد للتجديد، والقدرة على الاعتراف بالقصور وتصحيحه.

أبناؤنا ليسوا أرقامًا في لوائح التسجيل

من أكثر ما يستدعي المراجعة أن تتحول بعض المؤسسات التعليمية التابعة للمساجد إلى فضاءات يغلب عليها الاهتمام بالإجراءات الإدارية وتحصيل الاشتراكات، بينما لا تحظى جودة التعليم والتأطير التربوي بالاهتمام نفسه.

إن تعليم اللغة العربية والقرآن الكريم للأبناء الذين نشؤوا في بيئة أوروبية يحتاج إلى مناهج تناسب غير الناطقين بالعربية، وإلى مدرسين مؤهلين، وإلى وسائل تعليمية حديثة، وإلى متابعة منتظمة لمستوى المتعلمين.

ولا يكفي أن نفتح قسمًا ونضع فيه مجموعة من الأطفال ثم نعتبر أن المهمة قد أُنجزت؛ فالعبرة ليست بعدد المسجلين وحده، وإنما بما يتعلمونه، وبمدى تطور قدراتهم، وبالأثر الذي تتركه المؤسسة في سلوكهم، وشخصياتهم وصلتهم بدينهم ولغتهم.

كما أن نجاح هذه المؤسسات يقتضي حسن التواصل مع الآباء والأمهات، والاستماع إلى ملاحظاتهم، وتقديم معلومات واضحة عن البرامج والمستويات والنتائج، والتعامل مع شكاواهم بروح المسؤولية لا بمنطق الحساسية أو الدفاع عن المواقع.

فالأسر ليست مجرد مصدر للتمويل، والأطفال ليسوا مجرد أسماء في سجلات التسجيل، والمدرسون ليسوا أدوات لتنفيذ قرارات إدارية؛ بل الجميع شركاء في مشروع تربوي يفترض أن تكون غايته بناء الإنسان.

وإذا كانت الجالية مستعدة للاستثمار في مستقبل أبنائها، فإن من حقها أن تجد أمامها مؤسسات تستثمر بدورها في تطوير خدماتها، وتقييم أدائها، وتأهيل أطرها.

المسجد أمانة لا ملكية خاصة

إن من أخطر ما يمكن أن يصيب المؤسسات الدينية أن تختلط المسؤولية بالملكية، وأن يتحول العمل التطوعي إلى مجال مغلق تتوارث فيه مجموعة محدودة من الأشخاص مواقع القرار، دون تجديد حقيقي أو تقييم موضوعي للأداء.

فالمسجد لله، وخدمته شرف، لكن إدارته شأن مؤسسي يجب أن يخضع للقواعد الواضحة والمحاسبة المشروعة، وأن تكون فيه الأولوية لمصلحة المصلين والأطفال والشباب، لا للمكانة الشخصية أو الحسابات الضيقة.

ومن حق أعضاء الجمعية، وفق قوانينها ونظامها الأساسي، أن يشاركوا في اختيار المسؤولين ومراقبة أدائهم، ومن حق المتبرعين أن يطلبوا توضيحات بشأن الأموال التي يساهمون بها، ومن حق الأسر أن تبحث عن جودة أفضل لأبنائها.

وليس في ذلك انتقاص من حرمة المسجد، بل هو دفاع عن رسالته. فالشفافية تحفظ الثقة، والكفاءة تحسن الأداء، والتداول المسؤول على المهام يفتح المجال أمام الطاقات الجديدة، أما غياب التقييم والمحاسبة فقد يجعل المؤسسة أسيرة عادات قديمة، حتى وإن تغير المجتمع من حولها.

ولعل الوقت قد حان لإعادة النظر في معايير اختيار مسؤولي المساجد، بحيث لا تقوم على العلاقات الشخصية وحدها، بل تشمل الكفاءة الإدارية، والإلمام بالقوانين، والقدرة على التواصل، والنزاهة المالية، والاستعداد للعمل الجماعي، والقدرة على تقديم رؤية واضحة للمستقبل.

كلمة أخيرة: نريد إصلاح المساجد لا هدم الثقة فيها

لسنا في حاجة إلى خطاب يسيء إلى المساجد أو يقلل من جهود المخلصين فيها؛ فهناك من بذلوا أعمارهم وأموالهم ووقتهم لخدمة بيوت الله، وهناك مؤسسات تقدم خدمات جليلة تستحق الشكر والتشجيع. لكن الاعتراف بهذه الجهود لا ينبغي أن يمنعنا من نقد الاختلالات حيثما وُجدت، ولا أن يجعل الحديث عن الإصلاح أمرًا محرمًا أو غير مرغوب فيه.

إن حب المسجد يقتضي الحرص على جودة رسالته، والوفاء للمحسنين يقتضي صيانة أموالهم، وخدمة الأبناء تقتضي تطوير المناهج والبرامج، واحترام المجتمع الذي نعيش فيه يقتضي فهم قوانينه والتواصل مع مؤسساته.

لقد تغيرت الأجيال، وتبدلت الحاجات، وأصبح أبناء الجالية يعيشون واقعًا مختلفًا عن واقع آبائهم وأجدادهم. ومن غير المقبول أن تظل بعض طرق التدبير أسيرة تصورات قديمة، بينما تتسع حاجات المجتمع وتتعقد تحدياته.

إننا نريد مساجد تُحسن العبادة كما تُحسن الإدارة، وتجمع بين أصالة الرسالة وحداثة الوسائل، وبين الإخلاص في النية والإتقان في العمل. نريد مسؤولين لا يخشون التقييم، ولا يعتبرون مواقعهم حقوقًا مكتسبة، بل يرونها تكليفًا مؤقتًا يُقاس نجاحه بما يتركه من أثر.

ونريد من الجالية أن تنتقل من مجرد التبرع إلى المشاركة الواعية، ومن الاكتفاء بالشكوى إلى المطالبة المنظمة بالإصلاح، ومن الدفاع العاطفي عن الأشخاص إلى الدفاع المسؤول عن المؤسسات.

فليس من الوفاء للمساجد أن نصمت عن أوجه القصور فيها، وليس من احترام المسؤولين أن نعفيهم من المحاسبة، وليس من الحكمة أن نستمر في تمويل مؤسساتنا من جيوبنا دون أن نسأل عن جودة ما تقدمه لأبنائنا.

إن أموال الجالية ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لبناء مؤسسات دينية وتربوية قادرة على أداء رسالتها. وإذا أردنا لمساجد بروكسيل أن تكون منارات للعلم والإيمان، فعلينا أن نمنحها إدارة تليق برسالتها، وكفاءات تواكب زمنها، ورؤية تجعل مصلحة الأجيال القادمة فوق كل اعتبار.

فالمسجد لا يرتقي بكثرة ما يجمع من المال، ولا بمكانة من يتصدر مجلس إدارته، وإنما يرتقي بقدر ما يزرعه من علم، وما يبنيه من وعي، وما يقدمه من خدمة، وما يكسبه من ثقة الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *