وجهة نظر

خطاب رياض مزور لرجال الأعمال: تحفيز صريح أم حدة غير منتجة؟

خطاب رياض مزور لرجال الأعمال: تحفيز صريح أم حدة غير منتجة؟

في لقاء جمعه بعدد من رجال الأعمال، أثار وزير الصناعة والتجارة رياض مزور نقاشا واسعا بسبب اللغة المباشرة التي خاطب بها الفاعلين الإقتصاديين، داعيا إلى رفع مستوى الطموح وتحويل الكفاءات المغربية إلى مشاريع ذات إشعاع دولي. وقد بدا خطاب الوزير، في مضمونه ونبرته، محاولة للفت الإنتباه إلى فجوة قائمة بين الإمكانات المتوفرة والنتائج المحققة، لكنه في الآن نفسه فتح باب التساؤل حول حدود الخطاب الصدامي في التواصل مع القطاع الخاص.

دعوة إلى مراجعة مستوى الطموح

انطلق الوزير من الإشارة إلى المؤهلات التي تتوفر لدى عدد من رجال الأعمال المغاربة، سواء من حيث التكوين الأكاديمي أو الخبرة المهنية أو القدرة على الإندماج في محيط إقتصادي دولي متغير. ومن هذا المنطلق، طرح سؤالا جوهريا حول أسباب عدم ترجمة هذه المؤهلات، في حالات عديدة، إلى مشاريع كبرى قادرة على المنافسة إقليميا ودوليا.

ويفهم من هذا الطرح أن الوزير يسعى إلى تنبيه الفاعلين الإقتصاديين إلى ما يعتبره حاجة ملحة إلى مزيد من الجرأة والمبادرة، خصوصا في سياق دولي يتسم بتنافسية متزايدة وتحولات سريعة في سلاسل الإنتاج والإستثمار.

بين التحفيز واللغة الصادمة

أكثر ما لفت الإنتباه في هذا الخطاب ليس فقط مضمونه، بل أيضا طريقته في التعبير. فقد إختار الوزير لغة مباشرة، إتسمت في بعض مقاطعها بقدر من الحدة، من خلال مقارنات قوية وعبارات توحي بنفاد الصبر إزاء بطء التحول الصناعي والإستثماري.

ومن زاوية تحليلية، يمكن فهم هذا الأسلوب باعتباره جزءا من خطاب تحفيزي يروم إحداث أثر سريع في المتلقين، ودفعهم إلى مراجعة تصوراتهم بشأن حجم المنافسة الإقليمية والدولية. غير أن هذا النوع من الخطاب قد ينتج أيضا أثرا عكسيا، إذا طغت نبرة التوبيخ على منطق الشراكة، خاصة عندما يكون المخاطبون فاعلين إقتصاديين ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم شركاء في التنمية لا مجرد متلقين للنقد.

السياق الإقتصادي لا يختزل في عامل واحد

يثير الخطاب كذلك نقاشا أوسع حول طبيعة التحديات التي تواجه المقاولة المغربية. فضعف التموقع في بعض الأسواق أو محدودية التوسع الخارجي لا يرتبطان فقط بمسألة الطموح، بل يتداخل فيهما عدد من العوامل البنيوية، مثل صعوبات التمويل، وتعقيد المساطر، وكلفة الإنتاج، ومناخ الأعمال، وطبيعة الدعم العمومي، فضلا عن تفاوت شروط المنافسة مع بلدان أخرى.

ومن ثم، فإن أي تشخيص لهذا الواقع يظل في حاجة إلى مقاربة متوازنة تراعي تعدد الأسباب، وتربط بين مسؤولية الفاعل الإقتصادي من جهة، ودور السياسات العمومية والمؤسسات المواكبة من جهة أخرى.

إختيار الفرنسية ودلالته المهنية

من العناصر التي أثارت الإنتباه أيضا إستعمال الوزير للغة الفرنسية خلال هذا اللقاء. ويمكن قراءة هذا الإختيار في بعده المهني، بإعتبار الفرنسية ما تزال حاضرة بقوة في عدد من فضاءات الأعمال والتدبير والتفاوض الإقتصادي داخل المغرب، ولا سيما في الأوساط المرتبطة بالمقاولات الكبرى والوثائق التقنية والمالية.

ومع ذلك، فإن المسألة اللغوية في المغرب تتجاوز في كثير من الأحيان بعدها الوظيفي، لتلامس أبعادا رمزية وثقافية وإجتماعية. لذلك، قد يفهم هذا الإختيار لدى بعض المتابعين بإعتباره أمتدادا لواقع لغوي قائم داخل المجال الإقتصادي، فيما قد يراه آخرون مؤشرا على إستمرار مسافة معينة بين لغة النخب الإقتصادية ولغة التداول العمومي الأوسع.

الحاجة إلى خطاب يوازن بين الصراحة والشراكة

تكمن أهمية هذا النقاش في أنه لا يتعلق فقط بعبارات قيلت في لقاء عابر، بل بطريقة تصور العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص. فإذا كان من المشروع أن يطالب المسؤول الحكومي بمزيد من الطموح والنجاعة، فإن فعالية هذا المطلب تظل مرتبطة أيضا بقدرة الخطاب الرسمي على بناء الثقة وتقديم أفق عملي للتعاون.

فالخطاب الصريح قد يكون مطلوبا في بعض اللحظات، لكنه يصبح أكثر أثرا حين يصاغ ضمن رؤية تشاركية، تعترف بالمجهودات المبذولة، وتشخص الإكراهات بموضوعية، وتربط النقد باقتراحات عملية قابلة للتنفيذ.

أعاد خطاب رياض مزور طرح سؤال قديم ومتجدد حول كيفية تطوير العلاقة بين الدولة والمقاولة في المغرب: هل يكفي رفع سقف التوقعات لتحفيز الفاعلين الإقتصاديين، أم أن الأمر يقتضي أيضا بيئة أكثر دعما وخطابا أكثر توازنا؟ بين الصراحة المشروعة والحدة غير المنتجة، يظل التحدي قائما في بناء تواصل مؤسساتي يجمع بين وضوح الرسالة وإحترام منطق الشراكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *