منتدى العمق

حين تضحك القاعات وتبكي السينما: من سرق ذائقة الجمهور المغربي؟

في السنوات الأخيرة، باتت القاعات السينمائية في المغرب تعرف مفارقة لافتة, إذ تمتلئ عن آخرها عند عرض الأفلام التجارية ، بينما تكاد تفرغ خلال عروض الأعمال السينمائية الجادة ذات العمق الفني والفكري. هذا الواقع يطرح سؤالا ملحا: كيف أصبحت السينما التجارية مهيمنة إلى هذا الحد، حتى كاد الجمهور المغربي يفقد القدرة على التمييز بينها وبين السينما الحقيقية ذات العمق الفني؟

لا شك أن السينما التجارية تعتمد على عناصر الجذب السريع منها: الكوميديا الخفيفة، الوجوه المألوفة، المواضيع السهلة، والإيقاع السريع الذي يراهن على الترفيه اللحظي. وهي بذلك تلبي حاجة جمهور واسع يبحث عن المتعة والهروب من ضغط الحياة اليومية. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود هذا النوع من السينما، بل في تحوله إلى النموذج الغالب الذي يطغى على غيره، فيغيب التنوع وتُهمّش الأعمال التي تحمل رؤية فنية عميقة أو تطرح قضايا إنسانية وجمالية أكثر تعقيدا.

من وجهتي نظري، يكمن الخلل أولا في غياب تربية سينمائية حقيقية. فالمتلقي المغربي، في الغالب، لم يُمنح الأدوات الكفيلة بفهم اللغة السينمائية أو تذوقها من خلال مشاهدة أفلام نموذجية. او تلقي اللغة السينمائية في المدرسة اوفي الإعلام العمومي. حيث تغيب الثقافة البصرية والنقد الفني، ويُختزل الفيلم في كونه وسيلة للضحك أو التسلية فقط. وهكذا، ينشأ جمهور يميل بطبيعته إلى ما هو سهل ومباشر، وينفر من الأعمال التي تتطلب تأملا أو مجهودا فكريا لفهم مغزاها العميق.

ثانيا، تلعب قاعات العرض نفسها دورا في تكريس هذا الواقع، وهذا طبعا في إطار الاستثمار التجاري، إذ تفضل برمجة الأفلام التي تضمن الإقبال الجماهيري والربح السريع، على حساب أفلام قد تكون أقل جماهيرية لكنها أكثر قيمة فنية. كما أن التوزيع غير العادل يجعل الأفلام “الحقيقية” (إن صح التعبير محدودة العرض، مما يقلل من فرص وصولها إلى الجمهور.

ثالثا، يتحمل بعض صناع السينما جزءا من المسؤولية، حين ينساقون وراء منطق السوق، فيقدمون أعمالا سطحية تكرر نفس القوالب الناجحة، بدل المغامرة بأفكار جديدة أو تجارب فنية مختلفة. ومع الوقت، تتحول هذه الأعمال إلى معيار “للنجاح” فيُقاس الفيلم بعدد التذاكر المباعة لا بقيمته الفنية.

ولا يمكن إغفال دور الإعلام، الذي يروج بكثافة للأفلام التجارية عبر الحملات الدعائية والبرامج الترفيهية، بينما يغيب النقاش الجاد حول الأعمال السينمائية ذات البعد الفني. وهكذا، يُصنع “الذوق العام” بشكل غير مباشر، ويُوجه نحو استهلاك نمط واحد من الإنتاج.

إن معالجة هذا الخلل تتطلب تدخلا متعدد المستويات: إدماج التربية السينمائية في المناهج التعليمية بمؤسساتنا التعليمية، دعم قاعات العرض التي تراهن على التنوع، تشجيع النقد السينمائي الجاد، وتحفيز المخرجين على تقديم أعمال تجمع بين الجودة الفنية والقدرة على جذب الجمهور.

في النهاية، ليست المشكلة في السينما التجارية في حد ذاتهافقط، بل في هيمنتها المطلقة التي تُفقر المشهد السينمائي وتحدّ من وعي المتلقي. فحين يستعيد الجمهور قدرته على التمييز، وتُتاح له فرصة مشاهدة أنماط مختلفة من السينما، يمكن حينها الحديث عن توازن صحي يعيد للسينما المغربية عمقها ودورها الثقافي الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *