سؤال “المعقول” في الخطاب الحزبي: هل يحتاج الناخب المغربي إلى شعار أم إلى الإنجاز؟
الاستهلال: في حضرة الفطنة
بين جدران مقهى هادئ بمدينة آسفي، وفي غمرة نقاش تجاذبت أطرافه مع صديق لماَّع يقرأ ما وراء الكلمات، وُلدت لحظة تأمل فكري استثنائية. كان المحرك تكرارا لافتا لمصطلح واحد في خطاب فاعل سياسي نشط؛ مصطلح بسيط في لفظه لكنه محمل بالدلالات: “المعقول”. لقد تناقشنا كيف تحول هذا المفهوم من فضيلة أخلاقية مغربية إلى رافعة انتخابية، تقدم كشعار بسيط المبنى، لكن بعميق الأثر والمرمى.
تساءلت رفقة صديقي بنبرة فيها من القلق ما فيها: كيف يتحول مفهوم قيمي (أخلاقي) إلى استراتيجية “تسويق سياسي”؟ وهل يمكن لرمزية “المعقول” أن تكون بديلا للشرعية القائمة على الإنجاز؟
لتحليل هذه الظاهرة، لابد من التساؤل حول كيف تبنى السلطة في الأذهان قبل الصناديق:
أولا المعقول كحقل سوسيولوجي
يكمن جوهر السياسة في تعدد مستويات المواجهة، وفي طليعتها الصراع على الرأسمال الرمزي”؛ تلك القوة الخفية التي تمنح الفاعل السياسي قدرة التأثير والإقناع دونما حاجة للإكراه. يعد “المعقول” محاولة ذكية للاستثمار في “الرأسمال القيمي” حيث يتم توظيف الأخلاق كأصل سياسي غير مادي لبناء شرعية عاطفية تسبق أي برنامج تدبيري. فالحزب الذي ينجح في إقناع الناس بأنه يمثل “المعقول” يمارس نوعا من الهيمنة الرمزية؛ فهو لا يقدم حلولا تقنية، بل يقدم “هوية”. الجمهور هنا لا يصوت لبرنامج، بل يصوت لـ “صورة ذهنية” توحي بالأمان والصدق، مما يجعل “المعقول” أداة لضبط الحقل الاجتماعي وتوجيه سلوك الناخبين دون إكراه.
ثانيا: هندسة السيطرة الناعمة
يمكن اعتبار “المعقول” وجها من وجوه القوة الناعمة داخل المنافسة الحزبية. فالأحزاب التي تفتقر إلى القوة “الصلبة” (الإنجازات التاريخية أو الأرقام الاقتصادية المبهرة) تلجأ إلى الجذب عبر القيم. “المعقول” هنا هو القوة التي تجعل الآخرين (الناخبين) يريدون ما يريده الحزب، لأنهم يثقون في معدنه الأخلاقي، وليس بالضرورة كفاءته أو قدرته على التغيير.
ثالثا: استراتيجية “المعقول”.. دعاية وحماية
في عالم يسيطر عليه “التكنوقراط” وتغيب فيه الأيديولوجيات الكبرى، يأتي “المعقول” ليخاطب حاجة الإنسان إلى “الأصالة”، لكنه إذ يمنحه هوية بصرية ولفظية يجعل منه أيضا قوة حمائية من خلال تحويل العجز إلى فضيلة:
بناء الهوية البصرية اللفظية: تعتمد استراتيجية “المعقول” على البساطة في التواصل (العامية المغربية الراقية القريبة من القلب)، والابتعاد عن المصطلحات المعقدة، مما يخلق نوعا من “الألفة السياسية” التي تكسر الحاجز بين النخبة والقاعدة.
تحويل العجز إلى فضيلة: تكمن الخطورة الاستراتيجية هنا في قدرة “المعقول” على تبرير الإخفاق: إذ يتم استدعاؤه كآلية دفاعية تحول تواضع النتائج من قصور في التدبير إلى سمو في المبدأ. هكذا يصبح الشعار “درعا” أو “ملاذا” يحتمي به الحزب من المساءلة، عبر صياغة سردية تبريرية مفادها: قد لا نكون حققنا كل المنجزات أو أي منجزات، لكننا اشتغلنا بنقاء السريرة (المعقول). إنها عملية “تدوير سياسي” بارعة، تقدم للجمهور غياب النتائج الملموسة في قالب انتصار قيمي موهوم، يتم من خلاله إقناع الناخب بأن الحفاظ على ‘نظافة اليد’ أهم بكثير من فعالية السياسات العمومية.
رابعا: سيكولوجية التلقي: الشرعية بـ “النيات”
كيف يتفاعل الجمهور مع هذا “التسويق الأخلاقي”؟ العملية تمر عبر مسارين:
المسار العاطفي (الاستلاب الرمزي): حيث يتم قبول “المعقول” كبديل عن الفعالية. الجمهور المتعب من الوعود يرى في المعقول نهاية لمرحلة “السياسة الماكرة”، فيمنح الشرعية لمن يشبهه في قيمه لا لمن يفوقه في خبرته.
المسار العقلاني (شرعية الإنجاز): هنا يواجه المصطلح مأزقا بنيويا، إذ يدرك الجمهور الفطن أن “المعقول شرط ضروري للثقة، لكنه غير كاف للحكم والتدبير. ففي غياب الرؤية الاستراتيجية والقدرة الفعلية على قيادة التغيير، يتحول “المعقول” من فضيلة إلى “قناع” يداري عجز الأداء. هنا تنكشف هشاشة الشرعية المعقودة على المفهوم وحده دون سلطة حقيقية وإرادة سياسية وخبرة مؤسساتية. إن الشرعية السياسية المستدامة لا تستقيم بمجرد ‘نوايا الصدق’، بل تتجسد حصرا في ‘أثر الصدق على أرض الواقع’؛ فالمواطن في نهاية المطاف لا يستهلك الشعارات، بل يحيا بالنتائج.
خاتمة: العودة إلى الواقع
انتهى حواري مع صديقي إلى اتفاق ضمني: “المعقول” شعار عبقري في مرحلة “الاستقطاب”، لكنه عبء ثقيل في مرحلة التدبير.
إنها استراتيجية تسويقية تصلح كعتبة دخول لاستعادة ثقة مفقودة، لكنه يفشل كأداة حكم إذا لم تترجم إلى أرقام ومشاريع. فالجمهور، وإن استلذ بوعود الاستقامة والصدق، سيطالب في نهاية المطاف بـ “معقول” من نوع آخر: معقولية الأرقام، عدالة التوزيع ونجاعة المؤسسات والسياسات.
لكن الخطورة الكامنة في تحويل “المعقول” إلى استراتيجية سياسية يكمن في أنها قد تكون أداة غير ديمقراطية، قد تقتل النقد والمحاسبة داخل الدولة والمجتمع، فعندما يشرعن “العجز كفضيلة” يصعب مساءلة الفاعل السياسي حينها، لأنه يلجأ إلى تكتيك “التعويض الرمزي” بحيث يعمد بذكاء إلى تحويل النقاش العام من الحصيلة (ماذا حققنا؟) إلى “الهوية” (من نحن؟).
في الاستحقاقات المقبلة قد تنجح الأحزاب التي ترفع شعار “المعقول” في حشد العواطف، لكن التحدي الحقيقي يكمن في “مأسسة المعقول”؛ أي تحويله من مجرد شعار انتخابي عابر إلى نتائج تتسم بالشفافية والنجاعة.
فالشرعية التي تبنى بالكلمات الرمزية، قد تنهار فورا أمام أول أزمة واقعية تتطلب حلا لا نوايا طيبة. فهل سيستطيع “المعقول الرمزي أن يصمد أمام “الواقع” المادي؟ ذلك السؤال الذي ستجيب عنه صناديق الاقتراع، وربما جلسة قهوة أخرى بعد إعلان النتائج.
اترك تعليقاً