عندما صنعت “القومية” عدوّها: من رصاص الانقلابات إلى هوس المدرّجات
منذ أن خرجت القومية العربية من رحم الدبابات في منتصف القرن الماضي، لم تكن يوماً مشروع وحدة، بل كانت مشروع سلطة يبحث عن شرعية بأي ثمن. عبد الناصر، الذي قدّم نفسه زعيماً فوق المنطقة، لم يبنِ مشروعه على تراكم حضاري أو رؤية تاريخية، بل على تعبئة غوغائية وصناعة “عدو” يبرّر القمع الداخلي والتمدد الخارجي. وفي قلب هذا المسرح، كان المغرب بملكيته العريقة العقبة التي لا تُبتلع: دولة ذات شرعية تاريخية، لا تحتاج ثورة مستوردة، ولا تقبل أن تُدار من القاهرة.
من هنا بدأ العداء. لم يكن خلافاً سياسياً عابراً، بل صداماً بين نموذجين متناقضين:
• نموذج جمهوري عسكري يفرض نفسه بالرصاص،
• ونموذج ملكي دولتي يرفض الخضوع لمحاور مصطنعة.
لذلك، شنّت الناصرية حربها الإعلامية والسياسية على المغرب، محاولة زعزعة استقراره. وعندما اندلعت حرب الرمال سنة 1963، والجزائر ما تزال تبحث عن جيشها، تدخلت القاهرة مباشرة، فأرسلت طيارين وخبراء لمحاصرة المغرب ومنعه من تثبيت حدوده التاريخية. وحين وقع بعض الطيارين المصريين في الأسر — وتداولت الكواليس الدبلوماسية أن من بينهم حسني مبارك — اختار الحسن الثاني تهدئة ذكية أطفأت نار الشحن الأيديولوجي.
لكن موت عبد الناصر لم يدفن هذه البنية؛ فقد ورثتها الجزائر البومدينية، وعمّقتها. صار المغرب هو العدو الخارجي الجاهز الذي يحتاجه النظام العسكري لتبرير وجوده. وكانت الصحراء الورقة الذهبية لإبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم. وفي منتصف السبعينيات، احتُضنت جبهة البوليساريو وتم تفريغها من مضمونها، وتحويلها إلى أداة إقليمية. جُمعت مجموعات بشرية هشّة من الساحل ومحيطه، وحُشرت في مخيمات بلا أفق، ليُصنع منها “شعب” يُستخدم كورقة ضغط.
هنا يتحول الصراع من مناورة سياسية إلى جريمة إنسانية مكتملة الأركان:
محاولة لاصطناع هوية، وفصل بشر عن امتدادهم، وتلقينهم سردية واحدة، وتحويلهم إلى وقود في صراع لا يخصّهم. نصف قرن من العزلة، يتوارث فيه الأبناء مخيماً لم يختاروه، ومصيراً لم يصنعوه.
وما هو أخطر من ذلك أن الرواسب النفسية لهذا الشحن لم تختفِ، بل تسللت إلى الوعي الجماعي، وتنفجر اليوم في الملاعب. هذه “العاطفة بلا حدود” ليست تشجيعاً كروياً بريئاً، بل ارتداد نفسي لبروبغندا قومية ماتت سريرياً، لكنها تركت جينات مشوّهة في الوعي. إنها بنية لا تشعر بوجودها إلا عبر “الانتصار على الآخر” أو “تقمص دور الضحية”، فتتحول كرة القدم إلى معركة وجودية بديلة لتعويض الفشل التنموي والسياسي.
الأنظمة تتعامل مع هذه الموجات بطريقتين:
• النظام الجزائري يختار التعبئة الممنهجة، مستعيداً العقيدة البومدينية، ليحوّل الرياضة إلى جبهة حرب، ويوجّه الغضب نحو “عدو خارجي” مصنوع.
• أما مصر، الغارقة في أزماتها، فلم تعد تملك أيديولوجيا قومية تقودها، لكنها عاجزة عن كبح الطوفان الجماهيري، فتضطر لمداراته باعتباره صمام أمان يقيها انفجار الشارع.
وحين تتحول مباراة كرة القدم إلى أزمة دبلوماسية، وتصريح لاعب إلى “قضية قومية”، فذلك لأن الآلة النفسية التي غذّت الانقسامات العربية لم تُفكَّك بعد. إنها الآلية نفسها التي استُعملت لإذكاء نزاع الصحراء، واليوم تُستعاد الأدوات ذاتها لكن بقمصان رياضية.
من شعارات القومية الإقصائية، إلى حرب الرمال، إلى نزاع الصحراء، وصولاً إلى التعصب الكروي، يمتد خيط واحد: البحث الدائم عن خصم خارجي لتبرير الأزمات الداخلية. مشروع بدأ بشعار “الوحدة”، وانتهى بصناعة أعمق جدار للانقسام.
ومع اقتراب الحسم الدبلوماسي لملف الصحراء، يبقى
السؤال الأخلاقي معلّقاً:
من سيعيد الاعتبار لآلاف البشر الذين استُهلكت حياتهم كأدوات سياسية؟
ومن يملك شجاعة الاعتراف بأن ما حدث كان جريمة في حق مجموعات بشرية هشّة صُنعت مأساتها في دهاليز الصراع على النفوذ؟
اترك تعليقاً