كرة القدم والمخيال الاجتماعي في صناعة الألقاب والرموز الرياضية
من الحاج مزراوي إلى شرجان عيسى
لا يمكن النظر إلى الألقاب والتوصيفات التي يطلقها المعلقون الرياضيون والجمهور على لاعبي المنتخب الوطني باعتبارها مجرد تعبيرات عفوية أو أوصافا لغوية عابرة، بل تمثل ظاهرة اجتماعية وثقافية ذات دلالات عميقة تكشف عن أنماط اشتغال المخيال الجماعي وآليات إنتاج المعنى داخل الفضاء الرياضي. فالرياضة، وفق التصور السوسيولوجي المعاصر، ليست مجرد منافسة بدنية أو تقنية، وإنما فضاء رمزي تتقاطع داخله الهويات والانتماءات والتمثلات والقيم الاجتماعية، وتعاد فيه صياغة صور الأفراد والجماعات وفق منطق اجتماعي يتجاوز حدود الملعب.
إن إطلاق تسميات من قبيل “الحاج مزراوي”، و”سي إبراهيم”، و”شرجان عيسى”، و”أوناحي النحيلة”، وغيرها من الأوصاف المتداولة بين الجماهير والمعلقين، يعكس عملية اجتماعية لإعادة إنتاج اللاعب داخل النسق الرمزي للمجتمع. فالفرد هنا لا يختزل في أدائه الرياضي فحسب، بل يصبح حاملا لجملة من المعاني الثقافية والاجتماعية التي تمنحه هوية رمزية إضافية تتجاوز اسمه الشخصي. ومن هذا المنطلق يمكن الاستفادة من أعمال بيير بورديو الذي يرى أن الفاعلين الاجتماعيين لا يتحركون فقط داخل الحقول الاجتماعية بأجسادهم أو مهاراتهم، بل يحملون معهم رأسمالا رمزيا يتمثل في السمعة والصورة الاجتماعية والاعتراف الجماعي. فهذه الألقاب تشكل شكلا من أشكال الرأسمال الرمزي الذي يمنح اللاعب مكانة خاصة داخل المخيال الشعبي.
يرى منظّرو التفاعلية الرمزية، وفي مقدمتهم هربرت ميد وهربرت بلومر أن المعاني لا تكون كامنة في الأشخاص أو الأشياء أو الأفعال في حد ذاتها، وإنما تبنى وتنتج من خلال التفاعل الاجتماعي بين الأفراد. فالأشياء لا تكتسب دلالتها إلا عندما يمنحها الناس معنى مشتركاً عبر التواصل والتأويل والتجربة الجماعية. وبذلك يصبح السلوك الإنساني موجها بالمعاني التي يصنعها الأفراد ويتبادلونها فيما بينهم، لا بالخصائص الموضوعية للأشياء وحدها.
وانطلاقا من هذا التصور، فإن الألقاب التي يطلقها الجمهور أو المعلقون الرياضيون على اللاعبين لا تعبر فقط عن أوصاف مباشرة، بل تمثل نتاجا لعملية اجتماعية من التأويل الجماعي وإنتاج الدلالة. فاللاعب لا يصبح “الحاج” أو “سي إبراهيم” أو “الشرجان” بسبب صفات ذاتية ثابتة فقط، وإنما لأن الجماعة الرياضية قد منحت هذه التسميات معاني خاصة وتوافقت ضمنيا على تداولها وفهمها. وهكذا تتحول الألقاب إلى رموز اجتماعية تختزل صورة اللاعب وتحدد مكانته داخل المخيال الجماعي، وتصبح جزءا من هويته الرمزية كما تتشكل في نظر الجمهور.
فإن المعاني لا توجد في الأشياء أو الأشخاص في حد ذاتهم، وإنما تبنى من خلال التفاعل الاجتماعي. فاللاعب لا يصبح “الحاج” أو “السي” أو “الشرجان” بسبب صفات موضوعية فقط، بل لأن الجماعة الرياضية والجمهور قد توافقا ضمنيا على إسناد هذه الدلالات إليه. وهكذا تتحول التسمية إلى علامة رمزية تختزل صورة اللاعب وتجعله قابلا للتداول والتذكر والاستحضار داخل المجال العمومي.
وتحيل بعض هذه الألقاب على مرجعيات دينية واضحة. فعندما يطلق على لاعب لقب “الحاج”، فإن الأمر لا يتعلق غالباً بأداء فريضة الحج بالمعنى الديني المباشر، وإنما باستدعاء منظومة قيم ترتبط في الثقافة المغربية بالوقار والاحترام والحكمة والنضج الأخلاقي. هنا تتحول الرموز الدينية إلى موارد لغوية وثقافية تستعملها الجماعة لإنتاج صورة إيجابية عن اللاعب. وهو ما ينسجم مع تحليلات دوركهايم الذي اعتبر أن الرموز الجماعية تشكل أدوات لتجسيد القيم المشتركة وإعادة إنتاج التضامن الاجتماعي.
أما استعمال كلمة “سي” كما في “سي إبراهيم”، فيكشف عن استمرار حضور الثقافة التقليدية المغربية داخل المجال الرياضي الحديث. فهذه الصيغة ليست مجرد أداة نداء، بل تحمل حمولة رمزية ترتبط بالاحترام والمكانة الاجتماعية والتقدير الأخلاقي. ومن اللافت أن الجمهور يعيد توظيف هذه الصيغة داخل فضاء كرة القدم، بما يدل على أن الحداثة الرياضية لم تلغ المرجعيات الثقافية المحلية، بل أعادت دمجها في أشكال جديدة من التعبير الجماهيري.
وتكتسب بعض الألقاب طابعا جسديا أو مورفولوجيا كما في “أوناحي النحيلة”، حيث يصبح الجسد موضوعا للتوصيف والتصنيف الاجتماعي. وهنا يمكن استحضار أعمال غوفمان حول تقديم الذات في الحياة اليومية، حيث يتحول الجسد إلى حامل للمعنى الاجتماعي وإلى وسيلة لقراءة شخصية الفرد وتمثله. فالنحافة هنا لا تستدعى باعتبارها خاصية بيولوجية فقط، بل باعتبارها علامة فارقة تميز اللاعب عن غيره وتجعله أكثر حضورا داخل الذاكرة الجماعية.
وفي حالات أخرى تستحضر الألقاب مرجعيات تاريخية أو بطولية أو دينية أو حتى أسطورية. فقد يلجأ الجمهور إلى تشبيه لاعب بشخصية تاريخية أو محارب أو قائد أو بطل شعبي، في عملية إسقاط رمزي تهدف إلى إضفاء صفات القوة والشجاعة والقيادة عليه. ويعكس هذا الميل حاجة الجماعة إلى إنتاج أبطال معاصرين تستثمر فيهم أحلامها الجماعية وتطلعاتها الوطنية. فالمنتخب الوطني لا يمثل مجرد فريق رياضي، بل يتحول في لحظات المنافسة الكبرى إلى تجسيد رمزي للأمة، ويصبح اللاعبون شخصيات تحمل أعباء التمثيل الوطني والوجداني.
ومن زاوية سوسيولوجيا الثقافة، تكشف هذه الظاهرة عن استمرار حضور الذاكرة الجماعية في تشكيل الخطاب الرياضي. فالألقاب المتداولة تستمد مادتها من الدين والتاريخ والتراث الشعبي والعلاقات الاجتماعية اليومية، بما يجعلها مرآة للمجتمع أكثر من كونها وصفا للاعبين. إنها تعكس ما يسميه موريس هالبفاكس بالذاكرة الجماعية التي تختزنها الجماعات وتستدعيها كلما احتاجت إلى تفسير الواقع أو منحه معنى.
كما أن هذه التسميات تؤدي وظيفة إدماجية مهمة؛ إذ تسمح للجمهور بإقامة علاقة وجدانية مع اللاعبين. فالاسم الرسمي غالبا ما يحيل إلى شخص بعيد نسبيا عن الجمهور، بينما اللقب الشعبي يخلق نوعا من الألفة والقرب والحميمية الرمزية. ومن ثم يصبح اللاعب جزءاً من الحياة اليومية للناس ومن أحاديثهم ومزاحهم وسردياتهم الجماعية.
وعليه، فإن الألقاب التي تلحق بأسماء لاعبي المنتخب ليست مجرد زخارف لغوية أو تعبيرات فكاهية عابرة، بل هي منتجات اجتماعية وثقافية مكثفة تحمل آثار التاريخ والدين والذاكرة والهوية والقيم السائدة. إنها تمثل شكلا من أشكال التصنيف الاجتماعي وإنتاج المعنى الرمزي، وتكشف عن الكيفية التي يعيد بها المجتمع المغربي استثمار مخزونه الثقافي في قراءة أبطاله الرياضيين وصناعة صورهم الجماعية. فكل لقب يحمل وراءه قصة اجتماعية، وكل تسمية تختزن شبكة من الدلالات والتمثلات التي تجعل من كرة القدم مجالا خصبا لفهم المجتمع وثقافته وآليات اشتغال مخياله الجماعي.
اترك تعليقاً