منتدى العمق

حين يصبح البحر “أحسن” من الوطن

افتح هاتفي صباحا للاطلاع على اخر اخبار هجرة سبتة، لاجد أول خبر امامي فيديو يوثق انتشال جثة فتاة أقدمت على الانتحار من كورنيش مدينة آسفي.
تحت الفيديو، تعليقات متوقعة: “رحمها الله”، “لا حول ولا قوة إلا بالله”، “هذا شرك بإرادة الله”.

لكن تعليقات صادمة شيئا ما استوقفتني وجمدت الدم في عروقي من قبيل: “انتحرت؟ كون غير مشات لسبتة حسن ليها”.
هنا لم نعد أمام مأساة فردية فقط. نحن أمام مرآة. مرآة تتساوى التهلكتان فيهما. الشباب الذين كتبوا تلك التعاليق يدركون جيدا ما تعنيه “سبتة”.
يدركون أن العبور هو رمي بالجسد للتهلكة: أمواج، غرق، اختناق في الشاحنات، كسور فوق السياج ، عصا الشرطة، الاعتقال والترحيل.
ويدركون أن من يعبر يبدأ رحلة أخرى من التهلكة: البطالة المقنعة، العنصرية، الحنين، الغربة القاتلة.
ومع ذلك يقولون: “حسن ليها”. لأنهم ببساطة قارنوا بين موتين، واختاروا الأقل قسوة في نظرهم.
موت هنا بلا أفق، أو موت هناك باحتمال حياة.

قبل يوم من هذه الهجرة يأتينا خطاب سياسي لرئيس حكومة سابقة. عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية:
“اللي جالس يدعو إلى عدم التصويت، هذا كنقول له أنت عميل ديال أعداء الوطن شكون ما بغيتي تكون”
الثاني وطني-رمزي. ويؤكد بنكيران أيضاً:
“المغاربة لم ينسوا يوما مدينتي سبتة ومليلية، وأن استرجاعهما مطلب قائم في الوعي الجماعي”
بين الجملتين تتسع الهوة. يوصف العازف عن الانتخابات لأنه لا يرى جدوى، بالعميل.

ويطلب من الشاب في نفس الوقت أن يعتبر مدنا يرى فيها ملاذه، “أرضا محتلة يجب استرجاعها”.
فيصبح الشاب محاصرا: ممنوع أن تهرب بصوتك من الصندوق، وممنوع أن تهرب بجسدك نحو الحلم، ومطلوب منك أن تبقى وتقتنع أن البقاء شرف.
لماذا “سبتة أحسن”؟ السؤال ليس: من المخطئ في التعليق؟
السؤال هو: ما الذي جعل جملة كهذه منطقية في عقل شاب؟
ما الذي يجعل شابا يفضل شوك السياج على رصيف مدينته؟
ما الذي يجعل الغرق في البحر خيارا قابلا للنقاش أمام البقاء؟
ما الذي جعل الوطن في وعي جزء من الشباب يتحول من حضن إلى سؤال ثقيل؟
ليست الإجابة “قلة وطنية”.

الإجابة معقدة: بطالة، انسداد أفق، غلاء، إحساس بعدم الجدوى، خطاب لا يراهم، ومستقبل يبدو مرسوماً لغيرهم.
الفتاة التي انتحرت في آسفي لم تكن تبحث عن سبتة. لكن التعليق الذي جاء بعدها فضح أن هناك من يرى في الهجرة انتحارا مؤجلا وفي الانتحار هجرة نهائية.

حين يقول شاب “كون مشات لسبتة حسن ليها” فهو لا يمجد الموت.هو يصرخ أن الحياة هنا أصبحت أصعب من احتمال الموت.
الأرقام الرسمية تفضح حجم اليأس. فـ 2025 أحبط المغرب 73,640 محاولة هجرة غير شرعية بانخفاض 6.4% عن السنة اللي قبلها، وأنقذ 13,595 مهاجر في البحر، وفك أكثر من 300 شبكة تهريب.

لكن 2026 قلبت المعادلة في الشمال. فـ أول 4 شهور فقط دخلت سبتة 2,101 مهاجر بزيادة 329.7% مقارنة بـ 489 في 2025. وفي آخر يوليوز 2026 تحولت المدينة لحالة طوارئ بعد دخول ما بين 2000 و 3000 شخص في يوم واحد سباحةًد من سواحل المغرب، وانتشلت السلطات 9 جث في 30 يوليوز لوحده.
المفارقة أن إجمالي الوصول لإسبانيا نزل بـ 43.2%، لأن طريق الكناري انهار. فهرب اليأس إلى أقصر طريق: سياج سبتة ومليلية.
حين يقول شاب “كون مشات لسبتة حسن ليها” فهو لا يهذي. هو يترجم أرقاما: آلاف يختارون احتمال الغرق على يقين الانسداد هنا.

فالسؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا اليوم ليس: كيف نمنع الشباب من الهجرة؟
بل: ما الذي جعل الرحيل، بكل مخاطره، يبدو “أحسن” من البقاء؟ ومتى سيصبح الوطن هو الخيار “الأحسن” مرة أخرى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • عبد الرحيم تمحري
    منذ شهرين

    نحتاج في هذا الوطن إلى تحليل واقع المآسي المجتمعية بلغة العقل، خطاب العلم، وروح النقد، لنخرج من سكرة سباتنا الدوغمائي، وننفلت من أسر وهمنا الايديولوجي، ونتحرر من سجن سخفنا الروتيني.. وننتفض لنواجه مآسينا التي قتلت أرواحنا بصفتنا كائنات مفكرة، ومواطنين يقدرون الإنسان، ويثمنون الحياة والحرية والكرامة.. لسنا في حاجة إلى تعليق ساخر أمام الآسي، ولا إلى نكات مضحكة على مراراة الوأد الإنساني.. مثلما حصل في الهجرة الانتحارية نحو سبتة، أو نحو الآخرة، في شواطئ المتوسط أو شواطى الأطلسي، حيث الموت اختيارا أفضل من الحياة بمرارة. لستيقظ، لننتفض، لنسترجع التزام مثقف الأمس، حينما كانت الكلمة سلاحا، والثقافة التزاما، والوطنية دينا.. وصدق من قال:《حب الأوطان من الإيمان》، ومن قال:《لزوال الكعبة اهون عند الله من قتل ر وح مؤمنة》.