معاشات البؤساء في وطن الخيرات ونعيم الثروات

لو بقي حيا الروائي الفرنسي العظيم فيكتور هيجو لكتب رواية جديدة عن بؤساء المعاشات عندنا وما يعانيه أصحابها من حيف وظلم أمام غول التضخم ولهيب الأسعار وهيمنة الامراض المزمنة عليهم وما يكلفهم ذلك من أدوية وعلاجات تكون أحيانا باهظة الثمن بالمصحات الخاصة كلما انعدم نظيرها بالمؤسسات الصحية العمومية،كل ذلك يقع في وطن يرفل في نعيم الخيرات الطبيعية والثروات المعدنية المتنوعة ذات العائد المالي المهم وارتفاع محصول الضرائب بشكل كبير في السنتين الأخيرتين ناهيك عما تضخه السياحة والجالية المغربية من مبالغ مهمة في ميزانية الدولة كل سنة.
لأجل ذلك ،حذرت المنظمة الديمقراطية للشغل من تدهور الأوضاع الاجتماعية للمتقاعدين، مدنيين وعسكريين، إلى جانب الأرامل وذوي الحقوق، معتبرة أن ضعف المعاشات لم يعد يواكب متطلبات العيش الكريم، الأمر الذي يهدد السلم الاجتماعي ويزيد من تراجع الثقة في السياسات الحكومية
وأكدت المنظمة أن الفجوة المتسعة بين قيمة المعاشات وارتفاع تكاليف المعيشة تعكس، بحسب تعبيرها، غياب إرادة سياسية لمعالجة هذا الملف، وليس نقصاً في الموارد المالية
كما حملت الحكومة المسؤولية المباشرة عن استمرار هزالة المعاشات، معتبرة أن تحسين أوضاع المتقاعدين يقتضي مراجعة الأولويات واعتماد إجراءات تضمن لهم مستوى عيش لائق يحفظ كرامتهم
ويعاني أزيد من 75% من المتقاعدين من أمراض مزمنة تتطلب استنزاف جزء كبير من الموارد المالية الهزيلة لتغطية مصاريف العلاج
زيادات ضرورية تتراوح بين 2000 و3000 درهم بأثر رجعي
وانتقدت المنظمة اقتصار الحكومة, على إجراءات الإعفاء الضريبي، واعتبرتها خطوة تخدم الفئات ذات الدخل المرتفع وتستثني أكثر من 80% من المتقاعدين
وقارنت النقابة الواقع المحلي بالتجارب الدولية والعربية التي تطبق نظام “فهرسة المعاشات” للربط التلقائي بين المعاشات ومعدلات التضخم، داعية إلى رفع كفاءة استثمار احتياطيات نظام التقاعد لدى صندوق الإيداع والتدبير، التي تتجاوز 327 مليار درهم، لتغطية فارق القدرة الشرائية بدلا من الاكتفاء بعوائد ضئيلة
وطالبت المنظمة بإقرار زيادة عامة ومباشرة في كافة المعاشات المدنية والعسكرية تتراوح بين 2000 و3000 درهم بأثر رجعي، مع إرساء تعديل دوري يرتبط بغلاء المعيشة، ورفع الحد الأدنى للمعاشات ليناسب كلفة العيش
كما شددت على الرفض القاطع لأي إصلاح مقياسي تراجعي يعتمد على رفع سن التقاعد أو زيادة الاقتطاعات أو تقليص حقوق المكتسبين
Des pensions de misère
ويعجبني هنا مقال جميل جاء على شكل تدوينة فايسبوكية للإطار الأمني السابق الأستاذ سامرالغزالي تحت عنوان: تجميد معاشات المتقاعدين من تاريخ الإحالة على التقاعد إلى الوفاة… هل ينسجم ذلك مع العدالة والدستور؟ معاشات التين الشوكي،قال فيه : قد يتقبل الإنسان أن يتقاعد بعد عقود من الخدمة، وقد يرضى بأن تنخفض مداخيله مقارنة بفترة العمل، لكنه يصعب عليه أن يفهم كيف يبقى معاشه جامداً لعشرين أو ثلاثين سنة، بينما تتغير الحياة من حوله كل يوم، وتقفز الأسعار من عام إلى آخر، وتتضاعف تكاليف العلاج والغذاء والسكن، حتى يصبح معاش الأمس عاجزاً عن تلبية حاجات اليوم
إن السؤال الذي يفرض نفسه ليس سؤالاً عاطفياً، بل هو سؤال قانوني ودستوري واجتماعي:
هل يجوز أن يبقى معاش المتقاعد ثابتاً، بينما تتغير القيمة الحقيقية للنقود باستمرار؟
المعاش ليس هبة تمنحها الدولة متى شاءت، ولا صدقة يتفضل بها أحد على المتقاعد. إنه حق مالي نشأ عن سنوات من العمل، وعن اقتطاعات شهرية من الأجر، وعن مساهمة الموظف والدولة في نظام التقاعد. ولذلك، فإن هذا الحق لا يقاس بقيمته الاسمية المكتوبة في كشف المعاش، بل بقيمته الشرائية الحقيقية
فما معنى أن يتقاضى متقاعد سنة 1995 معاشاً قدره ثلاثة آلاف درهم، ثم يبقى المبلغ نفسه بعد ثلاثين سنة، في حين أن أسعار المواد الأساسية والدواء والكهرباء والماء والإيجار ارتفعت مرات عديدة؟
هل الثلاثة آلاف درهم اليوم هي نفسها ثلاثة آلاف درهم قبل ثلاثين سنة؟
الجواب الاقتصادي واضح: لا.القيمة الاسمية بقيت كما هي، أما القيمة الحقيقية فقد تآكلت بفعل التضخم
ومن هنا يبرز سؤال آخر أكثر عمقاً:إذا كانت الدولة تراجع أجور الموظفين بسبب ارتفاع كلفة المعيشة، فلماذا لا يصبح تعديل معاشات المتقاعدين قاعدة منتظمة تحفظ قدرتها الشرائية؟
أليس المتقاعد مواطناً مثل غيره؟أليست حاجته إلى العلاج والدواء أكبر من حاجة الموظف الشاب؟
أليست شيخوخته مرحلة تستوجب حماية اجتماعية أقوى لا أضعف؟
إن أغلب الدساتير الحديثة، ومن بينها الدستور المغربي، تجعل من الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والتضامن مبادئ أساسية. كما أن الحق في الحماية الاجتماعية أصبح من الحقوق التي تحرص الدول على تطويرها
ولا يختلف اثنان على أن المعاش الذي يفقد قيمته الشرائية سنة بعد أخرى يطرح تساؤلات جدية حول مدى تحقيق هذه المبادئ على أرض الواقع.ولننظر إلى الأمر من زاوية أخرى
إذا ارتفع سعر الخبز، واللحم، والخضر، والدواء، والكهرباء، والماء، والنقل، والإيجار، بنسبة كبيرة خلال عشرين أو ثلاثين سنة، بينما ظل معاش المتقاعد على حاله، فمن الذي يتحمل الفرق؟ ألم. تكن. متلا. أن تأكل. عشرة. كرموسة. الهندية. بدرهم. واحد. والآن. بخمسون. درهم ؟؟؟؟؟إنه المتقاعد نفسه.أي أنه هو وحده من يدفع ثمن التضخم، رغم أنه لم يعد يملك وسيلة لتعويض دخله أو زيادة موارده
وهل يعقل أن يقضي رجل أمن، أو معلم، أو ممرض، أو قاض، أو موظف إداري أربعين سنة في خدمة الدولة، ثم يجد نفسه بعد التقاعد عاجزاً عن مواجهة غلاء المعيشة؟
وهل هذه هي الرسالة التي تريد الدولة أن تبعث بها إلى الأجيال الجديدة التي تلتحق بالوظيفة العمومية؟
إن الدول لا تُقاس فقط بطريقة تعاملها مع موظفيها أثناء الخدمة، وإنما أيضاً بطريقة تعاملها معهم بعد انتهاء خدمتهم
فالمتقاعد لم يفقد صفته كمواطن، ولم تتوقف حقوقه بمجرد انتهاء مهامه الوظيفية
إنه لا يزال جزءاً من المجتمع، ولا يزال من حقه أن يعيش حياة تحفظ كرامته
وقد أثبتت التجارب المقارنة في عدد من الدول أن أنظمة التقاعد تلجأ إلى آليات مختلفة للحفاظ على القوة الشرائية للمعاشات، مثل المراجعة الدورية أو الربط الجزئي بمؤشرات التضخم أو بكلفة المعيشة، وذلك حتى لا يتحول التضخم مع مرور السنوات إلى اقتطاع غير مباشر من قيمة المعاش
ولا يعني هذا أن لكل دولة النظام نفسه، لكنه يبرز أن الحفاظ على القدرة الشرائية للمتقاعدين أصبح محوراً أساسياً في النقاشات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية
إن مطلب مراجعة المعاشات لا ينبغي أن يُفهم باعتباره امتيازاً لفئة دون أخرى، بل باعتباره جزءاً من النقاش حول العدالة بين الأجيال، وحول الوفاء لمن أفنوا أعمارهم في خدمة المرافق العامة
ولعل السؤال الذي يحتاج إلى جواب من صناع القرار هو:
هل من العدل أن يبقى معاش المتقاعد مجمداً من أول يوم في تقاعده إلى آخر يوم في حياته، بينما لا يتوقف التضخم عن تقليص قيمته الشرائية؟
وهل تتحقق الكرامة الإنسانية عندما يجد متقاعد أفنى شبابه في خدمة الوطن نفسه مضطراً إلى الاختيار بين شراء الدواء أو شراء حاجات أسرته الأساسية؟
إن إثارة هذه الأسئلة ليست مواجهة مع الدولة، ولا تشكيكاً في مؤسساتها، وإنما هي دعوة إلى فتح نقاش وطني هادئ ومسؤول حول مستقبل المتقاعدين، وحول كيفية تحقيق التوازن بين استدامة صناديق التقاعد من جهة، وضمان عيش كريم لمن خدموا الوطن من جهة أخرى
فالوفاء لا يكون بالخطب وحدها، بل بالسياسات العمومية التي تجعل المتقاعد يشعر بأن سنوات عطائه لم تُنس، وأن الدولة التي خدمها لا تزال ترى فيه مواطناً كاملاً في الحقوق والكرامة
إن تجميد المعاش قد يجمد الرقم، لكنه لا يستطيع أن يجمد الأسعار، ولا أن يوقف التضخم، ولا أن يوقف الزمن. ولذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل آن الأوان لإعادة النظر في فلسفة معاشات التقاعد، بما يحقق العدالة ويحفظ كرامة الإنسان بعد نهاية الخدمة
يقول المستر الذكاء الاصطناعي إن التوزيع العادل للثروات والمنافع هو أساس استقرار المجتمعات وعمرانها، وقد عبر عن أهميته كبار الفلاسفة والمفكرين مثل جون رولز وابن خلدون
أقوال الحكماء والفلاسفة
جون رولز: «يجب توزيع المنافع والأعباء في المجتمع بطريقة تعطي الأولوية لأقل الأفراد حظًا»، معتبراً أن العدالة هي عين الإنصاف.
ابن خلدون: «العدل أساس العمران والظلم خراب العمران»، حيث يتبين أن غياب التوزيع العادل للموارد يعد ضرباً من الظلم المؤدي لانهيار الدول
الإمام علي بن أبي طالب: «العدل يضع الأمور مواضعها، وهو السائس العام وقوام الرعية».
عبدالفتاح المنطري
اترك تعليقاً