وجهة نظر

خطبة تسديد التبليغ والمواطنة الحقة.. “وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنه”

خطبة تسديد التبليغ والمواطنة الحقة.. “وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنه”

حكى لي أحد الأصدقاء ذات مرة نكتة على سبيل التذكير والعبرة، فقال: خطب أحد الفقهاء ذات يوم في المصلين، حاثًّا إياهم على الإنفاق والصدقة، مستدلًّا بقول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ”.

كان صوته جهوريًّا، وكانت كلماته قوية نافذة، حتى إن زوجته، التي كانت تعد له طعام الغداء في البيت، كانت أول المتأثرين بخطابه.

كانت قد أعدت قصعة من الكسكس، وجهزت ما يلزمها، تنتظر عودة الفقيه من الصلاة، لكن، وبينما هي منهمكة في إعداد الطعام، مرّ صوت متسول أمام البيت، يستنجد بأهل الخير ويطلب الصدقة.

فما كان منها إلا أن تذكرت خطبة زوجها، وتأثرت بما سمعته منه عن فضل الإنفاق، فأخرجت قصعة الكسكس ومرفقاتها، ونادت على بعض المساكين الذين كانوا يتحلقون قرب باب المسجد، فتشاركوا جميعًا في تلك الوليمة الشهية.

أما الفقيه، فأكمل خطبته، وعاد إلى مسكنه ينتظر قصعة الكسكس التي اعتاد أن يجدها في انتظاره، وما إن دخل حتى بادرتْه زوجته قائلة: تقبّل الله منك صدقتك، وجزاك الله خيرًا على ما حثثت عليه من النفقة والصدقة، وقد شاركتك الأجر امتثالا لقول رسول الله ﷺ: “إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئًا”.

نظر إليها الرجل وقد بدت عليه علامات المفاجأة، ثم قال لها ما معناه: وهل سمعتِني أقول: أنفقوا مما في بيتي؟!، ثم أردف: أنا كنت أخاطب الناس، أما أنا فمن المساكين الذين يستحقون الصدقة!.

هنا تنتهي الحكاية الطريفة، وتبدأ حكاية أخرى، أقل طرافة وأكثر جدية، عنوانها: المواطنة الحقة، وخطة “تسديد التبليغ”.

لقد جاءت الخطة، بحسب الخطاب الرسمي المعلن عنها، في إطار إصلاح الشأن الديني، وتجديد أساليب التبليغ، والانتقال بالدين من مجرد المعرفة والموعظة إلى أثر عملي في حياة الناس وسلوكهم، وهي غاية لا يمكن الاختلاف حول أهميتها.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف نريد أن ننجح في هذا المشروع؟ هل يكفي أن نكتب للخطيب ما ينبغي أن يقوله، ونطلب من المواطن ما ينبغي أن يفعله؟، أم أن التربية الدينية الناجحة تبدأ قبل ذلك من تقديم القدوة، وربط الخطاب بالممارسة، وجعل المواطن يشعر أن ما يطلب منه هو نفسه ما يلتزم به من يخاطبه؟

وهنا أتذكر حادثة عظيمة من السيرة النبوية، وقعت في صلح الحديبية، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن ينحروا هديهم ويحلقوا، فقال: “يا أيها الناس، انحروا واحلقوا”. فما قام أحد، ثم عاد فأمرهم، فما قام أحد، ثم عاد ثالثة، فما قام رجل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة رضي الله عنها، وشكا إليها ما رأى من أصحابه، فأشارت عليه ألا يعاتبهم، وأن يبدأ بنفسه، فينحر هديه ويحلق.

فخرج رسول الله ﷺ، ولم يكلم أحدًا، حتى أتى هديه فنحره، وحلق رأسه، فلما رأى الناس ذلك قاموا ينحرون ويحلقون، ما الذي حدث هنا؟، لم تتغير الكلمات، الذي تغير هو المثال.

لم يحتج الأمر إلى خطبة ثانية أو رابعة، وإنما احتاج إلى أن يرى الناس الفعل أمامهم، وهذا من أعظم دروس التربية النبوية، فالقدوة أبلغ من الأمر، والممارسة أصدق من الخطاب.

ولعل في هذه الحادثة درسًا مهمًا لكل من يريد اليوم أن يربي الناس على المواطنة الصالحة، فلا يمكنك، أيها المسؤول، أن تطلب من المواطن التضحية من أجل الوطن، ثم لا يرى في المقابل عدلًا في توزيع الفرص، ولا وضوحًا في تدبير المال العام، ولا تكافؤًا في تحمل الأعباء.

ولا يمكنك أن تطلب منه الصبر على الأزمات وارتفاع الأسعار، ثم يشعر أن أصحاب القرار يعيشون في عالم آخر بعيد عن يومياته ومعاناته.

ولا يمكنك أن تطلب منه أن يثق في المؤسسات، ثم يظل يرى أمامه صورًا عن تضارب المصالح، أو يسمع عن امتيازات أو صفقات أو استفادات مرتبطة بمواقع النفوذ، من دون أن يجد تفسيرًا مقنعًا أو إحساسًا واضحًا بالمساواة.

ولا يمكنك أن تطلب من شاب في مقتبل العمر أن يؤمن بأن الوطن هو مستقبله، بينما يرى بأم عينيه تفاوتًا صارخًا في الفرص، ويشاهد بعض أبناء النخبة يصعدون بسرعة عبر شبكة من العلاقات والمواقع، في الوقت الذي يجد فيه هو نفسه أبوابًا كثيرة مغلقة.

المواطنة تُبنى بالثقة، والثقة تُبنى بالقدوة، والقدوة تبدأ من الأعلى قبل الأسفل، ولذلك فإن الحديث عن المواطنة في المسجد ينبغي أن يكون حديثًا متوازنًا، لا يطلب من المواطن واجباته فقط، وإنما يذكّره أيضًا بأن العدل والأمانة وحفظ الحقوق والمسؤولية قيم دينية تشمل الجميع.

فالقرآن يقول: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ”، ويقول سبحانه: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ”، ويقول: “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى”.

هذه ليست شعارات سياسية، إنها صميم الدين، والنبي صلى الله عليه وسلم حين قال: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”، لم يجعل المسؤولية عبئًا على المواطن وحده، بل جعلها موزعة بين الجميع، فالحاكم مسؤول، والموظف مسؤول، والأب مسؤول، والمعلم مسؤول، والمواطن مسؤول، وكل إنسان مسؤول عن موقعه وما استُرعي عليه.

ومن هنا، فإن بناء المواطن الصالح لا يكون فقط بتذكيره بالطاعة والانضباط، وإنما ببناء الإنسان الذي يفهم معنى الأمانة والعدل والمسؤولية، إن المواطن الذي يخاف الله، ويتجنب الظلم، ويرفض الغش، ويحفظ الأمانة، ويحترم القانون، ويحفظ حقوق الآخرين، لن يحتاج إلى عشرات الخطب التي تطالبه كل أسبوع بأن يكون صالحًا، لقد أصبح صالحًا بالفعل.

وهذا، في تقديري، هو جوهر التربية التي يمكن أن تجعل من المسجد مؤسسة حقيقية لصناعة المواطنة.

لا أن يتحول المنبر إلى منصة سياسية، ولا إلى أداة لتعبئة الناس في اتجاه واحد، وإنما إلى فضاء يذكّر الجميع بأن وراء السلطة مسؤولية، ووراء المال أمانة، ووراء القانون عدلًا، ووراء الإنسان حسابًا.

السيد المسؤول (أيًّا كنت)،،

إذا أردت من المواطن أن يرى الوطن بيتًا له، عليك أولًا أن تقنعه بأنه ليس مجرد مستأجر فيه.

أخشى عليك أن يحق فيك قول الله تعالى: “وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *