المغرب والأمم المتحدة يطلقان تحركا دوليا مشتركا لمواجهة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح الديني
نظم مكتب الأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية والمسؤولية عن الحماية، بشراكة مع تحالف الأمم المتحدة للحضارات والمملكة المغربية، مؤتمرا عالميا رفيع المستوى حول تعزيز الحوار والتسامح بين الأديان والثقافات في مواجهة خطاب الكراهية، وهو الحدث الذي شهد مشاركة واسعة لممثلي الحكومات والمنظمات الإقليمية والدولية والقادة الدينيين والأكاديميين وممثلي المجتمع المدني، إلى جانب حضور وازن لممثلين عن المجتمعات اليهودية والمسيحية والمسلمة والهندوسية.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في تدخله خلال هذه التظاهرة الدولية التي نظمت الخميس 17 شتنبر 2026، إن جدول أعمال المؤتمر يعكس التزاما راسخا منصوصا عليه في العبارات الاستهلالية لميثاق الأمم المتحدة، والذي يتمثل في أن تقوم شعوب الأمم المتحدة بممارسة التسامح والعيش معا في سلام وحسن جوار.
وأضاف المسؤول الأممي الأول أن الأمم المتحدة واصلت، على مدى ثمانية عقود، العمل بجد وإصرار للوفاء بهذا التعهد التاريخي، مشيرا إلى أن مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح والحوار يظلان جزءا أساسيا من الجهود الرامية إلى بناء مجتمعات أكثر تماسكا وسلاما في مختلف بقاع العالم.
وحذر المتحدث ذاته من أن آفة الكراهية، التي تتجلى في أشكال عديدة من بينها العنصرية وكراهية النساء والأجانب، ومعاداة السامية وكراهية المسلمين والتمييز ضد الأقليات المسيحية وكراهية الجماعات الدينية والعرقية الأخرى، باتت تجد مسارات جديدة وتستغل تقنيات حديثة كسلاح، بدءا من المنصات الرقمية والخوارزميات ووصولا إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأوضح المصدر نفسه أن خطاب الكراهية في أسوأ أشكاله يحرض على العنف ويغذي الصراعات ويساهم في ارتكاب الفظائع، بما في ذلك الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتطهير العرقي، داعيا جميع الأطراف الفاعلة إلى رفع صوتها الجماعي لرفض الكراهية ومناهضتها، مع مضاعفة الجهود للتصدي لهذا الخطاب سواء على شبكة الإنترنت أو خارجها، وذلك من خلال معالجة أسبابه الجذرية والعوامل الدافعة له وتداعياته، وتكثيف الحوار بين الأمم والثقافات والأديان.
وأكد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، من جانبه، أن مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح بين الأديان والثقافات يتطلبان عملا متواصلا وسياسات مندمجة تقوم على الإنصاف والمشاركة وتكافؤ الفرص، مشددا على أن صون الكرامة الإنسانية يمثل أساسا متينا لتحقيق الأمن والاستقرار.
وأشار الوزير المغربي إلى أن المبادرة المغربية لعقد هذا المؤتمر تأتي تجسيدا لروح الرسالة الملكية التي وجهها الملك محمد السادس إلى المشاركين في الدورة التاسعة للمنتدى العالمي لتحالف الحضارات التي احتضنتها مدينة فاس يوم 22 نونبر 2022، مبرزا أن الواقع يعيد باستمرار قضية خطاب الكراهية إلى صدارة الاهتمام، ومستشهدا في هذا السياق بأشكال واقعية من التمييز يتعرض لها أفراد بسبب دينهم أو لون بشرتهم أو أصولهم، كإجبار مسلمة على خلع حجابها تحت التهديد، أو اضطرار يهودي إلى نزع قلنسوته خشية الاعتداء، أو استهداف لاعب رياضي بسبب لون بشرته، أو إخفاء مهاجر لاسمه تفاديا للتمييز.
وتابع الدبلوماسي المغربي تدخله بالتأكيد على أن التسامح ينبغي أن يتحول إلى ممارسة يومية تشمل المدرسة والشارع والملاعب والمطارات والفضاء الرقمي، موضحا أن مكافحة الكراهية تتطلب شجاعة في الخطاب، وعدلا في السياسات، وعملا متواصلا لمعالجة أسباب التهميش واستعادة الثقة المفقودة بين الإنسان ومجتمعه ومؤسساته.
ودعا وكيل الأمين العام والممثل السامي لتحالف الأمم المتحدة للحضارات، ميغيل أنخيل موراتينوس، إلى ضرورة تعزيز التعاون المشترك بين المجتمعات الدينية والمؤسسات لمواجهة الكراهية والاستقطاب والتمييز، معربا عن ترحيبه بمشاركة ممثلين عن المجتمعات اليهودية والمسيحية والمسلمة والهندوسية، ومبرزا أن هذه المشاركة تبعث رسالة قوية مفادها أن بإمكان الناس من مختلف الديانات العمل معا دفاعا عن الكرامة الإنسانية والاحترام المتبادل في وقت تهدد فيه الكراهية التماسك الاجتماعي.
وكشف موراتينوس، بصفته المبعوث الخاص للأمم المتحدة لمكافحة الإسلاموفوبيا، أنه يولي أهمية بالغة للتواصل مع المجتمعات المسلمة والتعاون للتصدي للتحيز والتمييز المناهضين للمسلمين، معلنا أن العمل جار لوضع اللمسات الأخيرة على خطة عمل للأمم المتحدة في هذا الشأن، كما سلط الضوء على المخاوف المتعلقة بمعاداة السامية، مشيرا إلى إطلاق خطة عمل أممية سنة 2025 لتعزيز رصد هذه الظاهرة والاستجابة لها، ومؤكدا أن المؤتمر يجب أن يكون حافزا للعمل وإطلاق إجراءات عملية وليس مجرد منبر للتفكير والنقاش.
وحذر المستشار الخاص للأمين العام لمنع الإبادة، شالوكا بياني، خلال تفاعله مع مجريات اللقاء، من أن خطاب الكراهية ينتشر اليوم بسرعة أكبر من أي وقت مضى مدفوعا بالتطور السريع للتكنولوجيا، مشيرا إلى أن إساءة استخدام هذه الإمكانيات التقنية يمكن أن تسبب ضررا هائلا لا يمكن إصلاحه، ومحذرا في الوقت نفسه من التأثير السلبي للذكاء الاصطناعي على الكرامة الإنسانية وقدرة الكلمات على تعميق الانقسامات والمساهمة في جرائم دولية خطيرة.
واستحضر المسؤول الأممي ذاته أمثلة تاريخية قاسية تشمل محرقة اليهود، والإبادة الجماعية ضد التوتسي في رواندا سنة 1994، والإبادة في سريبرينتسا سنة 1995، موضحا أن استراتيجية الأمم المتحدة وخطة عملها بشأن خطاب الكراهية تقدمان توصيات هامة، ومشددا على أن الحوار بين الأديان والثقافات يمكن أن يظهر قوة الوحدة في الإنسانية، وأن المؤتمر يمثل نقطة انطلاق لبناء تحالفات أقوى من أجل الوصول إلى عالم خال من التحريض.
وناشد رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، خليل الرحمن، المجتمع الدولي لتعزيز الجهود العالمية لمواجهة التعصب، مشيدا بالدور المحوري للمغرب في الدفع نحو اعتماد قرارات للجمعية العامة أقرت بأن الحوار بين الأديان يمثل أداة رئيسية لتعزيز التماسك الاجتماعي والسلام والتنمية، ومؤكدا أن خطاب الكراهية يمثل اعتداء مباشرا على الكرامة الإنسانية والمساواة والقيم التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة لكونه يغذي التمييز والإقصاء.
وختم المتحدث ذاته تدخله بالإشارة إلى الانتشار المتسارع للسرديات القائمة على الكراهية عبر التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، موضحا أن خطاب الكراهية ينمو غالبا من الخوف والجهل وانعدام التواصل، وداعيا إلى الاستثمار الجاد في التعليم ومحو الأمية الإعلامية والمعلوماتية، وتمكين الشباب، وتوحيد جهود الحكومات وشركات التكنولوجيا والمجتمع المدني لاختيار الحوار بدلا من الانقسام، والاحترام بدلا من الازدراء، والتضامن بدلا من الكراهية.
اترك تعليقاً