اقتصاد

الورديغي لـ”العمق”: المقاولات الصغرى تختنق ونطالب بإصلاح التمويل و”كوطا” للنساء المقاولات

تشكل المقاولات الصغرى والصغيرة جداً العصب الحيوي للنسيج الاقتصادي المغربي، غير أنها تجد نفسها باستمرار أمام عوائق هيكلية حادة تحول دون تحولها إلى رافعة فعلية للتنمية المستدامة، إذ تجتمع الإكراهات الداخلية الذاتية مع الأزمات المنهجية المتمثلة في صعوبة التمويل، وتأخر المستحقات المالية، وضعف الولوج إلى الطلبيات العمومية.

وفي حوار خاص مع جريدة “العمق”، أكد رشيد الورديغي، رئيس الشبكة المغربية لهيئات المقاولات الصغرى، أنها “بادرت عشية الاستحقاقات الانتخابية إلى صياغة مذكرة ترافعية تتضمن خارطة طريق متكاملة لنقل المقاولة الصغرى المغربية من وضعية الهشاشة إلى الاستدامة الفعلية”، كما عقدت لقاءات مباشرة مع كافة الفرقاء السياسيين، من أغلبية ومعارضة، لمناقشة مجموعة من القضايا المستعجلة.

وتأتي على رأس هذه المطالب، بحسبه، قضايا رئيسية تمس هيكلة الإطار القانوني الخاص بالمقاولات الصغرى، وتبسيط المساطر الإدارية، وإصلاح منظومة التمويل، ومراجعة المنظومة الجبائية، وتفعيل حصة المقاولات الصغرى من الصفقات العمومية، إضافة إلى إحداث مرصد وطني للمقاولات الصغرى يوفر بيانات ومؤشرات قياس دقيقة.

الصفقات العمومية… فجوة تنظيمية

وقال رشيد الورديغي إن الإنفاق العمومي للدولة والجماعات الترابية يشكل “محركاً حقيقياً للرواج الاقتصادي وأنشطة المقاولات بالمغرب، وهذا بالضبط ما أدرجناه ضمن مطالبنا بالمذكرة الترافعية التي نشرناها، مطالبين بتعزيز العدالة المجالية والاقتصادية عبر التفعيل الحقيقي لنسبة من الصفقات العمومية لفائدة المقاولات الصغرى”.

وأوضح الورديغي في حديثه لـ”جريدة العمق” أن الوقائع تبرز حدوداً فاصلة بين “القاعدة القانونية” و”تنفيذها ميدانياً”، حيث لا تزال المقاولات الصغرى تصطدم بمعايير ومساطر معقدة تصعب عليها المنافسة الفعلية، وتبقى نسبة استفادتها الحقيقية، بحسبه، غير معروفة بدقة كافية للرأي العام، في ظل غياب مؤشرات موثوقة وشفافة.

نزيف الإفلاس وغياب التمييز في السياسات

وكشف الورديغي عن واقع مالي مقلق يعصف بهذا القطاع، مشيراً إلى أن الأرقام التي تتوفر عليها الهيئة “مقلقة فعلاً”، مضيفاً أن آلاف المقاولات تفلس سنوياً، وأن أكثر من نصف المقاولات الناشئة لا تتجاوز عامها الخامس، بحسبه.

وأضاف موضحاً أن “هذا الواقع يفسر لماذا وضعنا إصلاح منظومة التمويل والمواكبة، إضافة إلى ضرورة حل مشكل التأخر في آجال الأداء، في صدارة مطالبنا”.

وأردف المتحدث ذاته: “للأسف الشديد نقولها بمرارة… أغلبية السياسات الحالية صممت دون تمييز كاف بين مقاولة صغرى هشة ومقاولة راسخة، وهو ما نطالب بمراجعته عبر ابتكار حلول تمويل ومواكبة مالية موجهة مباشرة”.

ومع تصاعد الخطابات الحزبية وتنافس التشكيلات السياسية بوعود إنعاش التشغيل ودعم الاستثمار، شدد الورديغي على أن أي نقاش حول تفعيل هذه الحصة أو تلك يجب أن يبنى على معطيات دقيقة، وليس على تصريحات فضفاضة ومتضاربة. وأكد أن مسؤولية كل حزب تكمن في مدى قدرته على تحويل التصريحات الشفهية والعناوين العريضة إلى التزامات محددة قابلة للتقييم والقياس.

المقاولة النسائية… مطالب بالتثبيت المؤسساتي والكوطا

وفيما يخص واقع المرأة المقاولة، نبه رئيس الشبكة إلى أن إكراهاتها تتضاعف بفعل القيود الثقافية وما يطالها من تهميش أو تغييب داخل الهيئات العمومية.

ولتجاوز هذا المعطى، أكدت الشبكة المغربية لهيئات المقاولات الصغرى أن الحضور المؤسساتي الفعلي هو شرط أساسي لمعالجة هذه الإكراهات، عبر مراجعة القانون الانتخابي لمجلس المستشارين والغرف المهنية، واعتماد “كوطا” مخصصة للنساء المقاولات، مؤكدة أن أي تدابير تحفيزية تظل معزولة ومحدودة الأثر ما دامت لا تقترن بتمثيلية حقيقية ولا تراعي خصوصية المرأة المقاولة.

وفي هذا الصدد، دعت الهيئة إلى ربط هذا المطلب المؤسساتي بتفعيل حقيقي لمساطر التكوين والمواكبة، وإحداث خطوط تمويل بشروط ملائمة تستفيد منها المرأة المقاولة.

فجوة رقمية… وزمن تنموي ضائع

وفي ملف التحول الرقمي، أشاد الورديغي باستراتيجية المغرب الرقمي 2030 التي حظيت بميزانيات معتبرة، وبالدينامية الإيجابية التي يعرفها المغرب في مجال الرقمنة. غير أن “الفجوة بين المقاولات الكبرى والصغرى في الولوج الفعلي لهذه الأدوات تظل واضحة للعيان”، على حد قوله.

وأوضح المتحدث ذاته أن الهيئة قد طالبت الأحزاب السياسية التي ترغب في تصدر المشهد السياسي بتوفير آليات خاصة بالمقاولات الصغرى في المواكبة والتكوين والتمويل، خاصة أن الهيئة تضع التحول الرقمي والابتكار ضمن أولوياتها في استشراف المستقبل.

وقد أعلنت الهيئة في وقت سابق استعدادها للتعاون على نفس المسافة مع الفاعلين السياسيين للنهوض بأوضاع المقاولات الصغرى بالمغرب، كل من موقعه وحسب اختصاصه.

واختتم الورديغي بالتأكيد على أن التعاطي مع هذا الملف هو “مسؤولية وطنية مشتركة”، معتبراً أن أي “استراتيجية اقتصادية لا تضع المقاولة الصغرى في صميم التنمية والسلم الاجتماعي هي بمثابة تبديد للجهد والمال العمومي وإضاعة للزمن التنموي بالمغرب”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *