لقجع من التكنوقراط إلى السياسة.. هل يمارس “مهندس الميزانية” معارضة الأمتار الأخيرة؟
مع اقتراب الولاية الحكومية من نهايتها، ودخول المشهد السياسي المغربي مرحلة العد العكسي لاقتراع الـ23 من شتنبر الجاري، تبرز تحركات وتصريحات فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية الملتحق حديثا بحزب الأصالة والمعاصرة، باعتبارها واحدة من النقاط التي تستأثر باهتمام المتابعين للشأن السياسي.
غير أن ما يثير انتباه المتابعين للشأن السياسي اليوم ليس فقط التحاق لقجع بصفوف “البام”، بل تبنيه لخطاب نُظر إليه في الأوساط السياسية وكأنه ممارسة للمعارضة من قلب الجهاز الحكومي الذي كان ولا زال أحد الأرقام الصعبة فيه، عبر التلويح بنقد الاختلالات والأعطاب التي تواجه تنزيل المشاريع التنموية بالجهات والأقاليم.
ويأتي ذلك في سياق سياسي خاص بالنسبة إلى لقجع، الذي ظل لسنوات مرتبطا بصورة المسؤول التقني والتكنوقراطي، قبل أن يعزز حضوره السياسي بانضمامه إلى حزب الأصالة والمعاصرة، في خطوة فتحت أمامه مسارا جديدا داخل الحقل الحزبي والسياسي.
غير أن اللافت في المرحلة الأخيرة لا يرتبط فقط بالانتماء الحزبي للوزير، وإنما أيضا بطبيعة الخطاب الذي بات يعتمده في تناوله عددا من الإشكالات المرتبطة بالتنمية وتدبير المشاريع العمومية، وهو خطاب اعتبره بعض المتابعين أقرب إلى ممارسة نوع من “النقد من داخل الأغلبية”، بما يطرح تساؤلات حول حدود الأدوار السياسية والتقنية التي يجمعها الرجل.
وفي هذا السياق، قال مصدر مطلع من داخل مكونات الأغلبية الحكومية، فضل عدم الكشف عن هويته، إن بعض التحركات والتصريحات الأخيرة لوزير الميزانية أثارت نوعا من الاستغراب والعتاب داخل التحالف الحكومي.
وأوضح المصدر أن الحديث عن التعثرات التنموية والإكراهات التي تواجه تنفيذ عدد من المشاريع، بنبرة توحي بموقع نقدي، يطرح تساؤلات بالنظر إلى موقع لقجع داخل المنظومة الحكومية، باعتباره المسؤول عن قطاع الميزانية وأحد أبرز الفاعلين في تدبير الموارد المالية المخصصة لقطاعات حيوية، من بينها الصحة والتعليم والتجهيز والشغل والسياحة.
وأضاف المصدر أن الوزير كان، بحكم موقعه، على اطلاع على مختلف الإكراهات المالية التي رافقت تنفيذ السياسات العمومية خلال السنوات الماضية، وعلى حجم الاعتمادات والبرامج والإصلاحات التي اعتمدتها الحكومة لمعالجة عدد من الاختلالات البنيوية.
ويرى المصدر نفسه أن هذا المعطى يفرض، من وجهة نظره، نقاشا حول طبيعة الخطاب السياسي المعتمد في هذه المرحلة، وما إذا كان انتقاد بعض جوانب الحصيلة الحكومية يندرج في إطار ممارسة سياسية عادية من داخل الأغلبية، أم أنه يعكس توجها نحو إعادة تقديم بعض الفاعلين السياسيين بعيدا عن المسؤولية الجماعية للحكومة.
وتفتح مواقف لقجع الأخيرة الباب أمام قراءات متعددة بشأن خلفيات هذا الحضور السياسي المتزايد، خصوصا في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
فمن جهة، يمكن النظر إلى هذا الخطاب باعتباره محاولة لتسليط الضوء على مكامن الخلل والضغط من أجل تسريع تنفيذ المشاريع ومعالجة الاختلالات التي تظهر على مستوى تنزيل السياسات العمومية، وهو أمر يندرج ضمن النقاش السياسي الطبيعي داخل الأغلبية.
ومن جهة أخرى، يرى منتقدون أن الانتقال من موقع المسؤول عن تدبير جزء أساسي من السياسة المالية للحكومة إلى موقع التشخيص النقدي لبعض مظاهر التعثر يفرض توضيح حدود المسؤولية السياسية عن الحصيلة، خاصة أن لقجع كان خلال السنوات الماضية أحد أبرز المسؤولين المشاركين في صناعة القرار المالي.
ويكتسي هذا النقاش أهمية أكبر مع اقتراب الانتخابات، حيث تصبح صورة المسؤول السياسي أمام الناخبين جزءا من معادلة التنافس الحزبي، ويصبح الفصل بين الحصيلة الحكومية والخطاب الانتخابي أكثر صعوبة.
ولا يرتبط الجدل المحيط بلقجع فقط بموقعه الحكومي أو الحزبي، إذ راكم الرجل خلال السنوات الماضية حضورا قويا في المجالين المالي والرياضي، وهو ما منحه رصيدا خاصا داخل المشهد العمومي المغربي.
ففي المجال المالي، ارتبط اسمه بتدبير ملفات الميزانية والمالية العمومية، بينما عزز حضوره على المستوى الوطني من خلال المسؤوليات التي تحملها في قطاع الرياضة، والنتائج التي حققتها كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة.
غير أن الانتقال من موقع المسؤول التقني إلى موقع الفاعل السياسي يفرض، في المقابل، إكراهات مختلفة، أبرزها كيفية التوفيق بين إبراز المبادرات والإنجازات الشخصية وبين مقتضيات المسؤولية الجماعية داخل الحكومة والأغلبية.
وبينما يقرأ البعض التصريحات والمواقف الأخيرة للوزير باعتبارها تعبيرا عن رغبة في الدفع نحو معالجة الاختلالات وتسريع وتيرة الإصلاح، يضعها آخرون في سياق إعادة التموضع السياسي استعدادا لمرحلة انتخابية جديدة.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان لقجع سيتمكن من تحويل رصيده التقني والرياضي إلى حضور سياسي أكثر وضوحا، من دون أن يؤدي ذلك إلى التباس في موقعه داخل الأغلبية الحكومية أو إلى فصل الحصيلة التي شارك في صناعتها عن المسؤولية الجماعية عنها.
اترك تعليقاً