منتدى العمق

الحادث

جاء صبي إلى ورشة المعلم إسماعيل يخبر حسن أن والده بالمستشفى، أغلق باب المحل وانطلق مُسرعاً ، ولما دخل قسم المستعجلات وجد أباه ممدا على كرسي خشبي بقاعة الانتظار الممتلئة بالمرضى وطالبي العلاج ومتوسدا ركبة والدته وهو يتنفس بصعوبة..، توسَل إلى المُمرض لتقديم حالته لأنها مستعجلة لكنه رفض. فكَر في نقله إلى مصحة خاصة لكن إمكانياته محدودة جدا…فقصد صديقه عبد الرحمن ليدبر له مبلغا من المال. ولما هم بطرق الباب سمع والده يصرخ في وجهه ويقول” أنا حر أتزوج وأطلق ..حياتي وأنا حر فيها..” فقام بطرده من البيت، فلما خرج وجد حسن الذي استحيى أن يطلب ما جاء من أجله، لكن عبد الرحمن أخبره انه باع سيارة والده لأنه تزوج على أمه للمرة الرابعة فقرر أن ينتقم منه، والتفت إليه وقال له ما بك يا حسن أراك على غير عادتك..!؟، فحكا له ظروفه فاخرج عبد الرحمن مبلغا من المال من بين جواربه وساقه، فشكره وعاد إلى المستشفى، لكن صدمته كانت كبيرة عندما علم أن والده قد مات، فأصيب بنوبة هستيرية وصار يلعن و يسب الأطباء والممرضين… ويكسر كل ما يصادفه من الأشياء أمامه…وقرر أن ينتقم من الأطباء الذين تسببوا في وفاة والده.

لما تعب والده ورقد في البيت، كان حسن يعتمد على صبيان المحل لأنه لم يعلمه صنعة الميكانيك…شعر بأن الزبناء قد قل ترددهم ووقع في حرج وضيق… وافقه صديقه على الفكرة وبدئوا يسرقون سيارات الأطباء ويعتمدون في تصريفها على المعلم ميلود تاجر المتلاشيات و المُرابي ومُخْفي المسْرُوقات، في أول الأمر كانوا يفاوضونه على الثمن لكنه لم يكن ليتنازل عن المبلغ الذي يحدده “لأنه يشتري منهم تهمة..!؟ كما كان يقول لهم…حيث يقوم بتفكيك السيارات المسروقة ويعيد بيعها في السوق قطعا لمن يطلبها حتى لا ينكشف أمره. ” استمروا في مخططهم، عملية تلو أخرى حتى جرى المال بين أيديهم فأصبحوا في بحبوحة من العيش واشتروا بيتا وأثاثا وسيارة ..و.. وعندما تسأل أمه – أي حسن – عن حالتهما الميسورة كانوا يقولون لها بأنهم يشتغلون إلى جانب الورشة…في التجارة التي تُدرٌ عليهم أرباحا كبيرة.

كانت الصحافة ووسائل الإعلام تتناول موضوع هذه السرقات الغامضة و عدم توصل أجهزة الأمن لفك لغزها ..ووضع اليد على الجناة… !
إلى أن جاء اليوم الذي طلب منهم المعلم ميلود نوعا معينا من السيارات، فبدئوا في البحث عنها من خلال رصدهم المتواصل للسيارات من هذا النوع حتى عثروا عليها وبها علامة طبيب، حيث نزل السائق وفتح الباب الخلفي لسيدة تبين أنها طبيبة صاحبة السيارة والتي طلبت منه أن يُحْضِر
إليها بعض الضُيوف في المساء. واتفقا على أن يعودا ليلا.

وجاء وقت التنفيذ، وكالعادة يقوم عبد الرحمن بفتح باب السيارة بطريقة احترافية وجلس حسن بمقعد السائق وأدار المحرك وانطلق وصاحبه يسير وراءه بسيارته. وفجأة لاحظ عبد الرحمن أن السيارة تتمايل يمينا و شِمالا وظن أنه أصابها عطب، لكن رأى أن شخصا يسقط منها وبعد أمتار قليلة توقف حسن و ركن السيارة وترجل منها وركب مع عبد الرحمن وانطلقا بسرعة، فسأله ما الذي حصل ؟ قال حسن كان بالسيارة رجل يبدو أنه من شاهدناه مع الطبيبة في النهار وهو السائق كان ينام داخلها ففوجئت به يمسك بالمقود ويصيح توقف توقف…ارتبكت من الخوف وفتحت الباب ودفعته بقوة….قال عبد الرحمن هو وما كُتب له…! لا لا قال حسن يجب على الأقل استدعاء الإسعاف وكذلك كان.

كانا يتابعان أخبار الحادث من خلال الجرائد والفاعل لازال مجهولا الشيء الذي يجعلهم مطمئنين. بالمقهى/المطعم الذي كانا يترددان عليه كان عبد الرحمن قد تعرف على ثريا، فتاة تشتغل نادلة هناك، وبواسطتها تعرف حسن على ياسمين صديقتها التي تعمل أحيانا معها وهي طالبة في الجامعة تساعد أسرتها لأن والدها مريض ولا يستطيع العمل.حصل استلطاف بينهما وأعجب بها حسن لأنه وجدها جميلة ومهذبة و توطدت العلاقة بينهما. كان حسن متأثرا بالحادث أيما تأثر وصورة الضحية لا تفارقه، إلى درجة أنه قرر أن يتوقف عن نشاطه مع عبد الرحمن الذي لم يكن متحمسا بل يطلب منه أن يتريث وسيأخذان القرار معا بعد عمليتين اثنتين. لكن حسن كان مصمما بعدما فكر في الارتباط بياسمين لأنها في نظرة الفتاة التي كان يبحث عنها.

ذات يوم جاءت ياسمين لتأخذ طلبات بعض الزبناء في المطعم فقام أحدهم يتحرش بها وما كان منها إلا صفعته وطردهم صاحب المحل صونا لكرامتها وحفاظا على سمعة المطعم.

وذات مساء تأخرت ياسمين في العمل، وخرجت معها ثريا للبحث عن وسيلة نقل إلى منزلها، فشاهدتا طاكسي يقترب بعدما لوحتا له، ركبت ياسمين في الكرسي الخلفي وإذا بشخص ينقضٌ عليها وانطلقت السيارة بسرعة وثريا تصيح بأعلى صوتها وتستنجد..، في هذه اللحظة وقفت سيارة حسن وصديقه، نزل عبد الرحمن وانطلق حسن في مطاردة الطاكسي ولحق به وتعارك مع الشابين فأصيب بجرح في كتفه بواسطة سكين من أحدهم وغادرا المكان وتركوه ينزف، ساعدته ياسمين وحاول قيادة السيارة قصد المستشفى حيت تلقى بعض الإسعافات وياسمين لم تفارقه واتصلت بعبد الرحمن وثريا فالتحقا بهما. تبين أن الشابين المختطفين كانا ضمن الثلاثة الذين عاكسوا ياسمين وتحرًشُوا بها بالمطعم فأرادوا الانتقام منها. هذا الحادث، الاختطاف وموقف ياسمين منهم ، جعل حسن يتشبث بها أكثر، فتاة فقيرة رقيقة وجميلة تدافع عن شرفها و كرامتها فقرر أن يتقدم لخطبتها.

أصاب والديها الجزع لما تأخرت وظنوا أن مكروها أصابها، لكن لما وصلت وأخبرتهم بما وقع وتدخُل حسن بشهامة لإنقاذها سعدوا كثيرا وطلبت والدتها أن تزوره بالمستشفى لتشكره وتدعو الله أن يحفظه لشبابه وقالت “الدنيا لازالت بخير..”، أما والدها فكان يرفع رأسه ويشير إلى السماء كأنه يحمد الله على سلامة ابنته.
تهيأ حسن وارتدى بدْلةً وربطة عنق وبدا في كامل أناقته وأخذ معه باقة ورد و بعض الهدايا والحلويات وقصد هو ووالدته بيت ياسمين، ر حّبوا بهما باستقبال يليق بالمناسبة السعيدة وكانت ياسمين مسرورة جداً ، شاب وسيم وشهم وفارس أحلامها يشرفها أمام والديها.

غابت عنهم هُنيهة ثم عادت إلى قاعة الضيوف وهي تدفع كُرسياً متحركاَ وما إن وقعت عينا والدها على حسن حتى تقطّب جبينه وتغير لون وجهه وصار يصيح ويصرخ ويشير إليه بأُصبعه، كل من في القاعة وقف مذهولا،كيف تحولت مناسبة سعيدة إلى أزمة..؟! ماذا حصل ولماذا..؟ تحاول ياسمين أن تفهم لماذا تصرف أبوها أمام الضيوف الذي من المفروض أن يرحب بهم. !؟ خرج حسن هاربا بسرعة من البيت فتقدمت والدتها وسألته هل حسن له علاقة بالحادث المعلوم..؟ فأشار برأسه أي نعم..! أم حسن تبكي وتقول مستحيل أن يكون ابني مجرماً…. .! أدركت ياسمين أن من تقدم لخطبتها هو من تسبب لأبيها في وضعه هذا وجعله مشلولا..كيف ترتبط بإنسان حوّل حياتها وأسرتها إلى معاناة يومية…؟ لحقت به ياسمين في بيته وهي تحاول أن تفهم موقفه.. قال لها متأسفا لقد كان حادث لم أقصده، كنت حانِقا على الأطباء بسبب موت والدي لقد تفاجأت بشخص داخل السيارة ووقع ما وقع، صدقيني لقد كان درساً قاسياً لي تعلمتُ منه الكثير و غيّر مجرى حياتي و ابتعدتُ عن كل تصرف مُشين وتبتُ إلى الله…

في تلك الأثناء دقّ الباب ودخل ضابط الشرطة وألْقى القبض عليه و لكن بتهمة قتل المعلم ميلود.
******
في الوقت الذي كان حسن ووالدته في بيت ياسمين وقعت أمور في غيابه، حيث ذهب عبد الرحمن بصحبة شخص آخر يُدعى عبدو إلى المعلم ميلود ليطالبا ببعض المال من عملية سابقة حيث واجها المعلم بان الغَـبْن لحقهم وأن عليه تعويضهم..فرفض وما كان من عبدو إلا أن أمسك به وضربه بأداة صلبة على رأسه واستولى على ما كان بالخزْنة من أموال وتركاه ساقطا وخرجا، غير أن الحارس تعرف على عبد الرحمن وظن الآخر هو حسن وشهد بذلك أمام الشرطة القضائية عندما قدم إفادته في الحادث كشاهد.

لما علم عبد الرحمن باعتقال حسن ذهب إلى عبدو ليعترفا بالحقيقة و وتبرئة حسن..فرفض بل قال له “هو ومصيره..”.فغضب عبد الرحمن وأمسك به ليرغمه على ما اعتزمه لكن عبدو هدده بسكين وتعاركا فسقط عبدو من السطح بعدما فقد توازنه، واتهموا عبد الرحمن بقتله واعترف أمام الضابطة القضائية بالدفاع عن النفس و قصده إظهار الحقيقة وبراءة حسن.

خلال الحراسة النظرية، التقى بعبد الرحمن وعاتبه على ذلك لكنه أخبره أنه كان في حاجة إلى بعض المال ليساهم في توسيع الورشة وتطويرها لما أدرك انه عازم على التوقف عن نشاطهما المشبوه…

ظلت والدته تتوسل إليها لتقول الحقيقة و تُنفي التهمة عن حسن لأنهما كانا متواجدين عندها، لكن ياسمين كانت متمسكة بموقفها وقالت “العين بالعين و السن بالسن… فأجابتها والدته أكملي الآية :”فمن تصدق به فهو كفارة له..”

في إطار مجريات البحث باشر ممثل السلطة القضائية الحقيق مع حسن حول الجريمة ومكان تواجده أثناءها، فوجد نفسه في موقف لا يحسد عليه خوفا من اكتشاف موضوع الحادث ويصبح أمام جنايتين..!؟، بينما هو كذلك استأذنت ياسمين ودخلت، لتدلي بشهادتها في القضية، – وكانت صديقتها ثريا قد نصحتها من قبل بأن امتناعها عن الشهادة لن يريح ضميرها- ، قالت ياسمين في التحقيق بأن حسن كان عندهم في وقت الحادث ثم غادر على الساعة التاسعة، وهو توقيت وقوع الجريمة، ولما سألها لماذا لحقت به في شقته مع والدته..؟ كان بقصد إتمام مناقشة موضوع بينهم..”..وحاول المحقق معرفة الموضوع فرفضت وقالت “بأنها أمور شخصية تخص العائلة ولا أحب أن يطّلع عليها أحد…” في هذه الأثناء وصل تقرير الشرطة العلمية ليؤكد وجود بصمات المجني عليه عبدو على خزنة المعلم ميلود، فكان هذا الخبر إلى جانب شهادة ياسمين طوْق نجاة حسن.

خرجت ياسمين وثريا من المطعم ووجدتا حسن أمامهما تقدم إليها وشكرها على شهادتها لصالحه لأنها الحقيقة، لكن كان بوسعها تحت تأثير الغضب أن تُنفي كل شيء، فقالت بأن والديها هما من ذكّراها بموقفك البطولي وبأنك ضحيت من أجل إنقاذ شرفي وحياتي وهو ما يشفع لك عندهم، وكان والدها يشير بأصبعه إلى السماء أي يقصد “البعد عن رغبة الانتقام وترك الخلق للخالق”. فطلب منها حسن أن تسامحه وأن يبدءا صفحة جديدة…فسألته “إن كُنت تستطيع العيش مع ضحيتك التي حطمت حياتها وتنظر إلي وجهها كل يوم إذا استطعت ذلك تعالى واطْرُق باب بيتنا…!؟” وانصرفت برفقة صديقتها ثريا.

لم يكن حسن يعلم أن هذا الحادث، الذي استمر مُقيّداً في تقارير الشرطة، ضد مجهول سينقذه من تهمة القتل العمد و لكنه سيقف حاجزا منيعا أمام مستقبله ويقلب حياته رأساً على عقب..فرفع عينيه إلى السماء، وهو يغالب أحزانه، وقال: الجزاء من جنس العمل، ثم دعا غفرانك يا رب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *