مجتمع

القطاع الخاص يستحوذ على 91% من تعويضات التأمين.. ونزيف هجرة الأطباء يهدد المنظومة الصحية

بعد خمس سنوات على إطلاق ورش إصلاح وإعادة بناء المنظومة الصحية الوطنية، لا تزال فجوة قائمة بين التغطية الصحية التي تضمنها النصوص القانونية وبين الولوج الفعلي للمواطنين إلى الخدمات العلاجية، رغم ارتفاع الميزانيات المرصودة للقطاع وتوسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الصحي.

هذا ما خلصت إليه ورقة تقييمية أعدها الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، بمناسبة مرور خمس سنوات على إطلاق ورش إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب، والتي رصدت جملة من الاختلالات المرتبطة بالتمويل والموارد البشرية وكلفة العلاج ومدى استفادة المواطنين فعليا من التغطية الصحية.

ارتفاع الميزانية مقابل استمرار فجوة العلاج

وبحسب المعطيات التي أوردها حمضي، ارتفعت ميزانية وزارة الصحة من 19.7 مليار درهم سنة 2021 إلى 42.4 مليار درهم المتوقعة سنة 2026، فيما بلغ عدد المسجلين في نظام التأمين الصحي نحو 32 مليون مواطن، أي ما يعادل 88 في المائة من مجموع السكان.

غير أن هذا التوسع في التغطية، وفق الورقة، لم ينعكس بالقدر نفسه على الولوج الفعلي إلى العلاج، إذ لا يزال نحو 8.5 ملايين مواطن يواجهون صعوبات تحول دون استفادتهم الفعلية من الخدمات الصحية.

ويشير التقرير إلى أن العامل المالي يظل من أبرز العوائق أمام الولوج إلى العلاج، في ظل استمرار الأسر المغربية في تحمل أكثر من 52 في المائة من إجمالي النفقات الصحية من مواردها الخاصة.

ويربط حمضي ذلك، أساسا، بقدم التعريفة الوطنية المرجعية المعتمدة منذ سنة 2006، والتي لا تغطي، بحسب التقرير، سوى أقل من ثلث التكلفة الحقيقية للعلاج، ما يرفع حجم المصاريف التي يتحملها المواطنون مباشرة.

وأفادت الورقة التقييمية بأن 41.5 في المائة من المغاربة يضطرون إلى التخلي عن العلاج لأسباب اقتصادية، فيما تمتد هذه الإشكالية إلى الفئات المشمولة بالتأمين الصحي، حيث يتخلى 36 في المائة من المؤمن لهم عن العلاج بسبب عدم قدرتهم على تسبيق المصاريف المرتفعة.

ويرى حمضي أن هذه المعطيات تكشف عن وجود فجوة بين التغطية الصحية من الناحية القانونية وبين القدرة الفعلية على الاستفادة من الخدمات العلاجية، خصوصا بالنسبة إلى الفئات التي لا تتوفر على القدرة المالية اللازمة لتغطية الجزء غير المتكفل به من تكاليف العلاج.

القطاع الخاص يستحوذ على 91 في المائة من تعويضات التأمين

وعلى مستوى توزيع الإنفاق الصحي، سجل التقرير اختلالا لافتا بين القطاعين العام والخاص، مشيرا إلى أن القطاع الخاص يستحوذ على 91 في المائة من تعويضات التأمين الإجباري عن المرض، مقابل 9 في المائة فقط للقطاع العام.

كما أشار حمضي إلى أن متوسط كلفة الملف الطبي في القطاع الخاص يفوق نظيره في القطاع العام بـ5.6 مرات بالنسبة إلى الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (CNOPS).

وتبرز هذه الأرقام، بحسب التقرير، حجم الضغط الذي يمارسه القطاع الخاص على موارد التأمين الصحي، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف العلاج مقارنة بالقطاع العام.

وفي ما يتعلق بالموارد البشرية، رصد التقرير خصاصا يقدر بنحو 30 ألف طبيب وأكثر من 60 ألفا من باقي مهنيي الصحة، مع استمرار تأثير هجرة الكفاءات الطبية والصحية إلى الخارج.

وبحسب المعطيات التي أوردها حمضي، يغادر أكثر من طبيبين المغرب يوميا، فيما يتركز نحو 75 في المائة من الأطباء في ثلاث جهات فقط من أصل 12 جهة بالمملكة.

ويعكس هذا التوزيع، وفق الورقة، تحديا إضافيا أمام تحقيق العدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية، بالنظر إلى التفاوت المسجل بين الجهات في توفر الأطباء والأطر الصحية.

مقترحات لحماية الأسر من كلفة العلاج

وفي مواجهة هذه التحديات، اقترح الدكتور الطيب حمضي اعتماد حزمة وطنية للوقاية، تشمل التكفل الكامل بنسبة 100 في المائة بفحوصات الكشف المبكر، مع إعفاء المستفيدين من تسبيق المصاريف المرتبطة بهذه الفحوصات.

كما دعا إلى التعميم التدريجي لنظام الثالث المؤدي في العلاجات الخارجية، بهدف تخفيف العبء المالي عن الفئات الهشة، ولا سيما المصابين بالأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى علاجات ومتابعة طبية منتظمة.

وحدد التقرير هدفين رقميين يتعلقان بتقليص النفقات الصحية المباشرة التي تتحملها الأسر، من خلال خفض هذه النفقات إلى أقل من 30 في المائة بحلول سنة 2028، ثم إلى أقل من 25 في المائة في أفق سنة 2030.

وخلص حمضي إلى أن نجاح ورش إصلاح المنظومة الصحية لا يرتبط فقط بتوسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض، وإنما بمدى قدرة هذا النظام على ضمان ولوج فعلي وميسر إلى العلاج.

وأكد أن الرهان يتمثل في الانتقال بالتأمين الإجباري عن المرض من مجرد تغطية إدارية إلى مدخل فعلي للاستفادة من الخدمات الصحية، بما يضمن للمواطنين العلاج بكرامة، ويعزز العدالة المجالية في توزيع الخدمات الصحية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *