التطبيع بالصمت: من يملك حق تعريف “المصلحة العليا”
في إطار المسار الدبلوماسي المستأنف بموجب “الإعلان الثلاثي” لسنة 2020، أعلن المغرب هذا الأسبوع الاتفاق على رفع التمثيل الدبلوماسي وتبادل افتتاح السفارات، بعد سنوات ظل فيها التمثيل مقتصرا على صيغة مكتب الاتصال. الخطاب الرسمي المواكب للقرار يقدّمه، كعادته، بوصفه استحقاقا سياديا بديهيا تفرضه “المصلحة العليا للدولة”، مستحضرا في مقدمة مبرراته تثبيت الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء.
ولموقف المدافعين عن القرار سند يتجاوز التصريح العام: فربط الاعتراف الأمريكي بالصحراء بمسار التطبيع يُقدَّم رسميا كإنجاز دبلوماسي ملموس وقابل للقياس، تراكمت آثاره القانونية والدبلوماسية على مدى ست سنوات، في مقابل رصيد رمزي يصعب قياسه أو التحقق من مردوديته الفعلية على أرض الواقع. ويضيف أنصار هذا الطرح أن الدول، في نظام دولي تنافسي لا ينتظر أحدا، نادرا ما تملك ترف تأجيل قرارات استراتيجية بهذا الحجم حتى يكتمل إجماع داخلي قد لا يتحقق أصلا، وأن التريث المفرط قد يعني فوات فرصة تفاوضية لن تتكرر بالشروط ذاتها.
ومع أن هذه الحجة جديرة بنقاش جاد يتجاوز الرفض المبدئي المسبق، فإن تأطير القرار بوصفه حقيقة موضوعية متعالية عن المساءلة يمثل في حد ذاته مدخلا يستوجب التفكيك السوسيولوجي. فالمشكلة ليست في كون الدولة تحسب مصالحها -هذا وظيفتها- بل في تسويغ اختيار سياسي ظرفي بلغة الحتمية، وكذلك في حجب الكلفة القيمية التي يدفعها المجتمع مقابل مكاسب مؤقتة ومشروطة بفاعلين خارجيين متقلبين. على هذا الأساس، يسعى هذا المقال إلى مساءلة الحجة المصلحية من الداخل لا بنفيها: بفحص من يزن، وبأي ميزان، بين مكسب قابل للتبدد وكلفة شرعية يصعب استرجاعها.
أولا: “عقلانية الدولة” خطاب لا حقيقة موضوعية
فعندما يؤطر قرار كهذا بوصفه “خيارا عقلانيا” حتميا لا بديل عنه، فإن التسويغ يستند ضمنيا إلى الأطروحة الواقعية في العلاقات الدولية، التي بلورها ‘مورغنتاو’ (Morgenthau) ثم طورها ‘فالتز’ (Waltz)، والتي تفترض أن الدولة فاعل عقلاني يحدد مصلحته القومية بمعزل عن أي اعتبار قيمي. غير أن علم الاجتماع السياسي للدولة يفكك هذا الافتراض منذ أعمال نظرية النخبة (موسكا، باريتو، ولاحقا رايت ميلز): فالدولة ليست كتلة موحدة تُقرر بعقل واحد، بل جهاز تتنازعه نخب متفاوتة القدرة على فرض تعريفها لما هو “مصلحة”. بهذا المعنى، ليست “المصلحة الوطنية” معطى ثابتا يُكتشف، بل بناء تصنعه نخبة تحتكر حق تعريفه وترتيب أولوياته. من يقرر أن الأولوية اليوم هي التطبيع الأمني والتكنولوجي، لا -مثلا- الحفاظ على الرصيد الرمزي الذي راكمه المغرب لعقود كفاعل متوازن في الملف الفلسطيني؟ الجواب أن هذا الترتيب نفسه قرار سياسي، لا استنتاج علمي محايد، يعكس موازين قوى داخل جهاز الدولة أكثر مما يعكس إرادة جماعية مُستفتاة.
والأخطر أن المكاسب المطروحة في كفة “المصلحة” مكاسب ظرفية بامتياز: اعتراف أمريكي مرتبط بإدارة بعينها وقابل نظريا للتراجع مع تغيّر موازين واشنطن الداخلية، وتعاون أمني وشراكات استثمارية تخضع بدورها لتقلبات إقليمية لا يتحكم فيها المغرب. مقابل هذا الرهان المشروط، تُستهلك موارد رمزية تراكمت عبر عقود ولا تُستعاد بسهولة إن استُنفدت. هذه اللاتناظر بين “مكسب قابل للتبدد” و”كلفة يصعب تعويضها” هو جوهر ما يستحق النقاش، لا مجرد الاعتراض العاطفي على المبدأ.
ويمكن رصد آلية إنتاج هذا التصور “الحتمي” على مستوى بنية الخطاب نفسه؛ إذ لا يعمد الخطاب الرسمي إلى تبرير الخطوة بمفردات الدفاع، بل يكرس حتميتها عبر معجم “الاستئناف” و”إعادة الربط”، محولا القرار من خيار سياسي قابل للنقاش إلى مجرد استرجاع لمسار طبيعي سابق ومؤطر بمقتضيات “المصلحة العليا”. وهي، بلغة تحليل الخطاب النقدي، أدوات “تطبيع” (naturalization) تُخرج القرار من دائرة الاختيار السياسي القابل للنقاش لتضعه في دائرة الوقائع الموضوعية التي لا تُناقَش بل تُسجَّل. هذا التحول اللغوي من “قرار” إلى “واقع” ليس تفصيلا أسلوبيا، بل هو بالضبط الآلية التي تُغلق بها النخبة الحاكمة النقاش العمومي قبل أن يبدأ: حين يُقدَّم الخيار كأمر واقع لا كأحد بدائل ممكنة، يصبح الاعتراض عليه، في الصورة الخطابية السائدة، اعتراضا على الواقع نفسه لا على قرار سياسي قابل للمساءلة.
ثانيا: الكلفة القيمية ليست “شعورا” بل مورد شرعية بنيوي
يميل الخطاب الرسمي، حين يواجَه بالاعتراض القيمي، إلى اختزاله في “عاطفة” أو “حساسية شعبية” يمكن احتواؤها إعلاميا، عبر الفصل المنهجي بين “التطبيع” كملف سيادي و”القضية الفلسطينية” كثابت لا يُمسّ في الخطاب الرسمي. هذا الفصل نفسه استراتيجية خطابية تستحق التفكيك: فهو يسمح للدولة بمواصلة تعميق علاقات أمنية وتجارية متقدمة في إطار مسار التطبيع، بينما تُواصل تقديم نفسها راعية لقضية فلسطين، دون أن تُساءَل عن التناقض الكامن بين الممارسة والخطاب.
لكن الشرعية السياسية ليست موردا محايدا يمكن تقسيمه إلى “ملفات” منفصلة؛ إنها رأسمال رمزي تراكمي، يُبنى بالممارسة لا بالتصريح، ويتآكل حين يتباعد الخطاب عن الفعل. وهذا الرصيد ليس تجريدا نظريا في الحالة المغربية تحديدا: فرئاسة العاهل المغربي للجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي منذ 1979 شكّلت لعقود ركيزة أساسية في بناء صورة المغرب كفاعل متوازن وراع رمزي للقضية الفلسطينية، وهي صورة استُثمرت دبلوماسيا في محافل متعددة. حين تتسارع في المقابل خطوات التطبيع دون أن يواكبها إعادة تعريف علنية لهذا الدور الرمزي، تنشأ فجوة بين الوظيفة المؤسسية المعلنة والممارسة الفعلية، وهي فجوة لا تُسدّ بالتكرار الخطابي لثبات “الموقف من القضية الفلسطينية”، بل تتسع كلما تباعد الفعل عن القول. حين يلاحظ المواطن هذا التباعد -بين خطاب رسمي ثابت في مضمونه المعلن، وممارسة دبلوماسية وأمنية متسارعة في اتجاه معاكس- فإن الكلفة ليست “شعورا عابرا”، بل تآكلا تدريجيا في الثقة بين الدولة والمجتمع، وهو ما تُظهره أصلا استطلاعات الرأي العربي المتكررة حول هذا الملف تحديدا.
ثالثا: نموذج تفسيري: التوتر ذاته يتكرر عند الفاعل “القيمي”
ولفحص هذا التوتر البنيوي بين المصلحة والقيمة في موقع مغاير لموقع الدولة، يبرز حزب العدالة والتنمية كحالة دراسية دالة لاعتبارات ثلاثة:
أولها: أن الحزب استثمر رأسمالا رمزيا وسياسيا مكثفا في القضية الفلسطينية على مدى عقود، محولا موقفه منها إلى محدد هوياتي صلب لا مجرد خيار ظرفي قابل للمساومة.
وثانيها: انفراده من بين قوى المعارضة الحالية بخوض تجربة تدبير الشأن العام وقيادة الائتلاف الحكومي (2011-2021)؛ وهو ما نقله من فضاء المزايدة النظرية من الخارج إلى محك الممارسة العملية التي ألزمته بتنفيذ قرارات تتصادم مباشرة مع مرجعياته الفكرية.
وثالثها: راهنية هذا الاختبار وتجدده في سياق سياسي وانتخابي متحرك، يتيح رصد التوتر في ديناميته الراهنة لا كأثر تاريخي منته.
ومن هذا المنطلق، لا يفسر سلوك الحزب بالاستناد إلى منطق الدولة التبريري، بل عبر دينامية خاصة تلتقي معه في المآلات؛ إذ يتحرك التنظيم بوصفه فاعلا يسعى إلى صون تموقعه داخل النسق المؤسسي أو على تخومه، مغلبا خيار تدبير العلاقة مع السلطة على استراتيجية القطيعة الصدامية. ويستدعي هذا النزوع مباشرة أطروحة ‘ريتشارد كاتز’ و’بيتر ماير’ (Katz & Mair) حول “حزب الكارتل” (Cartel Party)، التي تبين كيف تدفع متطلبات الاقتراب من مركز القرار التنظيمات السياسية إلى تليين منطلقاتها المبدئية ضمانا لاستمرارها المؤسسي.
وهذا الرهان على التموقع هو ما يوقع الخطاب الحزبي في مفارقة بنيوية دائمة بين حدين متنافرين: سقف الرفض القيمي المعلن لكل أشكال التطبيع من جهة، وإكراهات الانخراط في شروط الحكم والتوافقات السيادية من جهة ثانية. وهي المفارقة التي تجلت ذروتها حين تولى الأمين العام للحزب ورئيس الحكومة آنذاك، سعد الدين العثماني، التوقيع على الإعلان المشترك باسم الدولة المغربية سنة 2020، في واقعة عكست بوضوح أثر هذا المسار الكارتلي على الممارسة الفعلية للحزب.
وتتكرر آثار هذا التموقع في تصريحات قيادات الحزب نفسها، لا في الممارسة الحكومية وحدها: ففي حواره ببرنامج «لقاء خاص» على منصة «صوت المغرب» الذي نشر يوم 12 شتنبر 2026، استند القيادي مصطفى الخلفي إلى ما ورد في مذكرات جاريد كوشنر، أحد رعاة اتفاق استئناف العلاقات، مشيرا أن الجانب الأمريكي طالب المغرب بفتح سفارة كاملة لا مجرد مكتب اتصال، وأن الرد المغربي تمثل في الرفض القاطع لهذا الطلب مع الاستعداد لإيقاف المسار برمته بدل التنازل عن هذا الخط، معتبرا هذا الموقف دليلا على استقلالية القرار الوطني وعلى قدرة الدولة على تدبير التوازنات الدولية “بمجهود وحكمة”.
وهنا تحديدا ينكشف عمق المأزق الذي ينتجه هذا التموقع المؤسسي؛ فبمجرد مقارنة هذا التبرير بمضامين البرنامج الانتخابي للحزب نفسه، تبرز المفارقة في أوضح تجلياتها. ينص المحور الخامس من البرنامج (المعنون بـ: السياسة الخارجية: وحدة وسيادة وإشعاع، في شقه المتعلق بدعم القضية الفلسطينية ومناهضة التطبيع) صراحة على رفض كل أشكال التطبيع وتفكيك تفاهماته، محددا بالاسم «مكتب الاتصال» ولجنة الصداقة البرلمانية كأشكال تطبيعية تجب مناهضتها.
وعليه، يغدو المعطى الذي ساقه الخلفي شاهدا على حكمة الدولة واستقلاليتها عين ما تصفه الوثيقة الرسمية لحزبه انخراطا في التطبيع تجب مقاومته. وهذا الانزياح من منطلق «رفض المبدأ» إلى منطق «المفاضلة في الدرجة» يجسد بدقة مفعول التموقع داخل بنية الحكم على الخطاب القيمي؛ حيث يتحول التناقض إلى أداة لتدبير الحرج السياسي، لا مجرد التباس طارئ في التعبير.
وتتضح حدود هذا الخطاب أكثر حين تُستحضر السلسلة الزمنية الكاملة للأحداث: تصريحات الخلفي جاءت أياما قليلة فقط قبل الإعلان عن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي وتبادل السفراء، أي أن الوقائع تجاوزت عمليا العتبة التي استُحضرت قبل أيام كدليل على “الاستقلالية”. وأمام هذا التطور، بادرت الأمانة العامة للحزب، في بلاغ صدر يوم 17 شتنبر 2026 عقب تداول خبر رفع مستوى العلاقات إلى عقد اجتماع “عاجل واستثنائي” أكدت فيه موقفها “الثابت والراسخ” الرافض لكل أشكال التطبيع، لكنها رافقت هذا التأكيد بدعوة لافتة: توجيه “عموم المناضلين والمناضلات إلى عدم الخوض فيما يُنشر داخليا وخارجيا حول هذا الموضوع”، والتركيز بدل ذلك على “مواصلة الحملة الانتخابية”، في مفارقة لافتة تجعل من حملة تضع مناهضة التطبيع في قلب أولوياتها مطالبة بالصمت إزاء واقعة ترقيته.
هذه الدعوة إلى الامتناع التنظيمي المنضبط عن النقاش، الصادرة عن الفاعل نفسه الذي يرفع لواء المبدأ، هي في جوهرها استنساخ لنفس آلية إدارة الفجوة التي رُصدت في خطاب الدولة بالمحور الثاني: حين يتعذر حسم التناقض بين المبدأ والممارسة، لا يُفتح النقاش بل يُدار بتنظيم الصمت. فالحزب لا يطلب من قواعده تبني موقف مغاير، بل يطلب منها الامتناع عن النقاش نفسه؛ وهو، من زاوية سوسيولوجية، اعتراف ضمني بأن هذا النقاش، لو فُتح فعلا داخل قواعد الحزب نفسها، قد يكشف من هشاشة الموقف القيمي أكثر مما يعزز شرعيته.
ثالثا: من يراقب صانع “العقلانية”؟
إذا كان التموقع في السلطة يفسّر جزئيا لماذا يصعب حتى على الفاعلين “القيميين” أنفسهم مساءلة القرار مساءلة كاملة، فإن السؤال الأعمق يبقى مؤسسيا لا حزبيا: من يملك أصلا سلطة مراقبة من يحتكر تعريف “العقلانية”؟ الحجة المصلحية، كما تُقدَّم رسميا، تفترض ضمنيا أن الدولة هي الحكم الوحيد المؤهل لتقدير ما هو “عقلاني”، وأن على المجتمع أن يثق في هذا التقدير دون مساءلة آلياته. هذا بالضبط هو موقع النقد السوسيولوجي، المستند إلى أدبيات نظرية النخبة وما طورته لاحقا أدبيات المساءلة الديمقراطية (Accountability) في العلوم السياسية المقارنة: ليس رفض فكرة أن للدول مصالح، بل رفض احتكار السلطة التنفيذية لتعريف هذه المصلحة بمعزل عن أي رقابة برلمانية أو نقاش عمومي فعلي حول قرار بهذا الحجم الرمزي.
وهذا الغياب المؤسسي ليس عرضيا بل بنيوي في الحالة المغربية: فالسياسة الخارجية تظل، بموجب الدستور، من صميم “المجال المحفوظ” الذي يمارسه الملك، بينما يقتصر تدخل البرلمان على حالات محددة (كالمعاهدات المرتبة لأعباء مالية على الدولة أو المستلزمة لتعديل تشريعي)، ولا تندرج خطوة رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بالضرورة ضمنها. بعبارة أخرى، القرار لا يُتّخذ خارج المؤسسات لأن أحدا تعمّد إقصاء النقاش، بل لأن البنية الدستورية نفسها لا تُلزم بإخضاعه لمداولة تمثيلية. وهنا يصبح النقد السوسيولوجي أكثر دقة: المشكلة ليست في “غياب الشفافية” بوصفه خللا عرضيا، بل في تصميم مؤسسي يجعل من هذا الغياب قاعدة لا استثناء، وهو ما يستحق نقاشا مستقلا حول حدود الرقابة الديمقراطية على قرارات السياسة الخارجية في الأنظمة ذات “المجال المحفوظ”. غياب هذا النقاش المؤسسي -لا غياب “الحماسة الشعبية للتطبيع”- هو ما يجعل وصف القرار بـ”العقلانية” وصفا غير مكتمل: عقلانية بمعيار مَن، ومحسوبة بأي أفق زمني، ومَن يتحمل كلفتها إن انقلبت المعادلة الإقليمية؟
موقع الباحث: من الحياد الزائف إلى الانعكاسية
أمام هذا الفراغ الرقابي المزدوج -المؤسسي والحزبي على السواء- يتضح موقع الباحث في الاجتماع السياسي، وهو موقع لا يختزل في الحياد الذي يتساوى فيه كل خطاب مع نقيضه بذريعة “الموضوعية” -فهذا حياد زائف يخدم عمليا الخطاب المهيمن بترك بداهته دون تفكيك- ولا في إصدار حكم أخلاقي وجداني على القرار. التقليد الفيبيري في العلوم الاجتماعية يدعو إلى ما يُعرف بـ”الحياد الأكسيولوجي”: فصل الحكم القيمي عن أداة التحليل، بحيث يظل الباحث قادرا على تفكيك آليات إنتاج الشرعية أو المصلحة دون أن يُسقط عليها حكما مسبقا يُفقد التحليل موضوعيته. غير أن هذا المثال الأعلى للحياد تعرّض لنقد جوهري من داخل التقليد البورديوزي: فالباحث نفسه فاعل اجتماعي، محكوم بموقعه الطبقي والثقافي والوطني، ومطالَب بممارسة “قطيعة إبستمولوجية” مع حدسه العفوي أكثر منه بادّعاء حياد مستحيل.
الموقف الأكثر اتساقا منهجيا، إذن، ليس هو الاختيار بين “أن يكون المرء مع أو ضد”، بل أن يمارس الباحث ما يمكن تسميته بـ”الانعكاسية” (réflexivité): أن يعي موقعه كمواطن معنيّ بالقيم الجماعية، وفي الوقت نفسه يحلّل، بأدوات العلوم الاجتماعية، كيف تُنتَج المصلحة والقيمة كخطابين متنافسين على الشرعية، ومن يستفيد من كل خطاب منهما، وكيف تُدار الفجوة بينهما مؤسساتيا وإعلاميا. فالسؤال السوسيولوجي المثمر ليس “هل القرار صائب أخلاقيا؟” بل “كيف يُنتَج تعريف الصواب في هذه اللحظة بالذات؟ ولصالح أي فاعلين؟”.
وهذا الموقف الانعكاسي، لا الحياد الزائف، هو ما يوجّه المساءلة المطروحة في هذا المقال: فوظيفة الباحث تكمن في كشف الآليات التي تجعل تسويغا سياسيا جزئيا وظرفيا يبدو حتميا وفوق النقاش. المساءلة هنا ليست موقفا وجدانيا مضادا للتطبيع بما هو تطبيع، بل مطلب منهجي: أن يخضع أي قرار سيادي كبير -أيا كان اتجاهه- لنقاش عمومي ورقابة مؤسسية حقيقيين، بدل أن يُفرض بمنطق الأمر الواقع ثم يُعاد تأطيره لاحقا كإرادة جماعية بأثر رجعي.
خاتمة
يخرج هذا التحليل بثلاث خلاصات مترابطة. أولا، أن وصف القرار بـ”العقلاني” وصف منقوص من غير مساءلة نقدية: فهو يستبطن حسابا فعليا لمصلحة الدولة، لكنه يخفي في الوقت نفسه كون هذا الحساب نتاج نخبة ضيقة تحتكر تعريف المصلحة بمعزل عن أي مداولة تمثيلية حقيقية. ثانيا، أن الكلفة القيمية المصاحبة للقرار ليست ترفا أخلاقيا يمكن تأجيله، بل استنزاف فعلي لرصيد رمزي تراكم عبر عقود، وهو استنزاف لا ترصده استطلاعات الرأي فحسب، بل يتجلى في اضطرار حتى الفاعلين “القيميين” أنفسهم -كما بيّن نموذج حزب العدالة والتنمية- إلى إدارة هذا التناقض بالصمت التنظيمي بدل حسمه. ثالثا، أن غياب الرقابة المؤسسية على قرار بهذا الحجم الرمزي ليس خللا عرضيا يمكن تداركه لاحقا، بل نتيجة مباشرة لتصميم دستوري يبقي السياسة الخارجية خارج دائرة المداولة التمثيلية.
اجتماع هذه العناصر الثلاثة يحسم السؤال الذي انطلق منه هذا المقال: فالقرار، كما أُدير خطابيا ومؤسساتيا، لا يعكس رشدا سياسيا بالمعنى الكامل للكلمة، بل يعكس قدرة نخبة على تغليب مصلحتها الظرفية بلغة الحتمية، وعلى تحييد كل مساءلة قيمية أو مؤسسية محتملة قبل أن تتشكل. وما لم يخضع هذا القرار، أو ما شابهه من قرارات سيادية كبرى مستقبلا، لنقاش عمومي ورقابة تمثيلية فعليين، فإن وصفه بـ”الحكمة” أو “الاستقلالية” سيظل، مهما تكرر في الخطاب الرسمي والحزبي على السواء، وصفا لأداة تبرير لا لواقع قائم.
اترك تعليقاً