قوانين المالية وحدود صلاحيات حكومة تصريف الأمور الجارية
مقدمة
تعد قوانين المالية السنوية الآلية الرئيسية لتنزيل السياسات العمومية وتطبيق البرنامج الحكومي الممتد على خمس سنوات، باعتبار هذا القانون هو الذي يصادق سنويا على ميزانية الدولة في شقيها: المداخيل والنفقات.
وهو ما يجعل من قانون المالية، أكثر من أي نص تشريعي آخر، المرآة العملية لالتزامات الحكومة تجاه ناخبيها، والأداة التي تترجم بها وعودها الانتخابية إلى اعتمادات وبرامج قابلة للتنفيذ سنة بعد أخرى.
غير أن هذا التوازن العادي بين الزمن الحكومي والزمن المالي يختل حين تتزامن السنة الأخيرة من الولاية الحكومية مع تنظيم انتخابات تشريعية، تجرى عادة في المغرب خلال شهري شتنبر أو أكتوبر – أي في نفس الفترة التي تشهد أدق مراحل إعداد مشروع قانون المالية وإيداعه بالبرلمان.
فتنشأ عندئذ إشكالية مزدوجة حول من له الصلاحية لمتابعة هذا المسار، وإلى أي حد يمكن لحكومة فقدت شرعيتها الانتخابية أن تلتزم باختيارات مالية واستراتيجية تهم سنة كاملة قد لا تحكم خلالها؟
هذا الموضوع سنقاربه من خلال نقطتين، الأولى تتناول تقاطعات مسطرة الإعداد مع نهاية ولاية حكومية وبداية ولاية أخرى، والثانية تستعرض الممارسة العملية لحكومة تصريف الأمور الجارية في هذا الباب، من خلال المحطات الثلاث الأخيرة: 2011، 2016-2017، و2021 وما أفرزته محطة 2026.
أولا: تقاطعات إعداد مشروع قانون المالية للسنة الأخيرة من الولاية الحكومية.
تمر مسطرة إعداد مشروع قانون المالية في المغرب بمسار طويل نسبيا، يمتد من 15 مارس من كل سنة – المادة 5 من القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية والمادة 2 من المرسوم المتعلق بإعداد وتنفيذ قوانين المالية _ من خلال إصدار منشور رئيس الحكومة حول البرمجة الميزانياتية الممتدة على ثلاث سنوات (يمكن الرجوع الى منشور رئيس الحكومة عدد 03\2026 بتاريخ 13 مارس 2026)، إلى غاية 20 أكتوبر، باعتباره اخر اجل لإيداع مشروع قانون المالية لدى مكتب مجلس النواب (المادة 48 من القانون التنظيمي لقانون المالية).
لتبدأ بعد ذلك مرحلة أخرى (المناقشة والتصويت)، يمهد لها بعرض مشروع القانون من طرف وزير الاقتصاد والمالية في جلسة مشتركة للبرلمان، قبل الشروع في مناقشته والتصويت عليه داخل مجلسي النواب والمستشارين في أجل لا يتعدى 58 يوما (30 يوما بمجلس النواب، و22 يوما بمجلس المستشارين، و6 أيام في قراءة ثانية أمام مجلس النواب).
وبين هذين التاريخين (15 مارس و20 أكتوبر)، تتوالى محطات تقنية وسياسية حاسمة، من إصدار منشور رئيس الحكومة حول البرمجة الميزانياتية الثلاثية، إعداد مشاريع نجاعة الأداء المرفقة بالميزانيات القطاعية، تقديم وزير الاقتصاد والمالية لعرضه حول تقدم تنفيذ قانون المالية للسنة الجارية والبرمجة الميزانياتية الثلاثية والتوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية المقبل – أمام المجلس الحكومي أولا، ثم أمام لجنتي المالية بالبرلمان خلال شهر يوليوز، ثم إصدار رئيس الحكومة للرسالة التأطيرية/التوجيهية لإعداد قانون مالية السنة المقبلة (جرت العادة أن تصدر في غشت من كل سنة)، لتختتم بمناقشة الميزانيات القطاعية من داخل وزارة الاقتصاد والمالية (مديرية الميزانية) في شهر شتنبر – وهو بالضبط الشهر الذي تزامن مع الاستحقاقات الانتخابية الحالية – حيث تستمر الاجتماعات من داخل مديرية الميزانية وفق برنامج محددة سلفا، لتحديد التوزيع النهائي للاعتمادات والحسم في الميزانيات القطاعية، وعلى الرغم مما قد يبدو من انشغال الوزراء بحملاتهم الانتخابية وتركيزهم على نتائجها، فإن العمل الإداري يبقى مستمرا من داخل مديرية الميزانية، ومستقلا عن الزمن السياسي.
لنصل الى مرحلة التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية امام المجلس الوزاري (الفصل 49 من الدستور) و امام المجلس الحكومي(الفصل 92 من الدستور) قبل ايداعه بالبرلمان في 20 اكتوبر على أكثر تقدير (الفصل 48 من القانون التنظيمي لقانون المالية ).
فإذا كانت الحكومة، في سنتها الأخيرة، تتوفر من حيث المبدأ على كامل الصلاحيات لمباشرة هذه المسطرة دون قيد أو شرط، فإن استمرارها في قطع مراحل متقدمة منها – مناقشة المشروع في المجلسين الوزاري والحكومي، ثم إيداعه بالبرلمان – قد يبدو أمرا غير سليم من الناحية الدستورية البحتة، خصوصا إذا صادف ذلك ظهور نتائج الانتخابات وصدور الظهير الملكي بتكليف رئيس حكومة جديد بالتشكيل، ودخول الحكومة القائمة رسميا في وضعية تصريف الأمور الجارية.
فهل يحق لحكومة فقدت شرعيتها الانتخابية أن تواصل بلورة اختيار مالي واستراتيجي يهم سنة كاملة قد لا تحكم خلالها أصلا؟ أو قد تتغير فيها موازين القوة، هذا الأمر هو ما تكشفه بشكل ملموس، الممارسة العملية لثلاث محطات متعاقبة.
ثانيا: الممارسة العملية لحكومة تصريف الأمور الجارية أثناء إعداد مشاريع قوانين المالية في 2011 و2017 و2021
تنظم حكومة تصريف الأمور الجارية بموجب الفصلين 47 و 87 من الدستور والبالب الرابع من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، وتمارس مهامها إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة كاملة.
وتبدأ هذه المرحلة الزمنية، عمليا، مع صدور الظهير الملكي بتعيين/تكليف رئيس الحكومة الجديد (المنتمي للحزب الفائز بالانتخابات) بمهمة التشكيل، وتستمر إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة وتنصيبها من طرف مجلس النواب طبقا للفصل 88 من الدستور.
وإذا كانت مهام هذه الحكومة، خلال هذه الفترة، محدودة من حيث المبدأ، إذ يفترض أن تكتفي باتخاذ المراسيم والقرارات والمقررات الإدارية الضرورية والتدابير المستعجلة اللازمة لضمان السير العادي للمرافق العمومية، دون الدخول في اختيارات استراتيجية جديدة أواتخاد تدابير من شأنها أن تلزم الحكومة المقبلة بصفة دائمة ومستمرة(الفقرة الأخيرة من المادة 37 من القانون التنظيمي 065_13).
فإن طول مرحلة تصريف الأمور الجارية، وتزامنها بالضبط مع شهري شتنبر وأكتوبر، واحتمال تأخر تشكيل الحكومة الجديدة في أكثر من مناسبة، قد يفرض على هذه الحكومة مواصلة إعداد مشروع قانون المالية في مراحله الأخيرة، بل ومناقشته في المجلسين الوزاري والحكومي وإيداعه بالبرلمان – وهو ما قد نعيشه في هذه المرحلة، وسبق وأن وقع فعلا في تاريخ المغرب الحديث، كما تبينه المحطات الثلاث التالية:
محطة 2011: عين السيد عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة بموجب الظهير الشريف رقم 1.11.183 الصادر في 29 نونبر 2011، وصدر في نفس اليوم بالضبط ظهير شريف ثان منفصل، رقم 1.11.184، كلف حكومة السيد عباس الفاسي المنتهية ولايتها بتصريف الأمور الجارية ابتداء من ذلك التاريخ.
هذان “الظهيران التوأمان” الصادران في يوم واحد يجسدان النموذج الأكثر وضوحا من الناحية الشكلية: تعيين صريح لرئيس جديد، وتكليف صريح مواز للحكومة السابقة بتصريف الأمور الجارية.
محطة 2016-2017: جاءت أكثر تعقيدا وأثارت وضعية دستورية غير مسبوقة، فبعد انتخابات 7 أكتوبر 2016، لم يعين رئيس حكومة جديد مختلف، بل أعيد تكليف السيد عبد الاله بنكيران نفسه بتشكيل الحكومة، بموجب الظهير الشريف رقم 1.16.160 الصادر في 17 أكتوبر 2016، ووجد السيد بنكيران نفسه، بموجب هذا الظهير، رئيسا لحكومته السابقة (2011-2016) وهي تصرف الأمور الجارية تلقائيا، ومكلفا في الآن ذاته بتشكيل الحكومة الجديدة – دون أن يصدر ظهير تكليف مستقل بتصريف الأمور الجارية على غرار 2011، لأن الحكومة القائمة استمرت هي نفسها في هذه الوضعية من جهة ، ومن جهة اخرى لوجود القانون التنظيمي رقم 065-13 الذي نظم في بابه الرابع القواعد الخاصة بتصريف الحكومة المنتهية مهامها للأمور الجارية ومهام الحكومة الجديدة قبل تنصيبها من قبل مجلس النواب.
والأهم في هذه المحطة أن حكومة السيد بنكيران، رغم كونها حكومة تصريف أعمال، صادقت في آخر اجتماع لمجلسها الحكومي قبل انتخابات 7 أكتوبر على مشروع قانون المالية لسنة 2017، وتم إيداعه فعليا لدى مكتب مجلس النواب احتراما لأجل 20 أكتوبر المنصوص عليه في المادة 48 من القانون التنظيمي للمالية، وهو ما اثار الجدل حول شرعية إيداع حكومة تصريف الأعمال لمشروع قانون المالية: فمن حيث المبدأ، يفترض أن “تصريف الأمور الجارية” لا يشمل قرارات استراتيجية جديدة كبرى – وإعداد ميزانية سنة كاملة هو بلا شك قرار استراتيجي، مما يجعل هذه الممارسة قابلة للنقاش الدستوري، القانون الجدي رغم وقوعها فعليا.
ورغم ايداع الحكومة انذاك لمشروع قانون المالية بالبرلمان، غير أن مناقشته والتصويت عليه تجمد لأشهر طويلة، فبعد فشل السيد عبد الاله بنكيران في تشكيل الحكومة بعد نحو خمسة أشهر من المفاوضات، عين السيد سعد الدين العثماني رئيسا مكلفا بتشكيل الحكومة يوم 17 مارس 2017، ثم عين أعضاء حكومته بموجب الظهير الشريف رقم 1.17.07 الصادر في 7 أبريل 2017، وظلت حكومة السيد عبد الاله بنكيران طيلة هذه الفترة تمارس اختصاصها كحكومة تصريف الامور الجارية ومن ضمنها تطبيق مقتضيات الفصل 75 من الدستور بإصدار المرسوم رقم 2.16.1010 القاضي بفتح الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية والمهام المنوطة بها، والمرسوم رقم 2.16.1011 المتعلق باستخلاص بعض الموارد عن السنة المالية 2017.
هذا ولم يصادق نهائيا على قانون المالية لسنة 2017 إلا في يونيو من نفس السنة في ظل حكمة السيد العثماني، أي بعد مرور أكثر من خمسة أشهر كاملة على بداية السنة المالية – وهو ما يثبت عمليا أن الإيداع في الأجل شيء، والمناقشة والتصويت الفعليين شيء آخر يستحيل عمليا إنجازه في غياب حكومة منصبة وأغلبية برلمانية واضحة.
محطة 2021: عين السيد عزيز أخنوش رئيسا للحكومة بموجب الظهير الشريف رقم 1.21.110 الصادر في 14 شتنبر 2021، وبذلك دخلت حكومة سعد الدين العثماني تلقائيا – وبقوة القانون التنظيمي 065.13، دون حاجة لظهير تكليف مستقل هذه المرة – في وضعية تصريف الأمور الجارية.
وكان مشروع قانون المالية لسنة 2022 قد أعد أصلا في كنف حكومة السسد العثماني المنتهية ولايتها، قبل أن تتولى حكومة السيد أخنوش الجديدة عرضه على المجلسين الحكومي والوزاري، وإيداعه بالبرلمان يوم 18 أكتوبر 2021، أي قبل يومين فقط من الأجل الدستوري، ولم تكتف الحكومة الجديدة بتبني المشروع الموروث كما هو، بل أدخلت عليه، رغم ضيق الوقت، مقتضيات جديدة تعكس التزاماتها الانتخابية – أبرزها إطلاق برنامج “فرصة” لدعم حاملي المشاريع الشبابية، مستغلة بذلك هامش التعديل المتاح في اللحظات الأخيرة من الاعداد ومن داخل المسطرة البرلمانية العادية دون الحاجة لسحب المشروع من الأساس.
تكشف هذه المحطات الثلاث – وخصوصا محطتا 2011 و2016-2017 – عن معضلة حقيقية يمكن تسميتها بوضعية “المطرقة والسندان” التي تجد حكومة تصريف الأمور الجارية نفسها فيها، فإذا امتنعت عن مواصلة إعداد المشروع وإيداعه احتراما لحدود صلاحياتها المحصورة في تدبير الشأن الجاري دون خيارات استراتيجية جديدة، خالفت أجل 20 أكتوبر المنصوص عليه في المادة 48 من القانون التنظيمي للمالية، وتركت الدولة دون مشروع قانون مالية معروض على البرلمان. أما إذا واصلت الإعداد والمناقشة في المجلسين وأودعت المشروع، فإنها بذلك تدخل – من حيث الجوهر – في اختيار استراتيجي كبير (ميزانية سنة كاملة) يفترض أنه من صميم صلاحيات الحكومة الجديدة المنبثقة عن الثقة البرلمانية وحدها.
ومع ذلك، فحتى في حالة الإيداع احتراما للأجل، يستحيل عمليا – كما تبين من تجربتي 2016-2017 وبداية 2021 – الشروع الفعلي في المناقشة والتصويت داخل البرلمان في غياب التشكيلة الحكومية الجديدة وأغلبيتها البرلمانية، مما يضع الحكومة الجديدة، بدورها، أمام التزام متابعة المسطرة في حيز زمني ضيق جدا، وإدخال تعديلات جزئية على مشروع لم تعدَه هي، انتظارا لحلول شهر مارس الموالي وبداية إعداد مشروع قانون مالية جديد يكون تعبيرا كاملا عن توجهاتها الخاصة.
خاتمة
بناء على نتائج تشريعيات 2026 والتي بوأت أحزاب الأصالة والمعاصرة و التجمع الوطني للأحرار و الإستقلال، المراتب الثلاتة الاولى، وهي نفسها الأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها، وبعد الاطلاع على برامج هذه الأحزاب الثلاثة، وقراءة الوثائق المتوفرة حاليا حول مشروع قانون المالية المقبل (2027)، يدفعنا إلى القول أنه لن يكون هناك أي إشكال قانوني أو عملي حقيقي على مستوى ما تبقى من مسطرة إعداد هذا المشروع ومناقشته والتصويت عليه بالبرلمان.
فبرامج الأحزاب المرشحة للتواجد في تشكيلة الحكومة المقبلة ( وفق نتائج هذه الانتخابات) مستوحاة بل تكاد تتطابق، مع وثائق مشروع قانون المالية لسنة 2027 وتوجهاته الكبرى، بالشكل الذي يوحي أن هذه البرامج الانتخابية أعدت بالموازاة مع المشروع ومن داخل نفس المصنع؟ بحيث لن تحتاج الحكومة المقبلة على الأرجح، سوى إلى رتوشات شكلية صغيرة، قد تكون مرتبطة أساسا بإعادة الهيكلة الوزارية أكثر منها بتغيير جوهري في التوجهات المالية والاقتصادية الكبرى، ولربما ستتسارع الزمن وفق نفس الكيفية التي تم بها ايداع مشروع قانون المالية لسنة 2022 (في اكتوبر 2021) وادراج بعد التعديلات عن طريق اغلبيتها البرلمانية حين مناقشته داخل مجلسي البرلمان.
اترك تعليقاً