منتدى العمق

عنداك تقول!

كوثر نفيد

كلنا سمعناها، وكلنا قلناها يوما. وغالبا، عندما يقول لك أحدهم «غادي نقولها غير ليك»، من الأفضل ألا تسأل كم شخصا سبقك إلى هذا الـ «غير ليك».

في السياسة والإعلام، عندنا تسمية أكثر مهنية: الـOff.

والـOff مهم. بحكم عملي لسنوات مع الصحافة، أعرف قيمته جيدا. هناك أشياء لا يمكن أن تفهمها من بلاغ رسمي، وأحيانا معلومة صغيرة في الكواليس تفسر لك الكثير.

لكن، حسب ما كنت أعرف على الأقل، الـOff فيه شوية ديال الكتمان.

اليوم لست متأكدة.

في الفترة الأخيرة، أصبحنا نسمع كثيرا: «كنت عارف». «كانت عندي المعلومة». «وصلاتني من مصدر موثوق».

ومع بعض التعيينات الأخيرة، اكتشفنا أن عددا لا بأس به من الناس كانوا على علم بكل شيء. الحمد لله، أسرارنا بخير!

المثير بالنسبة لي ليس من كانت لديه المعلومة فعلا ومن لم تكن لديه. السؤال هو: لماذا أصبح مهما إلى هذه الدرجة أن نخبر الآخرين بأننا كنا نعرف؟

هنا تبدأ الحكاية.

لأن «كانت عندي المعلومة» لا تعني فقط أنني كنت أعرف. فيها أيضا شيء من: أنا قريب. عندي مصادر. كنهضر مع الناس اللي كيعرفو.

بمعنى آخر، الـOff أصبح أحيانا طريقة لإظهار القرب من دائرة القرار. نوع من الوجاهة، لكن بدون بطاقة عضوية.

ومؤخرا، وصلنا إلى شيء جديد أعجبني كثيرا: الـOff المباشر.

تصل المعلومة، وتخرج تقريبا في نفس الوقت. بميكتها!

ثم، بعد قليل، يأتي التوضيح.

وربما التصحيح.

هنا، بصراحة، ضحكت.

ليس بسبب الواقعة في حد ذاتها، بل لأنها تختصر شيئا نعيشه اليوم. أصبحنا مستعجلين على المعلومة لدرجة أننا أحيانا لا نعطيها الوقت الكافي لنتأكد أنها معلومة أصلا.

فالسياسة ليست «وصلني مساج وصافي».

هناك كلام يقال في الكواليس. هناك تفاوض. هناك احتمالات. هناك من يسرب خبرا ليرى ردود الفعل. وهناك من يتمنى شيئا، وبعد دورتين أو ثلاث، يصل إليك على أنه «تقرر».

ومن تجربة، السؤال الذي يهمني عندما تصلني معلومة ليس فقط: من قالها؟

بل أيضا: علاش قالها ليا؟

لأن الذي يعطيك الـOff قد يريد إخبارك، نعم. وقد يريد أيضا أن يستعملك لتمريره.

وهنا الفرق.

السوشيال ميديا زادت شوية الملح على الطعام. اليوم لا يكفي أن تكون عارفا، خاصك تثبت أنك كنت عارف.

بوست قديم، سكرينشوط، تاريخ وساعة، ثم بكل هدوء: «كما سبق أن قلت…»

ما بقى غير نديرو ترتيب أسبوعي ديال شكون عرف اللول.

طبعا، السبق مهم، والمعلومة مهمة، والقرب من مصادر القرار مهم أيضا. لا أحد يناقش هذا.

لكن ربما نسينا شيئا بسيطا: الـOff ليس وساما نعلقه على الصدر.

قيمته ليست فقط في أن يصلك قبل الآخرين، بل في أن تعرف ماذا تفعل به عندما يصل.

تتحقق؟ تنتظر؟ تستعمله لفهم الصورة؟ أم تجري لتقول للناس إنك كنت تعرف؟

كل واحد واختياره.

فقط، المرة المقبلة التي يقول لنا فيها أحدهم:

«عنداك تقول»

يمكن فعلا… ما نقولوش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *