أما بعد: تعنيف واعتقال المتظاهرين بطنجة.. هل أصبح الاحتجاج ضد التطبيع “خطا أحمر”؟
ليس من مصلحة المغرب أن يضع مواطنيه في مواجهة مواقفه الرسمية المعلنة من فلسطين

في بلد يؤكد ملكه على أن القضية الفلسطينية توجد في نفس مرتبة وحدته الترابية، وأن التطبيع مع إسرائيل لن يكون أبدا على حساب فلسطين، بلد تختلف فيه أحزابه السياسية في كل شيء إلا على القضية الفلسطينية، بلد تخرج فيه فئات واسعة من المواطنين لنصرة القضية بوتيرة شبه يومية، طيلة أشهر حرب الإبادة الجماعية في غزة -وما قبلها وما بعدها- ضمن مسيرات حاشدة ووقفات سلمية اعتاد المغاربة والعالم مشاهدتها، وشكلت جزءا من صورة حضارية راقية لبلد يقف إلى جانب المظلوم دائما وأبدا. لكن فجأة، يجد نفس المواطنون في هذا البلد أنفسهم عرضة للتعنيف والاعتقال، لا لشيء سوى لأنهم يواصلون الدفاع عن تلك القضية ويجددون رفضهم للتطبيع مع قاتلي الأطفال والنساء والشيوخ.
ما وقع في طنجة، أمس الأحد وأول أمس السبت، يضع هذه الصورة أمام مفارقة يصعب تجاهلها، فتحت أي مبرر يُعنف مواطنون، بينهم نساء وأطفال وكبار سن، تظاهروا بشكل سلمي رافعين صوتهم وأعلام فلسطين؟ هل لأنهم مارسوا حقهم الدستوري والقانوني في التعبير عن آرائهم بشكل سلمي؟ أم لأن ضمائرهم لم تستطع الصمت أمام مشاهد القتل الجماعي اليومي لإخوانهم في الدين واللغة والانتماء؟ أم لأن قلوبهم لا تزال تحتفظ بشيء من حب الآدمية والإنسانية والتضامن مع المظلومين والمستضعفين؟.
الذي نعرفه أن التظاهر السلمي حق دستوري، وليس امتيازا تمنحه السلطات حين ترتاح إلى مضمون الاحتجاج وتسحبه حين لا يعجبها، وإذا كانت هناك أسباب قانونية أو أمنية تستدعي منع وقفة معينة، فمن حق الرأي العام أن يعرفها، لأن الجميع يعلم أن المادة 29 من دستور المملكة تضمن حريات التجمهر والتظاهر السلمي، والأصل أن تتعامل السلطات مع ممارسة هذا الحق باعتباره تعبيرا عن حيوية المجتمع وتعدديته، لا باعتباره مشكلة ينبغي إنهاؤها بالقوة.
لذلك نتساءل عن الأسباب التي دفعت السلطات إلى استخدام القوة ضد متظاهري طنجة، هل تغير شيء ما لا نعلمه؟ نفس المتظاهرين شاهدناهم طيلة 3 سنوات في نفس الساحات، ونفس الشعارات كنا نسمعها، ونفس اللافتات والأعلام نراها، فلماذا تم السماح لهم بالتظاهر طيلة تلك المدة، ويُمنعون اليوم بالقوة؟.
فإذا كانت للسلطات اعتبارات قانونية أو أمنية أو تنظيمية تستند إليها في منع وقفة بعينها، فإن ذلك لا يعفيها من واجب توضيح هذه الاعتبارات، ولا يمنحها شيكا على بياض لاستعمال القوة أو المساس بسلامة المحتجين وكرامتهم، فحتى في الحالات التي يستدعي فيها تدخل الأمن، يظل مبدأ التناسب في استخدام القوة حاكما، وتظل حماية الأشخاص وضمان سلامتهم واجبا لا يسقط تحت أي مبرر.
أما توقيف المواطنين لمجرد مشاركتهم في احتجاج سلمي، فيطرح بدوره سؤال الضرورة القانونية: ما الأفعال المنسوبة إليهم؟ ما الداعي إلى اقتيادهم وتوقيفهم؟ هل كان هناك ما يبرر هذه الإجراءات بدل الاكتفاء بالتدابير الأقل تقييدا للحقوق والحريات؟ لأنه في النهاية لا يجوز أن يتحول التظاهر إلى شبهة في حد ذاته، ولا أن يصبح التعبير عن موقف سياسي أو إنساني مدخلا للتضييق على أصحابه، فالأمن الذي يحمي المواطنين هو الذي يصون حقهم في الاختلاف والتعبير، وليس الذي يجعلهم يخشون ممارسة حقوقهم الدستورية.
ثم إن القضية الفلسطينية كانت ولا زالت وستظل حاضرة بقوة في وجدان المغاربة الذين لطالما عبروا على امتداد سنوات وعقود، عن تضامن واسع معها من خلال المسيرات والوقفات والمبادرات الإنسانية وحملات التبرع والمقاطعة، وقد احتضنت مدن المملكة، من شمالها إلى جنوبها، تظاهرات متواصلة رفعت مطالب إنهاء الاحتلال وإسقاط التطبيع.
وفي هذه القضية تحديدا، لا يتعلق الأمر بمجرد خلاف سياسي حول خيار دبلوماسي، بل بموقف من معاناة إنسانية لا يمكن فصلها عن حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وعن صور الأطفال والنساء والأبرياء العزل الذين أزهقت أرواحهم آلة القتل الإسرائيلية.
إن عزلة إسرائيل دوليا تتصاعد، ومنسوب التنديد الرسمي والشعبي ضدها في العالم الغربي يتزايد يوما عن آخر، وسط اتساع حملات المقاطعة، وتصاعدت الدعوات إلى محاكمة القادة الإسرائيليين، ولعل مشاهد انسحاب قادة ووفود عشرات دول العالم أثناء صعود نتنياهو لإلقاء خطابه بالجمعية العامة الأخيرة للأمم المتحدة، يعكس ذلك بشكل واضح.
فإذا كان هذا الحق مكفولا في مجتمعات تختلف فيها المواقف السياسية وتتباين فيها التقديرات بشأن الحرب، فكيف يصبح التضامن مع فلسطين ورفض التطبيع في المغرب مدعاة للمنع المتكرر والتدخل الأمني؟
مواقف ملكية ثابتة
والمفارقة الأخرى أن التضييق لا يجري في مكان غريب عن فلسطين، بل في بلد يرأس ملكه لجنة القدس، ويؤكد رسميا أن ترسيخ مغربية الصحراء لن يكون على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، ولطالما شدد الملك محمد السادس، في مناسبات وخطابات متعددة، على ثبات الموقف المغربي من القضية الفلسطينية، وعلى ضرورة حماية القدس الشريف والدفاع عن الحقوق المشروعة للفلسطينيين، وهي مواقف يفترض أن تمنح التضامن الشعبي مع فلسطين مساحة أوسع، لا أن تجعل التعبير عنه مناسبة للتوتر بين المواطن والسلطة.
ففي خطابه خلال افتتاح الدورة العشرين للجنة القدس بمراكش، في 17 يناير 2014، أكد الملك على أن القضية الفلسطينية، بما فيها القدس الشريف، هي قضية الأمة الإسلامية جمعاء، وشدد على أن رئاسة لجنة القدس أمانة ومسؤولية كبرى، وليست مجرد حظوة أو وجاهة.
وفي رسالة ملكية إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، عقب تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل في 10 دجنبر 2020، عبر الملك عن ثبات الموقف المغربي الداعم للقضية الفلسطينية، وأن المغرب يضع دائما فلسطين في مرتبة قضية الصحراء المغربية، وأن “عمل المغرب من أجل ترسيخ مغربيتها لن يكون أبدا، لا اليوم ولا في المستقبل، على حساب نضال الشعب الفلسطيني من أجل نيل حقوقه المشروعة” حسب تعبير الملك، بما يعني أن فلسطين ظلت حاضرة في أجندة المغرب في عز ما يمكن أن نسميه “ضعف الموقف الجيوسياسي” للمملكة واضطرارها إلى توقيع التطبيع من أجل تكريس الدعم الأمريكي لمغربية الصحراء.
ثم ألم يقل الملك في رسالته خلال اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني في 29 نونبر 2023، إن “تفاقم الكارثة الإنسانية في غزة، والتمادي في استهداف المدنيين، يُسائل ضمير المجتمع الدولي، وخاصة القوى الفاعلة، ومجلس الأمن باعتباره الآلية الأممية المسؤولة عن حفظ الأمن والاستقرار والسلام في العالم، للخروج من حالة الانقسام، والتحدث بصوت واحد من أجل اتخاذ قرار حاسم ملزم بفرض الوقف الفوري والمستدام لإطلاق النار، واحترام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني”.
ألم يُقِم الملك -بعد أقل من عام على التطبيع- مأدبة عشاء في 18 يونيو 2021 في قصر الضيافة بالرباط على شرف قادة “حماس”، يتقدمهم رئيس الحركة السابق، الشهيد إسماعيل هنية، بحضور رئيس الحكومة وممثلي الأحزاب والنقابات المغربية وأعضاء من الجالية الفلسطينية، في زيارة تضمنت لقاءات بين وفد حماس ورؤساء مجلسي البرلمان وقادة الأحزاب السياسية، وزيارة مقر وكالة بيت مال القدس الشريف التي ترأس لجنتها الملك محمد السادس.
ألم تكن المواقف الملكية قبل التطبيع وبعده مواقف منسجمة؟ وكلها تضع القضية الفلسطينية على نفس كفة القضايا الوطنية المغربية؟ فهذه المواقف الرسمية ليست تفصيلا ثانويا يمكن تجاوزه عند مناقشة ما وقع في طنجة، بل هي جزء من الصورة التي يقدم بها المغرب نفسه إلى العالم: بلد يدافع عن مصالحه الوطنية، ويتمسك في الوقت نفسه بموقف معلن من القضية الفلسطينية، ويؤكد استمرار انخراطه في دعم القدس والفلسطينيين.
رفض التطبيع حق للمغاربة
السؤال الذي نطرحه هنا ليس ما إذا كان من حق الدولة أن تدير علاقاتها الخارجية وفق تقديراتها السياسية والاستراتيجية، فهذا أمر لا ينفيه أحد، بل ما إذا كان من المقبول أن يتسع هامش التدبير الدبلوماسي إلى درجة تضييق المجال أمام المواطنين الذين يرفضون التطبيع ويطالبون بمراجعته.
لماذا ينبغي أن يكون هناك تناقض بين موقف رسمي يعلن دعم فلسطين وحق المواطنين في التعبير عن هذا الدعم؟ ولماذا يصبح الشارع مصدر قلق حين يرفع شعارات تعكس، في جانب منها، ما تؤكده الخطابات الرسمية بشأن الحقوق الفلسطينية والقدس وضرورة احترام القانون الدولي؟
ثم إن رفض التطبيع ليس مرادفا لرفض الدولة، كما أن الاحتجاج على خيار دبلوماسي لا يعني بالضرورة استهداف المؤسسات، فمن حق المغاربة أن يختلفوا مع التطبيع، وأن يعبروا عن مخاوفهم من اتساع مجالاته، وأن يطالبوا بمراجعته، وليس من المعقول أن يُطلب منهم الصمت عن قضية بهذا الحجم، فقط لأن الدولة اختارت مسارا دبلوماسيا له حساباته وتقديراته.
إن التطبيع، مهما كانت الحسابات التي أفضت إليه، لا يمكن أن يتحول إلى اختبار لولاء المواطنين، ولا إلى مقياس لمدى استحقاقهم ممارسة حقوقهم الدستورية، كما من حق المغاربة أن يناقشوا علاقات بلادهم بإسرائيل، وأن يعترضوا عليها، وأن يطالبوا بمراجعتها، ما داموا يمارسون ذلك في إطار القانون وبوسائل سلمية، وإلا من الذي يدفع في اتجاه وضع بيض المغاربة كلهم في سلة واحدة؟.
وإذا كان المغرب يحرص على تقديم نفسه باعتباره بلدا يدافع عن القضية الفلسطينية، فإن من مصلحته أن يظل هذا الدعم ظاهرا في حيوية مجتمعه وقدرة مواطنيه على التعبير عنه، لأن الصورة التي تصنعها المواقف الرسمية تكتمل بحرية المجتمع، ولا تكتمل بتقييد أصواته، ولا شيء يسيء إلى هذه الصورة أكثر من أن يرى العالم مواطنين يرفعون شعارات التضامن مع فلسطين فيواجهون بالمنع والتوقيف، بينما يستمر الخطاب الرسمي في التأكيد على عدالة القضية وثبات الموقف منها.
وهنا نؤكد أنه إذا كانت للدولة اعتباراتها في تطبيع العلاقات أو رفضها مع أي كان، فإن القوى الحية في المجتمع يجب أن تبقى دائما مع خط المقاومة والإنسانية والقضايا العادلة، لأنه لو افترضنا أن الدولة استشعرت خطر هذه الهرولة غير المسبوقة نحو كل ما هو إسرائيلي، وأرادت التراجع عن التطبيع في يوما ما، فإنها ستجد في المجتمع دعما وسندا ومبررا، ومنه حتى المؤسسات الأمنية والسلطات الإقليمية والمحلية يجب أن تكون واعية بهذا التحدي. لكن للأسف كثيرون ارتموا في أحضان التطبيع بما يحرج الدولة ويورطها ويقص أجنحتها ويضعف قدرتها التفاوضية مع كيان خبيث ذو خلفية احتلالية يتنزع أكثر مما يعطي.
ولذلك من الضرورة أن تعي السلطات أن الموقف الرسمي من فلسطين لا يفقد معناه بسبب اختلاف المغاربة حول التطبيع، كما أن الاحتجاج على التطبيع لا ينبغي أن يُقرأ تلقائيا باعتباره مواجهة مع الدولة أو مؤسساتها، فالمغرب ليس مجتمعا أحادي الصوت، ولا يفترض أن تكون له رواية واحدة في كل القضايا السياسية والدولية.
بل إن قوة صورته تكمن في قدرته على استيعاب هذا التعدد، وعلى الفصل بين الاختلاف بشأن الخيارات الدبلوماسية وبين الحق في التعبير السلمي عنها، أما التضييق على المحتجين، فإنه يفتح الباب أمام قراءة مغايرة تماما، مفادها أن التضامن مع فلسطين مرحب به في الخطاب الرسمي، لكنه يصبح موضع تضييق حين يتخذ صورة احتجاج شعبي يرفض التطبيع صراحة.
لذلك فإن التعامل الأمني مع الاحتجاجات لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لحسم خلاف سياسي أو لإبعاد قضية محرجة عن الشارع، وإذا كان التطبيع خيارا للدولة، فإنه ليس ملزما بأن يصبح خيار جميع المواطنين، ولا ينبغي أن تكون حمايته مقدمة على ضمان حقهم في رفضه سلميا، لأن الدولة الواثقة من اختياراتها لا تخشى النقاش بشأنها، والمؤسسات القوية لا تحتاج إلى إسكات الأصوات المخالفة حتى تثبت قوتها.
وعليه، فإن ما حدث في طنجة يستدعي توضيح أسباب التدخل، والتحقيق في التوقيفات والإصابات المبلغ عنها، وتحديد المسؤوليات عند ثبوت أي تجاوز، ووضع حد لهذا التكرار الذي يسيء إلى الثقة بين المواطنين والمؤسسات، كما يستدعي مراجعة طريقة تدبير هذه الاحتجاجات بما يضمن الحق في التعبير، ويحفظ الأمن العام من دون المساس بالحقوق والحريات.
فليس من مصلحة المغرب أن يضع مواطنيه في مواجهة مواقفه الرسمية المعلنة من فلسطين، ولا أن يسمح بتكريس انطباع مفاده أن التضامن معها مقبول ما دام خطابا، لكنه يصبح مشكلة حين يتحول إلى احتجاج يرفض التطبيع، لأن الجميع يعلم أن فلسطين ليست قضية طارئة في وجدان المغاربة، ولا ينبغي أن يصبح الدفاع عنها في الشارع عبئا أمنيا.
اترك تعليقاً