استقلالية الجامعة المغربية: هل يكفي القانون الجديد من دون موارد كافية؟

هل تستطيع الجامعة المغربية أن تصبح قاطرة للتنمية المجالية، بينما تظل قدرتها على تدبير مواردها واتخاذ قراراتها مقيدة إدارياً ومالياً؟
مع كل دخول جامعي، تتجدد الآمال في جامعة مغربية أجود وأكثر انفتاحاً وقدرة على إعداد الشباب للمستقبل. لكن السؤال الأعمق لا يتعلق بعدد المؤسسات أو المسالك، بل بالشروط التي تمكّن الجامعة من أداء رسالتها: هل تملك حرية القرار والموارد والمرونة الإدارية اللازمة لتحويل أهدافها إلى إنجازات؟
يفتح القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، الصادر في فبراير 2026، فرصة لإعادة التفكير في حكامة الجامعة وموقعها التنموي. غير أن قيمة الإصلاح لا تقاس بوعوده، بل بما يغيّره فعلياً في حياة المؤسسات والطلبة والباحثين. فالتحدي ليس إعلان الاستقلالية، بل جعلها قابلة للممارسة، ممولة بما يكفي، ومقترنة بالمساءلة.
1. من إصلاح المنظومة إلى إصلاح قدرتها على الإنجاز
منذ 1999، توالت إصلاحات استهدفت توسيع الولوج، وتجديد الهندسة البيداغوجية، وتطوير البحث العلمي وتحسين الحكامة؛ من القانون 01.00 إلى الرؤية الاستراتيجية 2015–2030، والقانون الإطار 51.17، وبرنامج تسريع تحول منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. وقد توسع العرض الجامعي، وتطورت المسالك والرقمنة والتعاون الدولي.
لكن استمرار الاكتظاظ واختلالات التأطير والتجهيز والتنفيذ يبيّن أن تحديث البرامج والهياكل لا يكفي. فقد تمتلك الجامعة رؤية وكفاءات، ثم تتعثر في اقتناء معدات مختبرية أو إصلاح بناية أو استكمال مشروع رقمي. والاستراتيجية التي لا تستند إلى موارد كافية وآليات مرنة قد تبقى وثيقة محدودة الأثر.
ليس كل تعثر ناتجاً عن نقص التمويل؛ فقد يرتبط بالتخطيط أو التنسيق أو التقييم. لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين مسؤولية المؤسسة عن حسن تدبير المتاح، ومسؤولية المنظومة عن توفير الشروط الضرورية. والسؤال الأجدى اليوم هو: ما الذي يمنع الجامعات من تنفيذ الإصلاحات المقررة؟
2. استقلالية معترف بها قانوناً، ولكن إلى أي حد في الممارسة؟
يعترف القانون 59.24 للجامعة العمومية بالشخصية الاعتبارية والاستقلالية الإدارية والمالية والبيداغوجية والعلمية. وفي المقابل، تخضع الجامعات للمراقبة المالية للدولة وللوصاية القانونية. ولا تتعارض الرقابة، في ذاتها، مع الاستقلالية؛ فحماية المال العام والشفافية والمحاسبة ضرورية.
يبدأ الإشكال حين تؤدي كثرة المصادقات أو تداخل الاختصاصات أو بطء الإجراءات إلى تعطيل القرار. فكيف تُحاسَب الجامعة على أهداف استراتيجية إذا لم تستطع التحكم في آجال إنجاز عملياتها الأساسية؟ وكيف تستجيب للتحولات التكنولوجية إذا تأخرت حاجاتها إلى التجهيز والصيانة؟
الاستقلالية ليست اختصاصاً مكتوباً فحسب، بل قدرة على اتخاذ القرار ضمن حدود واضحة، وتعبئة الموارد، والتنفيذ في أجل معقول، وتحمل المسؤولية عن النتائج. وهي تتطلب ثلاثة مستويات متكاملة: استقلالية قانونية، ومرونة تشغيلية، وقدرة مالية على ترتيب الأولويات. وقد يقرّ القانون المستوى الأول، لكن تفعيل المستويين الآخرين يحتاج إلى تنظيمات واضحة، ومساطر مبسطة، وكفاءات مؤهلة، وتمويل ملائم.
فالجامعة التي تتحمل مسؤولية النتائج من دون صلاحيات تنفيذية كافية، تتحمل جزءاً من المسؤولية من دون امتلاك جميع أدوات الفعل.
3. المفارقة الكبرى: مسؤوليات متزايدة وإمكانات محدودة
لا يمكن مطالبة الجامعات بتوسيع التكوين، وتحسين التأطير، وتطوير المختبرات والرقمنة والخدمات الاجتماعية والبحث والتعاون الدولي، من دون موارد مالية كافية ومستقرة. فالجامعة تحتاج إلى أساتذة وباحثين وأطر إدارية وتقنية، وتجهيزات ومكتبات وقواعد بيانات وصيانة وخدمات رقمية وتمويل للبحث والابتكار.
ومع تزايد أعداد الطلبة، ترتفع كلفة الخدمات. وإذا لم تواكب الموارد البشرية والتجهيزات والاعتمادات هذا التوسع، فقد تتراجع شروط التأطير، وتتأجل الاستثمارات، وتتراكم حاجات الصيانة، ويضيق هامش المبادرة. ولتقييم حجم الفجوة بدقة، ينبغي نشر بيانات محينة عن الاعتمادات، وكلفة الطالب، وحاجات البنيات التحتية، ونفقات التجهيز والصيانة، وتمويل البحث، والفوارق بين الجامعات.
فالتمويل المحدود لا يقلص عدد المشاريع الممكنة فقط، بل قد يضعف قدرة الجامعة على استباق التحولات؛ إذ يفقد المختبر أو البرنامج التكويني جزءاً من جدواه إذا تأخر حتى تتغير الحاجات التي أُحدث من أجلها. والتمويل الجامعي استثمار في الرأسمال البشري والابتكار والقدرة الإنتاجية والتماسك المجالي، لا مجرد نفقة.
ولا تكفي زيادة الاعتمادات وحدها؛ المطلوب تمويل عمومي مستقر ومتوقع، وتدبير فعال، ومساءلة عن النتائج.
4. البيروقراطية: حين تتحول المسطرة من ضمانة إلى عائق
إذا كان التمويل يحدد حجم الإمكانات، فإن الإدارة تحدد سرعة تحويلها إلى إنجاز. فقد يتوفر المشروع على الاعتمادات والتصور التقني، ثم يتأخر بسبب تعقيد الإجراءات أو تداخل المسؤوليات أو نقص الخبرة المتخصصة. وهكذا لا تكون المشكلة في غياب المال فقط، بل في ضعف القدرة على تحويل المتاح إلى خدمة أو تجهيز.
ولا تعني مكافحة البيروقراطية تجاوز قواعد الصفقات والمحاسبة والرقابة؛ فهي ضرورية للنزاهة وحماية المال العام. المطلوب تحديث تطبيقها، وتبسيط المساطر حيث يسمح القانون، وتحديد المسؤوليات والآجال، وتأهيل الأطر، ورقمنة تتبع الملفات. وينبغي التمييز بين رقابة تمنع التجاوزات وأخرى تكرر فحص الملف نفسه دون قيمة مضافة.
تحتاج الجامعة إلى إدارة محترفة ورقابة فعالة، لا إلى تعدد غير منتج للمصادقات. كما تحتاج إلى نظام معلومات يربط البرمجة بالميزانية والصفقات والإنجاز، ويكشف مواضع التأخير وأسبابه. فإصلاح الإدارة شرط لتحسين مردودية كل درهم ينفق على التعليم العالي.
5. القانون الجديد: فرصة مشروطة لا ضمانة تلقائية
يوفر القانون 59.24 إطاراً جديداً لحكامة الجامعات وتعزيز استقلاليتها وعلاقتها بمحيطها، وتنويع تمويل البحث والابتكار. كما يتضمن توجهات لتعبئة الموارد المالية للبحث وتبسيط مساطر صرف النفقات المرتبطة بمشاريعه. غير أن هذه التوجهات تحتاج إلى تنزيل يحدد الاختصاصات وآليات العمل والموارد والنتائج.
فتغيير الهياكل لا يغيّر الأداء تلقائياً إذا ظلت الاختناقات المالية والإدارية قائمة. وينبغي قياس نجاح القانون بقدرته على تقليص الفجوة بين القرار والإنجاز، وبين المسؤولية والوسائل.
كما أن تنويع التمويل لا ينبغي أن يعني انسحاب الدولة من مسؤوليتها. يمكن تطوير التكوين المستمر والبحث التعاقدي والخدمات العلمية والشراكات، لكن الموارد الذاتية يجب أن تكمل التمويل العمومي لا أن تحل محله. وينبغي أن تراعي سياسة التمويل اختلاف حاجات الجامعات وكلفة التخصصات ووضع البنيات التحتية والمهام الاجتماعية؛ فالعدالة لا تعني التوزيع الحسابي المتساوي، بل تخصيص الموارد وفق معايير شفافة ومنصفة.
6. من استقلالية الجامعة إلى تنمية المجال الترابي
تتصل الاستقلالية والموارد مباشرة بمستقبل التنمية المجالية. فالجامعة القادرة على القرار والتنفيذ تستطيع أن تشارك في تحديد أولويات الجهة، وتطور التكوين المستمر، وتوجه البحث إلى قضايا الماء والفلاحة والصناعة والصحة والبيئة والرقمنة، وتنتج الخبرة اللازمة لتقييم السياسات العمومية.
ولا تتحمل الجامعة مسؤولية التنمية وحدها؛ فهي مسؤولية مشتركة بين الدولة والجهات والجماعات الترابية والمقاولات والمؤسسات العمومية. لكنها تصبح محركاً أساسياً حين تنتقل من مجرد الحضور داخل المجال إلى إنتاج معرفة يحتاج إليها، وتكوين كفاءات تطوره، والمساهمة في حل مشكلاته. ويتطلب ذلك استقلالية للمبادرة، وتمويلاً للتنفيذ، وإدارة مستجيبة، وشراكات محددة الأهداف وقابلة للقياس.
7. خارطة طريق: تمويل كافٍ، وقرار أسرع، ومساءلة أوضح
أولاً، إنجاز تشخيص مالي وطني شفاف ينشر معطيات الموارد وكلفة الطالب وحاجات الصيانة والتجهيز وتمويل البحث والفوارق بين المؤسسات؛ فهو أساس أي نقاش جدي حول كفاية التمويل.
ثانياً، إبرام عقد استقلالية وأداء لكل جامعة يحدد الأهداف والصلاحيات والموارد والنتائج، ويمنح هامشاً واضحاً للمبادرة مقابل تقييم منتظم وشفاف.
ثالثاً، إطلاق برنامج لتبسيط الإدارة: مراجعة المساطر المعطلة، وتحديد آجال للملفات، ورقمنة تتبع المشاريع، وتأهيل الأطر، مع صون الشفافية والمنافسة وحماية المال العام.
رابعاً، تنويع الموارد الذاتية والشراكات والبحث التعاقدي والتكوين المستمر، بالتوازي مع تمويل عمومي مستقر وآليات تضامن تراعي الفوارق بين الجامعات والجهات.
خامساً، تقييم الأثر لا الأنشطة وحدها، عبر قياس آجال إنجاز المشاريع، وظروف التعلم، والبحث والابتكار، وجودة الخدمات، ومساهمة الجامعة في التنمية المجالية، مع نشر النتائج. ويمكن البدء بالتشخيص ومعالجة الاختناقات العاجلة، ثم إبرام عقود ممولة، يليها تقييم مستقل وتصحيح مستمر.
خاتمة: لا استقلالية بلا وسائل، ولا تمويل بلا مسؤولية
هل يستطيع القانون الجديد تحرير الجامعة من قيودها الإدارية والمالية وجعلها قاطرة للتنمية المجالية؟ إنه يفتح الباب، لكنه لا يضمن التحول وحده. فالاستقلالية من دون موارد كافية محدودة الأثر، والتمويل من دون إدارة فعالة يفقد جزءاً من مردوديته، والصلاحيات من دون مساءلة قد تفضي إلى سوء التدبير.
ليس الاختيار بين استقلالية الجامعة ورقابة الدولة، ولا بين زيادة التمويل وتحسين التدبير؛ بل المطلوب استقلالية مسؤولة، وتمويل عمومي مستدام، وإدارة مرنة، ورقابة تحمي المال العام من دون شل المبادرة. والرهان ليس إعفاء الجامعة من القيود المشروعة، بل تحريرها من التعقيدات غير الضرورية وتمكينها من أداء وظائفها ومساءلتها عن نتائجها.
فلا جامعة مستقلة حقاً من دون قدرة على الفعل، ولا تنمية مجالية مستدامة من دون جامعة تحول المعرفة إلى قيمة، ولا إصلاح ناجح من دون تناسب المسؤوليات مع الصلاحيات والموارد. ذلك هو الامتحان الحقيقي للقانون الجديد: أن يجعل الاستقلالية ممكنة في الممارسة، وأن يحولها إلى قوة اقتراح وابتكار وتنمية في خدمة المغرب ومواطنيه.
اترك تعليقاً