وجهة نظر

محمد السادس.. ملك شباب الأمس واليوم والغد

محمد السادس.. ملك شباب الأمس واليوم والغد

لماذا يستحق الملك محمد السادس أن يوصف بملك الشباب؟ وهل يتعلق الأمر بمجرد اهتمام ملكي بفئة عمرية، أم برؤية استراتيجية تعتبر الشباب رأسمال المغرب الحقيقي، ورافعة نهضته، وضمانة استمراريته؟

منذ اعتلائه عرش المملكة المغربية سنة 1999، احتلت قضايا الشباب موقعاً بارزاً في التوجهات الملكية، ليس باعتبار الشباب مجرد فئة اجتماعية تحتاج إلى الرعاية والمواكبة، وإنما بوصفهم قوة مجتمعية قادرة على صناعة التحولات، والمساهمة في بناء مغرب الحداثة والديمقراطية والتنمية.

ولعل المتأمل في الخطب الملكية على امتداد أكثر من ربع قرن، يلاحظ أن الشباب ظلوا حاضرين في مختلف المحطات الكبرى، من إصلاح التعليم والتكوين إلى التشغيل والمقاولة، ومن المشاركة السياسية والمدنية إلى التنمية البشرية والحماية الاجتماعية، وصولاً إلى التحولات الرقمية والرهانات المستقبلية.

إنه اهتمام يتجاوز حدود الظرفية السياسية، ليعكس قناعة راسخة مفادها أن الأوطان لا تُبنى فقط بما تمتلكه من ثروات طبيعية أو إمكانات اقتصادية، وإنما بما تستثمره في الإنسان، وفي مقدمة ذلك شبابها.

شباب الأمس.. من الرعاية إلى بناء الثقة

عندما تولى الملك محمد السادس العرش، كان المغرب يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية عميقة، في مقدمتها البطالة والهشاشة والفوارق المجالية وصعوبة إدماج فئات واسعة من الشباب في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وقد شكل إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005 محطة بارزة في هذا المسار، باعتبارها ورشاً ملكياً يضع الإنسان في صلب السياسات التنموية، ويفتح المجال أمام المبادرات المحلية والمشاريع المدرة للدخل والإدماج الاجتماعي والاقتصادي.

ولم يكن الشباب مجرد مستفيدين من هذه الدينامية، بل أصبحوا تدريجياً فاعلين في النسيج الجمعوي والتنموي، ومساهمين في بلورة مشاريع القرب والتضامن والمواطنة.

ومن خلال تجربتي في العمل الجمعوي والتنموي، أدركت أن الاستثمار في الشباب لا يختزل في توفير الدعم المادي أو فرص التكوين، وإنما يبدأ بمنحهم الثقة، والإنصات إلى تطلعاتهم، وفتح المجال أمامهم لتحمل المسؤولية.

لقد كان شباب الأمس في حاجة إلى من يؤمن بقدراتهم، ويمنحهم فرصة إثبات الذات. وكان الرهان الملكي على التنمية البشرية تعبيراً عن أهمية الانتقال من منطق الإحسان الظرفي إلى منطق التمكين وبناء القدرات.

شباب اليوم.. من الاعتراف بالطاقات إلى المطالبة بالنتائج

إذا كان شباب الأمس يطمحون إلى الاعتراف والاندماج، فإن شباب اليوم يطالبون، وبصوت أكثر وضوحاً، بالفرص والكرامة والعدالة المجالية والمساواة في الولوج إلى التعليم الجيد والتكوين والشغل والخدمات الأساسية.

وقد شكل الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لثورة الملك والشعب، في 20 غشت 2018، محطة مهمة في تشخيص إشكالية تشغيل الشباب، حيث دعا الملك إلى اتخاذ تدابير عملية لمعالجة اختلالات منظومة التكوين والتشغيل، وتعزيز الملاءمة بين التكوين وحاجيات سوق العمل.

إن أهمية هذه التوجيهات تكمن في إدراك أن مشكلة الشباب ليست مرتبطة دائماً بغياب المؤهلات أو ضعف الطموح، بل ترتبط أيضاً بقدرة المؤسسات والسياسات العمومية على تحويل تلك المؤهلات إلى فرص حقيقية.

وهنا تبرز إحدى القضايا المركزية في المشروع التنموي المغربي: لا يكفي أن نكوّن الشباب، بل ينبغي أن نوفر لهم بيئة تسمح بتحويل المعرفة إلى إنتاج، والطموح إلى مبادرة، والكفاءة إلى قيمة مضافة.

كما أن التفاوت بين شباب المدن وشباب العالم القروي يطرح تحدياً مضاعفاً. فلا يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص عندما تكون المسافة إلى المدرسة أو مركز التكوين أو المستشفى أو فرصة العمل عاملاً حاسماً في تحديد المستقبل.

إن العدالة المجالية ليست مجرد توزيع عادل للتجهيزات، بل هي أيضاً توزيع عادل للأمل.

شباب الغد.. الرأسمال الحقيقي لمغرب المستقبل

لم يعد ممكناً التفكير في مستقبل المغرب بمنطق اقتصادي تقليدي، في عالم يشهد تحولات متسارعة بفعل الذكاء الاصطناعي والرقمنة والاقتصاد الأخضر والتغيرات الديمغرافية والمناخية.

وشباب الغد لن يواجهوا التحديات نفسها التي واجهها شباب الأمس، بل سيكونون مطالبين بامتلاك مهارات جديدة، والقدرة على التعلم المستمر والتكيف والابتكار.

ومن هنا، فإن الاستثمار في الشباب ينبغي أن يتحول إلى سياسة استباقية، لا تكتفي بمعالجة البطالة بعد ظهورها، وإنما تستشرف المهن المستقبلية وتعيد بناء العلاقة بين المدرسة والجامعة والتكوين المهني والمقاولة.

فالمغرب الذي يطمح إلى تعزيز مكانته الإقليمية والدولية يحتاج إلى جيل يمتلك المعرفة والكفاءة والثقة في المؤسسات، وقادر على الجمع بين التشبث بالهوية الوطنية والانفتاح على العالم.

إن شباب الغد ليسوا مجرد امتداد ديمغرافي للأجيال السابقة، وإنما هم أصحاب الحق في رسم ملامح المستقبل والمشاركة في صناعة قراراته.

من الخطب الملكية إلى السياسات العمومية.. أين تكمن المسؤولية؟

إن تتبع حضور قضايا الشباب في التوجيهات الملكية يكشف عن استمرارية واضحة في الاهتمام بهذا الملف، لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه اليوم هو: إلى أي حد نجحت السياسات العمومية في ترجمة هذا الاهتمام إلى نتائج ملموسة في حياة الشباب؟

فالتوجيه الملكي يرسم الأفق، بينما تتحمل الحكومة والقطاعات الوزارية والمؤسسات الترابية والفاعلون الاقتصاديون والمدنيون مسؤولية التنفيذ والتقييم.

ولا يمكن قياس نجاح السياسات الموجهة للشباب بعدد البرامج المعلنة أو الاتفاقيات الموقعة أو الاعتمادات المرصودة وحدها، بل بمدى قدرتها على تحسين شروط عيش الشباب وتوسيع فرص مشاركتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ومن هذا المنطلق، فإن الوفاء لروح التوجيهات الملكية يقتضي الانتقال من ثقافة الإعلان عن المشاريع إلى ثقافة قياس الأثر، ومن تدبير حاجيات الشباب بالنيابة عنهم إلى إشراكهم في تحديد الأولويات وصناعة الحلول.

فالشباب لا يحتاجون فقط إلى سياسات تتحدث عنهم، بل إلى مؤسسات تستمع إليهم، وتثق في قدراتهم، وتفتح أمامهم أبواب المبادرة والمسؤولية.

محمد السادس.. ملك الشباب عبر الأجيال

إن وصف الملك محمد السادس بملك شباب الأمس واليوم والغد لا ينبغي أن يكون مجرد تعبير احتفائي، بل قراءة لمسار من التوجهات الملكية التي جعلت تأهيل الإنسان المغربي، وخاصة الشباب، من القضايا المستمرة في المشروع التنموي للمملكة.

ملك شباب الأمس، لأن مرحلة بداية العهد الجديد ارتبطت بتوسيع أوراش التنمية البشرية والإدماج الاجتماعي.

وملك شباب اليوم، لأن قضايا التعليم والتكوين والتشغيل والمشاركة والإنصاف الاجتماعي والمجالي ظلت حاضرة في التوجيهات الملكية.

وملك شباب الغد، لأن بناء مغرب المستقبل يظل رهيناً بالاستثمار في الأجيال الصاعدة، وتأهيلها لمواجهة تحديات عالم سريع التحول.

غير أن القيمة الحقيقية لهذا المسار لا تقاس بالأوصاف والشعارات، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع من فرص وإنجازات وكرامة وأمل.

فلا مستقبل لوطن لا يثق في شبابه، ولا نهضة حقيقية دون مشاركة الأجيال الجديدة في بنائها.

والشباب ليسوا فقط مستقبل المغرب، بل هم حاضره وذاكرته وقوته المتجددة.

ومن هنا يمكن فهم معنى الحديث عن محمد السادس ملك شباب الأمس واليوم والغد: إنه عنوان لاستمرارية الرهان على الإنسان، ومسؤولية جماعية لتحويل هذا الرهان إلى واقع ملموس، حتى لا يبقى الأمل مجرد وعد بالمستقبل، بل يصبح حقاً يعيشه الشباب اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *