وجهة نظر

المغرب في لحظة إعادة ترتيب الأولويات

المغرب في لحظة إعادة ترتيب الأولويات

يشكل انعقاد المجلس الوزاري برئاسة الملك محمد السادس، وما رافقه من تقديم فوزي لقجع للمعطيات والتوجهات المالية، إلى جانب الرسائل الاستعجالية الموجهة إلى الملك، وتصاعد انتظارات المواطنين، واستعدادات المعارضة، واقتراب الاستحقاقات الجماعية لسنة 2027، مدخلاً لقراءة المشهد السياسي المغربي في لحظة تتقاطع فيها رهانات تدبير الدولة للمرحلة المقبلة مع المطالب الاجتماعية، وإعادة تشكيل التوازنات السياسية وتموقع الأحزاب عقب الانتخابات التشريعية لسنة 2026.

الا انه ينبغي ألا نتعامل مع هذه العناصر باعتبارها أحداثا منفصلة، ولا أن نفترض وجود علاقة سببية مؤكدة بينها قبل التحقق من الوقائع. والأجدى هو وضعها ضمن إطار تحليلي واحد، يقوم على خمسة أسئلة: ما الذي تريد الدولة تحقيقه في المرحلة المقبلة، وما الأولويات التي تعكسها القرارات الملكية والحكومية؟ ماذا تكشف المؤشرات المالية عن الإمكانات الفعلية للاستجابة للمطالب الاجتماعية؟ هل تتحول انتظارات المواطنين إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والمحاسبة؟ كيف ستعيد الأحزاب، سواء في الأغلبية أو المعارضة، ترتيب أوراقها بعد انتخابات 2026؟ هل ستكون الانتخابات الجماعية لسنة 2027 مجرد استحقاق محلي، أم اختبارا لمدى تجدد الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة؟

ان الأطروحة المركزية هنا هي أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة المؤسسات على تحويل التوجهات السياسية والموارد المالية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين، في وقت تستعد فيه الأحزاب لإعادة بناء مواقعها الانتخابية. ومن هذه الزاوية، لا تنفصل السياسة المالية عن السياسة الاجتماعية، ولا تنفصل فعالية الحكومة عن شرعية التمثيل الانتخابي.

أولا: المجلس الوزاري في 17 أكتوبر 2026: ما الرسالة السياسية وراء الأولويات الجديدة؟ فقد ترأس الملك محمد السادس، يوم السبت 17 أكتوبر 2026، مجلسا وزاريا خصص للتداول والمصادقة على التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، بعد يوم واحد من تعيين الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري. وقدم فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، خلال الاجتماع الخطوط العريضة للمشروع. وتكمن أهمية هذا التوقيت في أن الحكومة الجديدة دخلت مباشرة مرحلة الاختبار المالي والسياسي. فلم يعد الأمر مقتصرا على تشكيل الأغلبية وتوزيع الحقائب، بل أصبح يتعلق بكيفية ترجمة البرنامج الحكومي إلى أولويات وموارد وإجراءات قابلة للتنفيذ.

وقد حددت التوجهات العامة لمشروع قانون المالية خمس أولويات اساسية:

1- استعادة القدرة الشرائية وتوطيد أسس الدولة الاجتماعية.

2- إدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل اللائق.

3- تسريع الجهوية المتقدمة والجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.

4- تعزيز السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية.

5- بناء اقتصاد قادر على تمويل الطموحات الاجتماعية والاستراتيجية، مع الحفاظ على التوازنات المالية.

1. من تدبير المالية إلى تدبير الثقة، إن تقديم القدرة الشرائية والتشغيل ضمن الأولويات الأولى يحمل دلالة سياسية واضحة: فلا يكفي أن تحقق المؤشرات الاقتصادية تحسنا إذا لم يشعر المواطن بانعكاسه على حياته اليومية. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات العمومية بمعدل النمو وحده، وإنما أيضا بقدرته على توفير السكن والغذاء والعلاج، وبمدى حصول أبنائه على تعليم جيد وفرص عمل مستقرة. ومن هنا يظهر التحدي الحقيقي للحكومة الجديدة: كيف يمكن تحويل المؤشرات الاقتصادية الإيجابية إلى شعور اجتماعي ملموس بالتحسن؟

2. خمسة أولويات، لكن بأي ترتيب تنفيذي؟ يمكن قراءة الأولويات الخمس باعتبارها محاولة للجمع بين ثلاثة مستويات متداخلة:

المستوى الاجتماعي: ويهم القدرة الشرائية والصحة والتعليم والسكن والتشغيل.

المستوى الترابي والاستراتيجي: ويهم التنمية المحلية، والماء والطاقة والغذاء والرقمنة.

المستوى المالي والإنتاجي: ويهم الاستثمار والنمو والتوازنات المالية.

الا أن إعلان الأولويات لا يعني إنجازها. فالاختبار يبدأ عندما تتحدد الاعتمادات المالية، والجهات المسؤولة، والآجال، ومؤشرات قياس النتائج. وإذا لم تتحول هذه الأولويات إلى التزامات قابلة للتقييم والمحاسبة، فقد تبقى الفجوة قائمة بين الخطاب الرسمي والتجربة اليومية للمواطن.

ثانيا: تقرير فوزي لقجع المالي لسنة 2026، ماذا تقول الأرقام؟ انه من الضروري ينبغي هنا التمييز بين التقرير المالي المرتبط بسنة 2026، والتوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027. فالمجلس الوزاري الأخير تناول المشروع الثاني، بينما عرض فوزي لقجع، بصفته وزير الاقتصاد والمالية الجديد، التقديرات الاقتصادية والمالية للسنة الجارية في سياق تقديم التوجهات المقبلة. وبحسب المعطيات التي عرضها أمام المجلس الوزاري، يُتوقع أن يبلغ النمو الاقتصادي 4.7% في نهاية 2026، وأن يستقر التضخم عند 0.7%، مع خفض عجز الميزانية إلى 3% من الناتج الداخلي الخام. وهذه توقعات معلنة وليست حصيلة نهائية مدققة للسنة كاملة.

1. النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة تحسن مستوى المعيشة، فقد يرتفع النمو، وقد ينخفض التضخم وفق المؤشرات الرسمية، ومع ذلك تستمر فئات واسعة من المواطنين في الشعور بالضغط الاقتصادي. والسبب في ذلك أن معدل التضخم يقيس تغير الأسعار خلال فترة محددة، ولا يعني أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة. فتباطؤ ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة انخفاضها. كما أن متوسط النمو الاقتصادي لا يكشف وحده عن كيفية توزيع ثمار النمو بين الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية. لذلك، ينبغي أن يتجاوز النقاش المالي سؤال: كم حقق الاقتصاد من النمو؟ إلى أسئلة أكثر اهمية: هل تحسنت القدرة الشرائية للأسر؟ هل ارتفعت فرص الشغل المستقر؟ هل تراجع العبء المالي للعلاج والتعليم والسكن؟ هل استفادت المناطق الأقل تجهيزا من الاستثمار العمومي؟ هل تحسن وضع المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة؟ فهذه الأسئلة هي التي تمنح الأرقام المالية معناها الاجتماعي والسياسي.

2. خمسة وعشرون مليار درهم للتنمية الترابية: الرهان على النتائج، ان من أبرز المعطيات التي أُعلن عنها تخصيص اعتمادات مالية تبلغ 25 مليار درهم لتسريع الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة. كما يتضمن المشروع المرتقب برنامجا وطنيا مندمجا للشباب للفترة 2027–2031، يربط التكوين والمواكبة المهنية بإمكانات التمويل والوصول إلى الأسواق.

وتبرز هنا ثلاثة تحديات اساسية:

أولا، عدالة التوزيع: وتعني كيف ستوزع الموارد بين الجهات والأقاليم والجماعات؟ وما المعايير المعتمدة لتحديد الأولويات؟

ثانيا، حكامة التنفيذ: وتعني كيف ستتوزع المسؤوليات بين الدولة والجهات والجماعات الترابية؟ وكيف ستتم مراقبة الإنجاز؟

ثالثا، قياس الأثر: وتعني هل سيقاس نجاح البرامج بحجم الأموال المصروفة والمشاريع المعلن عنها، أم بعدد فرص الشغل المحدثة، وتحسن الخدمات، وتقليص الفوارق المجالية؟

إن الرهان هنا لا يتعلق فقط بحجم الاعتمادات المرصودة، بل بقدرة المؤسسات على تحويلها إلى خدمات وفرص ومشاريع مستدامة.

3. فوزي لقجع أمام اختبار مزدوج، مما لا شك فيه، ان وزارة الاقتصاد والمالية تكتسي أهمية خاصة في هذه المرحلة، لأنها توجد عند نقطة التقاء الوعود الاجتماعية بالموارد المتاحة والالتزامات المالية للدولة. والمطلوب ليس فقط الاختيار بين الانضباط المالي والاستجابة الاجتماعية، بل البحث ايضا عن صيغة تسمح بتمويل الأولويات الاجتماعية من دون الإضرار باستدامة المالية العمومية. ومن خلال ذلك، يمكن مساءلة السياسة المالية من خلال ثلاثة معايير اساسية: عدالة توزيع الإنفاق، وفعالية الاستثمار العمومي، وشفافية النتائج.

فالميزانية ليست وثيقة محاسبية فقط؛ بل إنها أيضا تعبير عن ترتيب الأولويات العامة، وعن الجهات والفئات التي ستستفيد من الموارد العمومية.

ثالثا: الرسائل المستعجلة إلى جلالة الملك: كيف نفهم دلالتها السياسية؟ إن الحديث عن رسائل مستعجلة موجهة إلى الملك يستدعي التمييز بين الرسائل الرسمية المعلنة، والمطالب الاجتماعية التي تعبر عنها النقابات والهيئات المهنية والفعاليات المدنية، والمطالب التي يجري تداولها في المجال العام.

1. حين تصبح المطالب الاجتماعية اختبارا للسياسات العمومية، تتقدم القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم والسكن ضمن القضايا التي تطرحها المرحلة السياسية الجديدة. وتزداد أهمية هذه المطالب عندما يشعر المواطن بأن الفجوة تتسع بين ما يسمعه من وعود وما يلمسه من نتائج.

وفي هذا السياق، يمكن فهم المطالبة بالتدخل الملكي بوصفها تعبيرا عن البحث عن حلول لمشكلات يومية، أو عن رغبة في تسريع الإصلاح، أو عن عدم الرضا عن أداء بعض المؤسسات. لكن هذه الدلالات تظل احتمالات تفسيرية، ولا يجوز تعميمها على جميع المواطنين.

2. ما الذي ينبغي أن تفعله المؤسسات؟ ان المطلوب ليس وضع المطالب الاجتماعية في مواجهة المؤسسات المنتخبة، بل جعلها مدخلا لتحسين أدائها. فإذا كان المواطن يطالب بتعليم عمومي أفضل، فإن المسؤولية تقتضي تحديد الاختلالات والموارد والآجال. وإذا كان يطالب بالشغل، فإن المطلوب هو سياسات إنتاجية وتكوينية قابلة للتقييم. وإذا كان يشتكي من ارتفاع الأسعار، فإن الاستجابة ينبغي أن تتجاوز الإجراءات الظرفية إلى معالجة اختلالات الأسواق والمنافسة والتوزيع..ومن هنا يبرز سؤال سياسي أساسي: هل تستطيع الحكومة الجديدة بناء علاقة مع المواطن تقوم على النتائج والمحاسبة، أم ستظل المطالب الاجتماعية تتجدد كلما تبدلت الحكومات؟

إن نجاح المؤسسات لا يقاس بعدد المبادرات المعلنة، بل بقدرتها على معالجة أسباب المشكلات، وتوضيح المسؤوليات، وإتاحة المعلومات، وتمكين المواطنين من تقييم الأداء.

رابعا: انتظارات المواطنين من حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، لقد أعلنت رئيسة الحكومة الجديدة أن برنامجها سيستهدف الاستجابة لانتظارات المواطنين، في انسجام مع التوجهات الملكية. وجاء ذلك عقب تعيين الحكومة يوم 16 أكتوبر 2026. لكن انتظارات المواطنين ليست كتلة واحدة؛ فالأولويات تختلف بين الشباب والموظفين والعمال والمتقاعدين وسكان العالم القروي وأصحاب المقاولات الصغيرة والفئات التي تعتمد على الخدمات العمومية. ويمكن تنظيم هذه الانتظارات في خمسة ملفات مترابطة.

1. القدرة الشرائية: هل سيشعر المواطن بالفرق؟ إن الإعلان عن إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار ورفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر يضع الحكومة أمام سؤال التنفيذ..فالمواطن ينتظر أن ينعكس ذلك على قدرته على تدبير نفقاته، لا أن يظل مجرد إجراء مالي في قانون الميزانية. ومن المهم هنا التمييز بين الدعم المباشر، الذي يخفف بعض الأعباء على الأسر المستفيدة، والإصلاحات التي تستهدف الأسباب البنيوية لارتفاع تكاليف المعيشة.

2. الصحة والتعليم: من إصلاح المؤسسات إلى ضمان الخدمة، فلا يكفي الحديث عن إصلاح الصحة والتعليم إذا لم يلمس المواطن تحسنا في جودة الخدمات، وتوافر الأطر والتجهيزات، وتقليص الفوارق بين المناطق.

ومن ثم، فإن أي تقييم جدي للحكومة ينبغي أن يتابع مؤشرات مثل آجال المواعيد الطبية، وتغطية المؤسسات الصحية بالأطر، والاكتظاظ المدرسي، والهدر المدرسي، وجودة التعلمات.

3. الشباب: من خطاب الإدماج إلى مسارات فعلية، يمثل البرنامج الوطني المندمج للشباب للفترة 2027–2031 أحد أبرز الوعود التي ينبغي إخضاعها للتقييم. ةيبقى السؤال ليس كم شابا ستشمله البرامج، بل كم شابا سيتمكن من الانتقال من التكوين إلى العمل، ومن العمل الهش إلى العمل المستقر، ومن امتلاك فكرة مشروع إلى إنشاء مقاولة قابلة للاستمرار. كما أن إدماج الشباب لا يقتصر على الاقتصاد؛ بل يشمل المشاركة الثقافية والمدنية والسياسية، وإتاحة الفرص للتعبير عن الرأي والمساهمة في صناعة القرار.

4. محاربة الفساد: الانتقال من الشعارات إلى المحاسبة،

من المؤكد ان مكافحة الفساد تحتاج إلى قواعد واضحة لتضارب المصالح، وشفافية الصفقات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكافؤ الفرص في الولوج إلى الاستثمار والخدمات. ومن المهم ألا تتحول مكافحة الفساد إلى مجرد خطاب انتخابي موجه ضد الخصوم؛ بل ينبغي أن تخضع للمؤسسات والقانون والمعايير، بصرف النظر عن الانتماء الحزبي.

5. العدالة المجالية: هل تصل التنمية إلى المواطن حيث يعيش؟ إن تخصيص اعتمادات للتنمية الترابية يثير سؤال توزيع الفرص والخدمات بين الجهات والأقاليم والجماعات. فالتنمية لا تقاس بعدد الطرق والمباني والمشاريع فقط، بل بقدرة السكان على الوصول إلى المدرسة والمستشفى والنقل والماء وفرص الشغل.

ومن هنا، فإن أحد اكبر الاختبارات المهمة للحكومة الجديدة سيكون مدى قدرتها على تحويل التنمية الترابية إلى تقليص فعلي للفوارق المجالية.

خامسا: المعارضة الجديدة: العدالة والتنمية واليسار والتجمع الوطني للأحرار، تتطلب قراءة المعارضة الجديدة الانطلاق من الخريطة البرلمانية التي أفرزتها انتخابات 23 شتنبر 2026. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، فالعدالة والتنمية بـ54 مقعدا. وحصلت أحزاب أخرى على مقاعد متفاوتة، من بينها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية بـ19 مقعدا، وتحالف اليسار بـ8 مقاعد. وتشكلت الحكومة الجديدة من أربعة أحزاب: الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الاشتراكي، بأغلبية تبلغ 207 مقاعد، بينما اتجهت قوى أخرى إلى المعارضة.

لكن الأهم ليس معرفة من يوجد في الحكومة ومن يوجد خارجها، بل الأهم فهم ما يمكن أن تقدمه المعارضة في المرحلة المقبلة.

1. العدالة والتنمية: من استعادة الحضور البرلماني إلى بناء بديل، لقد حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعدا، في نتيجة أعادت له حضورا برلمانيا بعد التراجع الذي عرفه في انتخابات 2021. وقد ركز خطابه الانتخابي على قضايا الفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع، إلى جانب الملفات الاجتماعية والسياسية.

ويطرح هذا الموقع الجديد ثلاثة تحديات: تحويل الحضور البرلماني إلى رقابة منتظمة على الحكومة. تقديم بدائل قابلة للتطبيق في الميزانية والسياسات الاجتماعية. تطوير التنظيم المحلي والقدرة على التواصل مع فئات تتجاوز القاعدة التقليدية للحزب.

وتكمن أهمية المعارضة هنا في قدرتها على الانتقال من نقد الحصيلة السابقة إلى مساءلة القرارات الحالية، وتقديم مقترحات واضحة بشأن ما ينبغي تغييره وكيفية تمويله. كما أن الاستعداد للانتخابات المحلية لسنة 2027 يفرض الاهتمام بالعمل الميداني، لا الاكتفاء بالخطاب الوطني.

2. تحالف اليسار: هل تتحول المطالب الاجتماعية إلى مشروع مشترك؟ يواجه اليسار سؤال التنسيق بين مكوناته، بما فيها القوى التي توجد في المعارضة وتلك التي تشارك في الحكومة. وقد قدم تحالف اليسار خلال الحملة الانتخابية برنامجا يضم 431 إجراء، تمحور حول السيادة الاقتصادية والاجتماعية، والعدالة الاجتماعية، والصحة والتعليم العموميين، والإصلاح الضريبي. لكن تحويل البرنامج إلى قوة سياسية مؤثرة يتطلب تجاوز ثلاثة عوائق:

أولا، التشتت التنظيمي والتنافس بين مكونات اليسار.

ثانيا، صعوبة الانتقال من المطالب الاجتماعية العامة إلى مقترحات مالية وتشريعية محددة.

ثالثا، ضعف الاستمرارية في العمل الميداني إذا اقتصر التنسيق على المناسبات الانتخابية.

وفي أفق 2027، يبرز سؤال عملي هام: هل يمكن بناء تنسيق محلي حول برامج واضحة في النقل والصحة والتعليم والتعمير والتشغيل، حتى عندما تتباين المرجعيات الحزبية؟

إن التنسيق لا يعني بالضرورة الاندماج التنظيمي، بل يمكن أن يبدأ بتحديد ملفات مشتركة، وقواعد شفافة لاختيار المرشحين، وآليات للمحاسبة المحلية.

3. التجمع الوطني للأحرار: ما معنى الانتقال من قيادة الحكومة إلى المعارضة؟ يمثل التجمع الوطني للأحرار حالة مختلفة، لأنه شارك في قيادة الحكومة السابقة، ثم حصل على 66 مقعدا في انتخابات 2026، مقابل 102 مقعد في انتخابات 2021. وبعد تشكيل الحكومة الجديدة بقيادة الأصالة والمعاصرة، أصبح الحزب خارج الأغلبية الحكومية. ويطرح هذا التحول سؤالا سياسيا مهما: كيف يمكن لحزب قاد الحكومة أن يمارس المعارضة من دون أن يتخلى عن الدفاع عن حصيلته السابقة، ومن دون أن يتجنب مساءلة تلك الحصيلة؟

انه بالامكان ان يختار الحزب أحد مسارات العمل التالية، أو يمزج بينها: الدفاع عن الإصلاحات التي يعتبرها إيجابية. تقديم نقد محدد لسياسات الحكومة الجديدة.

مراجعة التنظيم والتواصل بعد التراجع الانتخابي.

وتعزيز الحضور المحلي استعدادا للاستحقاقات الجماعية.

وقد أشار المكتب السياسي للحزب، في بلاغ صدر مطلع أكتوبر، إلى ضرورة قراءة النتائج واستخلاص الدروس، مع تفويض المجلس الوطني التداول بشأن موقع الحزب في المرحلة المقبلة. وتبقى المسألة الأساسية هي مدى قدرة الحزب على الفصل بين الدفاع عن تجربته الحكومية وممارسة رقابة فعلية على الحكومة الجديدة.

4. هل نحن أمام معارضة متعددة أم أمام معارضات متفرقة؟ تختلف المعارضة في مرجعياتها وتجاربها وأولوياتها. فالعدالة والتنمية يستند إلى مرجعية سياسية مختلفة عن مرجعيات اليسار، بينما يدخل التجمع الوطني للأحرار المعارضة من موقع الحزب الذي قاد الحكومة السابقة. لذلك، ليس من الضروري افتراض قيام جبهة موحدة بينها. لكن من الممكن أن تتقاطع مواقفها في ملفات محددة، مثل القدرة الشرائية، وجودة الخدمات العمومية، وشفافية الصفقات، وتقييم برامج التنمية الترابية. والفارق كبير بين تنسيق موضوعاتي حول قضايا محددة وبين تحالف انتخابي شامل.

ان المعيار الأهم لتقييم المعارضة ليس حدة خطابها، بل قدرتها على كشف الاختلالات بالأدلة، واقتراح البدائل، ومتابعة تنفيذ الوعود، وممارسة رقابة مؤسساتية منتظمة.

سادسا: الانتخابات الجماعية لسنة 2027: الاختبار الذي يبدأ قبل الحملة الانتخابية، انه إذا كانت انتخابات 2026، قد أعادت ترتيب الخريطة البرلمانية، فإن الاستحقاقات الجماعية المقبلة ستطرح أسئلة مختلفة، لأن المواطن يختبر السياسة المحلية في تفاصيل حياته اليومية. فالجماعة الترابية ليست مجرد وحدة انتخابية، بل مؤسسة تتصل بالتعمير والنظافة والإنارة والنقل المحلي والأسواق والمرافق العمومية، وفق الاختصاصات المخولة لها قانونا. ومن هنا، يمكن قراءة الانتخابات المحلية المقبلة من خلال أربعة رهانات.

1. من التصويت على الأشخاص إلى تقييم التدبير المحلي، حيث تظل شخصية المرشح وشبكاته الاجتماعية وقدرته على التواصل عناصر مؤثرة في المنافسة الانتخابية. لكن المطلوب هو توسيع النقاش ليشمل حصيلة المجالس الجماعية. فهل تحسنت الخدمات؟ وهل احترمت المشاريع آجالها؟ وهل توزعت الاستثمارات وفق حاجات السكان؟ وهل أتيح للمواطنين الاطلاع على القرارات والميزانيات؟

إن هذه الأسئلة تمنح الانتخابات المحلية محتوى يتجاوز التنافس حول الأسماء والتحالفات.

2. هل تتحول ميزانية 2027، إلى مورد للتنافس المحلي؟ إن تخصيص 25 مليار درهم لبرامج التنمية الترابية المندمجة يجعل مسألة توزيع الموارد وتنفيذ المشاريع موضوعا مركزيا في النقاش المحلي. لكن ينبغي عدم الخلط بين الاعتمادات الموجهة إلى برامج الدولة وبين الموارد التي تتحكم فيها الجماعات مباشرة.

والمطلوب هو توضيح العلاقة بين التمويل المركزي، وبرامج الجهات، ومخططات التنمية الجماعية، حتى لا تتحول المشاريع إلى وعود انتخابية يصعب تحديد المسؤول عنها.

3. الشباب والنساء: من الحضور الانتخابي إلى المشاركة في القرار، فقد تتنافس الأحزاب على استقطاب الشباب والنساء، لكن المشاركة الفعلية تقتضي أكثر من إدراجهم في اللوائح. فالسؤال هو: هل سيشاركون في صياغة البرامج المحلية، وتحديد الأولويات، ومراقبة التدبير، أم سيظل حضورهم محصورا في تعبئة الناخبين؟ وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل إعلان برنامج وطني مندمج للشباب للفترة 2027–2031.

4. نزاهة الانتخابات والثقة في المؤسسات، تحتاج الانتخابات المحلية إلى قواعد واضحة في اختيار المرشحين، ومراقبة الإنفاق الانتخابي، والتصدي لشراء الأصوات واستعمال الموارد العمومية لأغراض حزبية، وضمان احترام القوانين. لكن النزاهة لا تتعلق بيوم الاقتراع وحده؛ بل تبدأ من طريقة إعداد اللوائح، واختيار المرشحين، وتمويل الحملات، وتنتهي بمحاسبة المنتخبين بعد تولي المسؤولية. وإذا كان المواطن يطالب بتجديد السياسة، فإن أحد مداخل ذلك هو ربط التفويض الانتخابي بحصيلة قابلة للتقييم.

سابعا: ما الذي ينبغي مراقبته خلال الأشهر المقبلة؟ انه لتجنب الاكتفاء بالتوقعات العامة، يمكن متابعة ستة مؤشرات عملية:

1. مشروع قانون المالية لسنة 2027: ما هي الاعتمادات النهائية المخصصة للصحة والتعليم والدعم الاجتماعي والتشغيل والتنمية الترابية؟

2. برنامج الحكومة: هل يتضمن أهدافا محددة وآجالا واضحة ومؤشرات تسمح بتقييم النتائج؟

3. القدرة الشرائية: هل ستترجم التدابير المعلنة إلى تحسن ملموس لدى الأسر، مع التمييز بين تراجع التضخم وانخفاض الأسعار؟

4. التشغيل: كم فرصة عمل مستدامة ستُحدث، وما طبيعتها، وما الفئات والمناطق المستفيدة منها؟

5. المعارضة: هل ستقدم أحزابها تقارير دورية عن أداء الحكومة ومقترحات تشريعية ومالية بديلة؟

6. التدبير المحلي: هل ستُنشر حصائل المجالس الجماعية، وتُوضح مصادر تمويل المشاريع، وتُتاح المعلومات اللازمة للمواطنين قبل انتخابات 2027؟

ان هذه المؤشرات تسمح بتحويل النقاش السياسي من الانطباعات إلى التقييم المستند إلى الوقائع.

الختام، هل تبدأ مرحلة جديدة من المحاسبة السياسية؟

إن انعقاد المجلس الوزاري يوم 17 أكتوبر 2026، بعد تشكيل الحكومة الجديدة، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات التي عرفتها الخريطة الحزبية في انتخابات شتنبر. فقد دخل المغرب مرحلة جديدة من تدبير الشأن الحكومي، لكن الملفات المطروحة ليست ملها جديدة: كالقدرة الشرائية، والتشغيل، والصحة، والتعليم، والفوارق المجالية، والثقة في المؤسسات. فالجديد هو أن الحكومة الجديدة أصبحت مطالبة بتقديم إجاباتها عن هذه الملفات من خلال ميزانية وبرنامج حكومي وقرارات قابلة للتقييم.

وفي المقابل، أصبحت المعارضة مطالبة بتحديد موقعها وأدواتها: هل ستكتفي باستثمار الصعوبات الاجتماعية في الخطاب السياسي، أم ستقدم بدائل تشريعية ومالية، وتراقب التنفيذ، وتشارك في بناء نقاش عمومي قائم على الأدلة؟

أما انتخابات 2027، فستمنح المواطنين مناسبة أخرى لتقييم أداء المؤسسات المحلية، لكنها لن تكون بديلا عن المحاسبة المستمرة بين الانتخابات.

إن الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة ليس عدد الوعود التي ستُعلن، بل المسافة التي ستنجح المؤسسات في قطعها بين القرار والنتيجة، وبين الميزانية والخدمة، وبين التمثيل الانتخابي والثقة الاجتماعية.

وهنا تكمن المسألة الجوهرية: هل ستنجح الدولة والحكومة والأحزاب في تحويل سنة 2027 إلى محطة لتحسين التدبير العمومي وتجديد الثقة، أم ستظل الوعود الاجتماعية أكبر من قدرة المؤسسات على تنفيذها؟ لن تحسم الخطابات هذا السؤال، بل ستجيب عنه النتائج التي يستطيع المواطن أن يلمسها ويقيسها ويحاسب المسؤولين عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *