منتدى العمق

بين سخرية الطيب الصديقي وطربوش رياض الصلح: السياسة على محك الثقة

بين سخرية الطيب الصديقي وطربوش رياض الصلح: السياسة على محك الثقة

يروى أن الفنان المسرحي المغربي الطيب الصديقي، خلال زيارة له للعراق، طلب من الرئيس صدام حسين السماح لعدد من المسرحيين العراقيين بزيارة المغرب في إطار التبادل الثقافي. وحين أبدى الرئيس تخوفه من أن يتحول الأمر إلى هجرة للأدمغة، أجابه الصديقي، بما عرف عنه من سخرية ذكية، بأن المسرحيين العرب لو كانت لهم أدمغة لما احترفوا المسرح، فضحك الرئيس وانفرج الموقف، وقيل إن النكتة فعلت ما عجزت عنه الملتمسات.

وسواء صحت تفاصيل هذه الحكاية أم أضافت إليها الذاكرة بعضا من بهاراتها، فإن مغزاها يتجاوز ظرفها المسرحي، ولعل هذه الدعابة تستحق اليوم أن تستعار ليس للسخرية من المسرح بل من السياسة، التي بات الخوض في شؤونها ضرب من ضروب قلة المخ والعقل معا، على حد تعبير المرحوم الصديقي.

لكن السياسة المغربية اليوم في حاجة إلى شيء من هذه السخرية المريرة، لا لأن الواقع يدعو إلى الضحك، بل لأن بعض مفارقاته باتت أشد إيلاما من أن تواجه بالتحليل أو بالشعارات وحدها. ففي الوقت الذي يطلب فيه من المواطن أن يثق في المؤسسات، وأن يشارك في الانتخابات، وأن يمنح الأحزاب فرصة جديدة، تتراكم أمامه أسئلة لا تجد أجوبة مقنعة، من قبيل : أين أثر صوته في السياسات العمومية، وأين انعكاس الوعود الانتخابية على معيشه اليومي، وكيف يمكن إقناعه بأن المشاركة تصنع الفارق،؟ بينما تتكرر مظاهر التعثر، وتتآكل الثقة، ويبدو تجديد الوجوه أحيانا أهم من تجديد الأفكار والبرامج.

فحين لا تتجاوز نسبة المشاركة الانتخابية 38 في المائة، وفق معطيات وزارة الداخلية، لا يعود من المقبول التعامل مع الرقم باعتباره مجرد تفصيل إحصائي في تقرير إداري. إنه مؤشر سياسي يستحق قراءة متأنية، لأنه يكشف، في الحد الأدنى، عن فجوة مقلقة بين قطاعات من المجتمع وبين آليات التمثيل السياسي.

وقد يكون العزوف تعبيرا عن اللامبالاة لدى البعض، لكنه قد يكون لدى آخرين احتجاجا صامتا، أو فقدانا للثقة في قدرة الانتخابات على تغيير الواقع، أو رفضا للمشاركة في مشهد لم تعد عناصره مقنعة بما يكفي، أو هجرة بصيغة مغايرة.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الديمقراطية هي أن يفقد المواطن اقتناعه بأن صوته يستحق أن يمنح. فحين يصبح الامتناع عن التصويت، لدى فئات من الناخبين، أقل كلفة من المشاركة، فإن الخلل لا ينبغي أن يبحث في سلوك الناخب وحده، بل في أداء المؤسسات التي يفترض أن تمنحه أسبابا كافية للانخراط.

فالمواطن لا يعزف دائما لأنه لا يهتم بالشأن العام، قد يعزف لأنه اهتم طويلا، وانتظر كثيرا، وصدق وعودا لم يجد لها أثرا يتناسب مع حجم انتظاراته.

لهذا، فإن اختزال أزمة المشاركة في ضعف الوعي السياسي أو غياب الثقافة الانتخابية لا يفعل سوى نقل المسؤولية من المؤسسات إلى المواطنين. صحيح أن المشاركة مسؤولية مدنية، وأن الديمقراطية لا تستقيم بغياب الناخبين، لكن المسؤولية لا تكتمل بمطالبة المواطن بالتصويت، بل تبدأ أيضا من مساءلة الأحزاب عن قدرتها على استعادة ثقته، ومن تقييم الحكومة على أساس ما أنجزته، لا على أساس ما أعلنته، ومن قياس جدوى المؤسسات بما تحدثه من أثر في حياة الناس.

لقد تحولت الأحزاب، في نظر قطاعات من الرأي العام، من فضاءات مفترضة لتكوين النخب وصناعة الأفكار وتأطير المجتمع إلى هياكل تعاني أزمة تجديد، وتراجعا في قدرتها على استقطاب الكفاءات، وتباعدا بين خطابها السياسي وأولويات المواطنين. ولم يعد السؤال مقتصرا على هوية الحزب الذي ينبغي أن يتصدر المشهد، بل أصبح يتعلق بطبيعة النخب التي ينتجها، وبالمعايير التي يعتمدها في اختيار مرشحيه، وبمدى امتلاك هؤلاء المعرفة والنزاهة والاستعداد لتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام.

ذلك أن تدبير الدولة ليس تمرينا أوليا، ولا منصبا يمنح صاحبه فرصة لاكتشاف تعقيدات الملفات على حساب مصالح المواطنين. فالاقتصاد ليس شعارا انتخابيا، والصحة ليست مجالا للتجريب، والتعليم ليس ورقة للمزايدة، و التشغيل ليس مجالا لإطلاق الوعود، والمال العام ليس موردا قابلا للتعويض عن أخطاء التدبير.

إنها قطاعات تتصل مباشرة بحياة الناس ومستقبلهم، وأي ارتباك في تدبيرها لا يبقى حبيس التقارير الإدارية، بل يتحول إلى كلفة اجتماعية يدفعها المواطن من صحته وتعليمه وقدرته الشرائية وفرص أبنائه في حياة أفضل…

وهنا يستحضر المثل المغربي القاسي في دلالته: ” ك تعلم الحلاقة في رأس اليتيم “. إنه مثل يلخص خطورة أن يتحول الضعفاء إلى ضحايا تجارب لا يملكون قرارها، وأن تدفع الفئات الأكثر هشاشة ثمن أخطاء كان بالإمكان تفاديها بالكفاءة والتخطيط والمحاسبة. ومع ذلك، لا يعني هذا أن تتحول المطالبة بالكفاءة إلى دعوة لإقصاء المواطن البسيط من حقه في التمثيل، أو إلى إقامة حواجز اجتماعية أمام المشاركة السياسية. فالديمقراطية ليست ناديا مغلقا لأصحاب الشهادات والنفوذ، وإنما فضاء للمواطنة وتكافؤ الفرص. لكن من حق المجتمع، بل من واجبه، أن يطالب بأحزاب تكون مرشحيها، وتختبر قدراتهم، وتؤهلهم لتحمل المسؤولية، وأن يطالب بقواعد واضحة للنزاهة وتضارب المصالح، وبآليات تجعل الوصول إلى المنصب العام بداية للمحاسبة لا نهاية لها.

وفي هذا السياق، يكتسب الجدل الذي رافق الإعفاء السريع للسيدة ماديحة خيير من الحكومة دلالة تتجاوز الواقعة في حد ذاتها، بصرف النظر عن التأويلات التي صاحبتها أو القراءات التي حاولت تحميلها أكثر مما تحتمل. فالإعفاء من المسؤولية الحكومية ليس، في ذاته، دليلا على الفساد أو الإخفاق، مثلما أن التعيين في منصب وزاري ليس شهادة نهائية بالكفاءة. وإنما تكمن أهمية مثل هذه الوقائع في الأسئلة التي تثيرها حول معايير التعيين والإعفاء، ووضوح المسؤوليات، وطبيعة تقييم الأداء الحكومي، وقدرة المؤسسات على تقديم تفسيرات مقنعة للرأي العام.

إن النقاش الإعلامي حول المسؤولين والإعفاءات والتغييرات الحكومية يظل ضروريا لكنه يفقد جزءا من قيمته حين يتوقف عند الأسماء، ويغفل البنية التي أنتجت الاختلالات، أو حين تتحول الوقائع إلى مادة للاستهلاك السريع، قبل أن تتاح الفرصة لاستخلاص الدروس منها. فليس المطلوب أن ينشغل الإعلام بالأشخاص على حساب السياسات، ولا أن يتجاهل الوقائع باسم الانشغال بالقضايا الكبرى، بل أن يربط بين الأمرين، أن يسائل المسؤول عن قراراته.

غير أن كل هذا النقاش يظل ناقصا ما لم يصل إلى جوهر الأزمة، العلاقة بين السلطة والمصلحة الخاصة، وبين المسؤولية العمومية والثروة، وبين الخطاب السياسي والقدرة الفعلية على فرض قواعد النزاهة والمحاسبة.

ولعل ماجاء في التصريح الحكومي الذي قدمنه السيدة فاطمة الزهراء المنصوري بشأن تجريم الإثراء غير المشروع، ومكافحة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح بالممتلكات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، يفتح نافذة على أحد أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية المغربية، وحتى في التصريح الحكومي برمته. فهذه القضايا ليست تفاصيل قانونية تخص المختصين وحدهم، بل تمس صميم العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الثقة في المؤسسات والاعتقاد بأن القانون يسري على الجميع دون استثناء. إنه فصل جديد وشجاع إذا كتب له ان يتحقق يصدر عن رئيسة الحكومة.

ذلك لإن المواطن الذي ينتظر مستشفى يستجيب لحاجاته، ومدرسة تمنح أبناءه فرصا عادلة، وإدارة تحترم وقته وحقوقه، وفرص عمل تحفظ كرامته، لا يريد أن يسمع عن محاربة الفساد باعتبارها لازمة تتكرر في الخطابات الرسمية. إنه يريد أن يعرف كيف تحمى الموارد العمومية، وكيف تمنع الاستفادة غير المشروعة من مواقع المسؤولية، وكيف يكشف تضارب المصالح، وكيف تفعل قواعد التصريح بالممتلكات، وكيف تضمن مساءلة كل من يثبت إخلاله بواجباته.

فمحاربة الفساد ليست مجرد معركة أخلاقية ضد سلوك منحرف، إنها معركة من أجل عدالة الفرص، وحماية المال العام، واستعادة المعنى الحقيقي للمسؤولية السياسية.

وحين تتآكل الثقة في عدالة توزيع الفرص، أو يشعر المواطن بأن النفوذ قد يفتح أبوابا لا تفتحها الكفاءة، فإن الضرر لا يقف عند حدود المال فقط، حيث تتسع المسافة بين المجتمع ومؤسساته، ويجد العزوف الانتخابي بيئة خصبة للنمو.

لكن الأمانة تقتضي التمييز بين التصريحات والنتائج، وبين إعلان الإرادة، فالعبرة بما سيعتمد من نصوص قانونية واضحة، وما سيفعل من آليات للرقابة، وما سيضمن من استقلالية المؤسسات، وما سيتاح من معطيات للرأي العام، وما سيترتب على ثبوت المخالفات من إجراءات قانونية منصفة وفعالة.

إن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على إطلاق الوعود، بل بقدرتها على تحويل القانون إلى ممارسة، والمحاسبة إلى قاعدة، والنزاهة إلى معيار ثابت لا يتغير بتغير الأشخاص وموازين القوى. والإصلاح الحقيقي ليس حملة موسمية ضد الفساد، بل بناء مؤسسات تمنع تضارب المصالح، وتغلق منافذ الاستغلال… ولا شك أن هذا المسار سيصطدم بمصالح اعتادت الاستفادة من الغموض، وبشبكات قد ترى في الشفافية تهديدا لامتيازاتها، وبممارسات سياسية لا تزال تخلط بين المنصب والنفوذ، وبين المسؤولية والوجاهة.

غير أن صعوبة المواجهة ليست مبررا لتأجيلها، بل دليل إضافي على ضرورة المضي فيها. وفي هذا الإطار، سيكون الرهان الحقيقي أمام فاطمة الزهراء المنصوري، وأمام الحكومة والأحزاب والمؤسسات المعنية، هو الانتقال من مستوى التصريحات إلى مستوى الالتزامات القابلة للقياس والتنفيذ. فالمغرب، بما يواجهه من تحديات اقتصادية واجتماعية ومناخية وجيوسياسية، لا يحتاج إلى مؤسسات تؤدي وظائفها شكليا، بل إلى مؤسسات تستبق الأزمات، وتنتج الحلول، وتستثمر الكفاءات، وتحمي الموارد، وتمنح المواطنين أسبابا ملموسة للاطمئنان إلى المستقبل. ولا يمكن تحقيق ذلك في ظل نخب لا تتجدد، وأحزاب لا تستوعب تحولات المجتمع، وخطاب سياسي يطلب الثقة من دون أن يقدم ما يكفي من الأدلة على استحقاقها.

فالديمقراطية لا تختزل في يوم انتخابي، وتنصيب حكومي، كما أن شرعية المؤسسات لا تستمد قوتها من نتائج الاقتراع وحدها، بل تتغذى يوميا من جودة الأداء، واحترام القانون، والوفاء بالالتزامات، والاستجابة لحاجات المجتمع.

إن أخطر ما قد يحدث للسياسة ليس أن يسخر منها المواطن، بل أن يتوقف عن انتظار شيء منها.

وحين يصل المواطن إلى هذه المرحلة، لا يعود الصمت فراغا سياسيا يمكن تجاهله، بل يصبح سؤالا مفتوحا في وجه الأحزاب والحكومة والمؤسسات، ماذا فعلتم حتى فقدت المشاركة جزءا من جاذبيتها، وماذا أنجزتم حتى يستعيد التصويت معناه؟ وأي ضمانات تقدمونها حتى لا يبقى المال العام مجالا للشبهات، والمنصب العام بابا للامتيازات، والمحاسبة شعارا يتقدم الخطب ويتأخر في الممارسة. فالمواطن الذي فقد الثقة لا يحتاج إلى من يلومه على غيابه، بل إلى من يقنعه بأن حضوره يصنع الفرق. ولا يحتاج إلى وعد جديد بمحاربة الفساد، بل إلى دولة تجعل النزاهة قاعدة. وسننتظر مع المنتظرين، كيف ستقنع رئيسة الحكومة زميلها في وزارة العدل، الذي سبق أن سحب، خلال الولاية السابقة، مشروع قانون محاربة الإثراء غير المشروع من أجندة الحكومة بأن يرجعه إلى دائرة النقاش والضوء. أم أنها ستتعرض لا قدر الله لما سبق أن تعرض له مرة الأمير رياض الصلح بلبنان في أربعينيات القرن الماضي، حيث سرق طربوشه أثناء إلقائه خطابا جماهيريا، حول محاربة الفساذ، فابتسم ساخرا وقال: جئت لأحمي رؤوسكم وأموالكم، فإذا بكم تسرقون ما فوق رأسي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *