حين تنفجر أعطاب المدرسة في وجه المجتمع!

احتجاجات فرنسا الأخيرة التي انطلقت من داخل جدران الثانويات الباريسية وغيرها من المدن على امتداد التراب الفرنسي، وما أعقبها من أعمال شغب انتقلت شيئا فشيئا نحو الفضاءات العامة والخاصة، وأثرت في السير العادي لمرافق الدولة والمجتمع هناك، ليست إلا نتيجة من نتائج الأعطاب والأدواء التي باتت تعانيها المدرسة الفرنسية، سواء على مستوى بنياتها المادية غير المتوازنة، أو على مستوى التمييز الذي طال كفاءة نظامها التعليمي الموجه بالأساس للفئات غير المحظوظة من المجتمع الفرنسي المتنوع.
فإذا كان التلاميذ قد نادوا في بداية تحركاتهم تلك بمطالب تتعلق بتحسين ظروف التمدرس، وتوفير الموارد البشرية اللازمة والتجهيزات المدرسية الضرورية داخل المؤسسات التعليمية، إلا أنهم في الحقيقة يحتجون على منظومة التمييز بين مدرسة أبناء المحظوظين ومدارس أبناء الذين لا حظ لهم في المواطنة إلا اسمها، والذين يعانون ليس فقط من نقص متطلبات التمدرس وشروطه الضرورية، بل يعانون أكثر من شعور بالدونية في بلاد الحرية والمساواة، فيتحول ذلك الشعور رويدا رويدا إلى احتقان ثاوٍ خلف جدران ندوب تظهر هنا وهناك في وجه المجتمع، تنتظر الفرصة للانفجار، فيسيح صديدها فوق أجزاء أخرى من الوجه الاجتماعي المعتل.
وإذا كانت هذه الاحتجاجات قد طالت فئات ومرافق أخرى، واتخذت مظاهر عنيفة في سياقات معينة، إلا أنها تُنبئنا بحقيقة أن المدرسة تشكل ترمومترا حقيقيا لنجاح أو فشل المجتمع الذي تنتمي إليه، ومعيارا محددا لمدى نجاعة السياسات العمومية المتبعة على كافة المستويات؛ إذ تتجمع فيها أعطاب المجتمع والدولة كما نجاحاتهما، فمنها العين وإليها المصب وما بينهما، وكلما حدث خلل ما في مؤسسة من مؤسسات المجتمع والدولة كالأسرة أو الصحة أو التشغيل أو الثقافة أو غيرها، انعكس ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر على المدرسة ومرتاديها، وذات الأمر يصح حين تكتوي باقي المؤسسات بأعطاب المدرسة وخريجيها.
إن التغير الحاصل اليوم في سرعة نقل الخبر والمعلومة، لا يقتصر على مجال الإعلام والاتصال، بل يسري في باقي مفاصل المجتمع ومكوناته؛ وليست المدرسة ببعيدة عن هذه التحولات المتسارعة التي يشد بعضها بتلابيب البعض الآخر، إذ باتت السياسات التعليمية والفوارق الاجتماعية مكشوفة أمام التلاميذ على اختلاف انتماءاتهم وطبقاتهم، فهم يلاحظون ويقارنون ويفهمون هذه الاختلافات في حينها بزاوية نظرهم الخاصة، فتنقل لهم وسائط التواصل الحديثة ما يحدث في الضفف الأخرى وما يتمتع بهم أترابهم من إمكانات تعليمية وفرص في التكوين والتشغيل، مما يدخلهم في مسلسل من المقارنات التي تغدي مشاعر الإحباط والاحتقان الذي ينتظر أول فرصة للانفجار والتعبير عن الذات، وخاصة في تلك المحطات الجماعية التي تذوب فيها الأنا الفردية لصالح الأنا الجمعية، كتجمع مشجعي مباريات كرة القدم وما ينتج عنها من “شغب الملاعب” وتخريب المرافق العامة والخاصة في بعض الأحيان، أو في تجمع هؤلاء الشباب في وسائل النقل العامة أو حين يلعبون فيما بينهم داخل أسوار المؤسسات التعليمية أو خارجها، وما يتبع ذلك من تفش لمظاهر السلوكات العدوانية الجسمانية واللفظية والنفسية وغيرها.
أمام هذه التحديات وغيرها، لم يعد للمجتمع والدولة من خيار إلا أن يسخرا كل الإمكانيات والموارد والنيات الحسنة للنهوض بأوضاع المدرسة وتحسين وتحيين برامجها ومناهجها وطرائق التدريس بها، والاستجابة لمتطلبات مرتاديها المادية والمعنوية، لتحقيق بيئة آمنة تتفتق فيها عبقريات هؤلاء وتنفجر بها ينابيع الذكاءات المختلفة وتتدفق منها الكفاءات المواطنة، باعتبارها الرافعة الأساس لتقدم الأمم وازدهارها، والحصن المنيع أمام كل الخطابات والتوجهات الهدامة أو العدمية التي تستهدف استقرار المجتمع وترمي بأبنائه نحو المجهول.
اترك تعليقاً