حين تتجاور الشرعيتان: سؤال استمرار الحركة في ظل حقٍ محفوظٍ للجمع بين الدين والسياسة

وأنا أقرأ خبر انتخاب رئيس جديد لحركة التوحيد والإصلاح، عاد السؤال الذي نحاول دائماً تأجيله: ما معنى استمرار حركة دعوية‑سياسية في بلد ينصّ دستوره بوضوح على أن الملك، بصفته أمير المؤمنين، هو الوحيد الذي له الحق في الجمع بين الدين والسياسة؟ هذا السؤال لا يتعلق بالحركة في حدّ ذاتها، بل بطبيعة البنية السياسية‑الدينية المغربية التي تسمح بوجود فاعل دعوي يشتغل في مجال يفترض أن يكون مؤطَّراً بشرعية دينية عليا لا ينازعها أحد. فالدستور يمنح الملك حقاً فريداً في الجمع بين السلطتين، ومع ذلك تستمر الحركة في إنتاج خطاب ديني موجّه للرأي العام، وتشتغل سياسياً عبر الحزب الذي يتحرك في ظلّها، في مفارقة تجعل النص الدستوري يبدو نظرياً بينما الواقع يسمح بوجود شرعية دعوية موازية للشرعية الرسمية.
هذا التعايش غير المتكافئ هو ما وصفه محمد الطوزي في تحليلاته حول العلاقة بين الدولة والإسلاميين باعتباره شكلاً من التحالف العضوي بين الأصولية المخزنية والأصولية الإسلاموية؛ تحالف غير معلن، وظيفي، يسمح للدولة بإدارة المجال الديني عبر فاعلين غير رسميين، ويسمح للإسلاميين بالبقاء داخل اللعبة دون امتلاك شرعية دينية كاملة. أما عبد اللطيف أكنوش، فيرى أن الشرعية الدينية في المغرب ليست مجرد رمز، بل هي أداة تنظيم سياسي تجعل الدولة قادرة على التحكم في المجال الديني وإدارة الفاعلين الإسلاميين ضمن هامش مضبوط، بحيث لا يملك أي فاعل ديني خارج إمارة المومنين شرعية مستقلة، بل يتحرك داخل مساحة يسمح بها النظام ويستفيد منها النظام أيضاً.
لكن الإشكالية تصبح أكثر وضوحاً حين ننتقل إلى المستوى الانتخابي: فالعدالة والتنمية سيظل دائماً متفوقاً في الساحة الحزبية لأنه الحزب الوحيد الذي يستعمل “المنشطات الدينية” في فضاء سياسي يقول دستوره إن الملك هو الوحيد الذي له الحق في الجمع بين الدين والسياسة. ومادام هذا الحق محفوظاً للملك، ومادامت إمارة المومنين لا تُنتخب، يبقى العنوان السياسي للدين بالنسبة للناخب هو العدالة والتنمية. وهكذا تتحول كل المجهودات الدينية التي تُضخّ داخل المجتمع—سواء من إمارة المومنين أو العدل والإحسان أو التوحيد والإصلاح أو السلفيين أو الطرق الصوفية—إلى روافد تصب في قناة سياسية واحدة هي العدالة والتنمية، الذي يستفيد بنيوياً من كل ما يُنتج في المجال الديني، سواء الرسمي أو غير الرسمي، دون أن يدفع ثمن هذا التفوق في مستوى البرامج أو الأداء السياسي.
وهنا تتجلى الإشكالية في صورتها الكاملة: وجود حركة دعوية‑سياسية داخل منظومة تقول إن الملك هو الوحيد الذي له الحق في الجمع بين الدين والسياسة لا يطرح سؤالاً حول شرعية الحركة، بل يطرح سؤالاً حول وظيفتها داخل هذه المنظومة. فالحركة تمنح الحزب خلفها شرعية دينية غير رسمية، والحزب يستثمر هذه الشرعية انتخابياً، والدولة تستفيد من وجودهما في إدارة المجال الديني، بينما يبقى النص الدستوري معلّقاً بين النظرية والممارسة. وهكذا يصبح السؤال الحقيقي في نهاية النص ليس سؤالاً اتهامياً، بل سؤالاً تحليلياً مشروعاً: لماذا تستمر الحركة داخل منظومة هي نفسها التي تحدد أن الجمع بين الدين والسياسة حقٌ محفوظٌ للملك؟ وما الذي يعنيه هذا الاستمرار بالنسبة لطبيعة العلاقة بين الدين والسياسة في المغرب؟
اترك تعليقاً