وجهة نظر

تعديل مرسوم الصفقات العمومية: فرصة لتعزيز الشفافية والمنافسة وربط الإنفاق العمومي بالنجاعة والمُساءَلة

قراءة تحليلية في مشروع تعديل المرسوم رقم 2.22.431 ومقترحات لتجويد الإطار التنظيمي للطلب العمومي بالمغرب

تعديل مرسوم الصفقات العمومية: فرصة لتعزيز الشفافية والمنافسة وربط الإنفاق العمومي بالنجاعة والمُساءَلة

يشكل مشروع تعديل وتتميم المرسوم رقم 2.22.431 الصادر في 8 مارس 2023 المتعلق بالصفقات العمومية فرصة لإعادة النظر في عدد من المقتضيات المنظمة للطلب العمومي بالمغرب، ليس فقط من زاوية تبسيط المساطر وتسريع إنجاز المشتريات العمومية، وإنما أيضاً من منظور تعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص وحماية المال العام والرفع من فعالية الرقابة على مختلف مراحل إعداد الصفقات وإبرامها وتنفيذها.

وقد أرسى المرسوم الحالي، في مادته الأولى، مجموعة من المبادئ الأساسية، تتمثل في حرية الولوج إلى الصفقات العمومية، والمساواة في معاملة المتنافسين، وضمان حقوقهم، والشفافية في اختيارات صاحب المشروع، إلى جانب النزاهة والحكامة الجيدة. كما ربط هذه المبادئ بتحقيق فعالية الصفقات العمومية وحسن استعمال الأموال العامة، من خلال التحديد المسبق للحاجيات واحترام قواعد الإشهار والمنافسة واختيار العرض الأفضل من الناحية الاقتصادية.

غير أن فعالية هذه المبادئ لا تتوقف على مجرد التنصيص عليها، بل تستوجب ترجمتها إلى قواعد دقيقة وقابلة للتطبيق والقياس والمراقبة، مع الحد من الغموض القانوني الذي قد يؤدي إلى اختلاف التأويلات والممارسات بين أصحاب المشاريع.

ومن هذا المنطلق، تبرز مجموعة من الملاحظات والمقترحات التي يمكن أن تسهم في تجويد مشروع التعديل، إلى جانب معالجة بعض أوجه القصور التي ما تزال قائمة في المرسوم الجاري به العمل.

أولاً: الحفاظ على مفهوم العرض الأفضل اقتصادياً وتوضيح علاقته بالثمن المرجعي 

يُعد اختيار العرض الأفضل من الناحية الاقتصادية أحد المرتكزات الأساسية لنظام الصفقات العمومية، لما لهذا الاختيار من تأثير مباشر على تكلفة المشاريع وجودة تنفيذها وحماية الأموال العمومية.

وفي هذا الإطار، يثير مشروع تعديل المادتين 43 و44 إشكالاً يتعلق بصياغة معيار تحديد العرض الأفضل، ولا سيما استعمال عبارة  »العرض الأقل ثمناً بالنسبة للثمن المرجعي. «

فهذه الصياغة قد تحتمل أكثر من تأويل، إذ يمكن فهمها باعتبارها تشير إلى العرض الأقل ثمناً من بين العروض المقدمة، كما يمكن أن يُقصد بها العرض الأقرب إلى الثمن المرجعي من الأسفل.

والفرق بين المفهومين جوهري. فإذا افترضنا أن الثمن المرجعي لصفقة معينة يبلغ مليون درهم، وأن ثلاثة عروض مستوفية للشروط بلغت على التوالي 870 ألف درهم و940 ألف درهم و990 ألف درهم، فإن اعتماد الثمن الأدنى يؤدي إلى اختيار العرض الأول، بينما يؤدي اعتماد معيار القرب المباشر من الثمن المرجعي من الأسفل إلى اختيار العرض الثالث.

وبالتالي، فإن تفادي أي اختلاف في تأويل المقتضيات الجديدة يستدعي اعتماد صياغة صريحة تعكس المعيار المقصود، من قبيل: »العرض الأقرب إلى الثمن المرجعي من الأسفل . « 

كما يستدعي المشروع توضيح القواعد المطبقة عندما لا يوجد أي عرض يقل عن الثمن المرجعي.

فالمقتضيات المقترحة تتيح عرض الملف على لجنة فرعية لدراسة العرض الذي يساوي الثمن المرجعي أو يفوقه مباشرة، على أن تتخذ اللجنة قرارها بناءً على التقرير المنجز.

وحتى لا يتحول هذا الإجراء إلى مجال واسع للتقدير غير المؤطر، يُقترح تحديد المعايير التي يتعين على اللجنة الفرعية اعتمادها، خصوصاً ما يتعلق بواقعية الأسعار، ومبررات الفارق عن الثمن المرجعي، ومدى ملاءمة العرض لخصوصيات الأعمال المطلوبة.

كما ينبغي إلزام اللجنة بتعليل قرار قبول العرض أو رفضه تعليلاً مفصلاً، وإثبات العناصر التي بُني عليها القرار في محضر أشغالها.

ثانياً: تعزيز موثوقية التقديرات المالية للصفقات العمومية

تنص المادة السادسة من المرسوم على إعداد صاحب المشروع تقديراً لتكلفة الأعمال قبل الدعوة إلى المنافسة، بالاستناد إلى طبيعة الأعمال وخصائصها والأسعار المتداولة في السوق، مع إمكانية الاعتماد على مراجع للأسعار عند توفرها.

غير أن أهمية هذا التقدير تتجاوز مجرد تحديد الكلفة المتوقعة للمشروع، باعتباره عنصراً مؤثراً في احتساب الثمن المرجعي وتحديد بعض العروض المفرطة أو المنخفضة بكيفية غير عادية.

وبالتالي، فإن أي ضعف في إعداد التقديرات المالية قد ينعكس على سلامة تقييم العروض واختيار نائل الصفقة.

ومن أجل تعزيز موثوقية هذه التقديرات، يُقترح التنصيص على ضرورة توثيق المنهجية المعتمدة في إعدادها، مع بيان مصادر الأسعار والمقارنات والدراسات التي استند إليها صاحب المشروع.

كما يُقترح جعل الاستعانة بمراجع الأسعار المعتمدة واجبة متى كانت متاحة وملاءمة لطبيعة الأعمال وتاريخ إنجازها، مع الاستفادة من المعطيات التي يمكن أن يوفرها المرصد المغربي للطلب العمومي.

وبالنسبة للصفقات التي تتجاوز سقفاً مالياً محدداً، يمكن اعتماد آلية للمراجعة الداخلية للتقديرات قبل إطلاق المنافسة، بما يسمح بالكشف المبكر عن الأخطاء أو المبالغات أو أوجه النقص المحتملة.

ثالثاً: رفع سقف سندات الطلب يستوجب تعزيز ضمانات الحكامة 

يتضمن مشروع التعديل رفع السقف المالي للأعمال المنجزة بواسطة سندات الطلب من 500 ألف درهم إلى 800 ألف درهم مع احتساب الرسوم، أي بزيادة قدرها %60.

ويمكن لهذا التوجه أن يسهم في تبسيط إجرائات الشراء العمومي، لا سيما بالنسبة للحاجيات الاعتيادية، وتقليص المدد الإدارية المرتبطة باقتناء بعض التوريدات والخدمات.

غير أن توسيع مجال اللجوء إلى سندات الطلب ينبغي أن يواكبه تعزيز للضمانات المتعلقة بالمنافسة والشفافية وتتبع النفقات.

وفي هذا الإطار، يُقترح تطوير آليات مراقبة تجزئة المشتريات ذات الطبيعة المتجانسة، وتتبع القيمة الإجمالية لسندات الطلب المسندة إلى المورد نفسه أو المتعلقة بصنف معين من الأعمال خلال السنة المالية.

كما يمكن تعزيز المعلومات المنشورة بالبوابة الإلكترونية للصفقات العمومية، حتى يصبح من الممكن تتبع مجموع سندات الطلب حسب صاحب المشروع والمورد وطبيعة الأعمال والمبالغ المسندة.

فالغاية ليست تعقيد مسطرة يفترض أن تتميز بالبساطة، وإنما ضمان ألا تتحول مرونتها إلى وسيلة لإضعاف المنافسة أو تفادي اللجوء إلى المساطر الملاءمة لحجم الحاجيات الحقيقية.

رابعاً: إشكالية المقر المعتمد لتطبيق الأفضلية الترابية في سندات الطلب

تمنح المادة 91 من المرسوم، عند تساوي العروض وفق الشروط المقررة، أفضلية للمتنافس الذي يزاول نشاطه في المجال الترابي لمكان تنفيذ الأعمال، وفق ترتيب يبدأ بالجماعة ثم العمالة أو الإقليم ثم الجهة، قبل اللجوء إلى القرعة في الحالات المحددة قانوناً.

غير أن تطبيق هذا المقتضى قد يثير إشكالاً عملياً يتمثل في تحديد العنوان الواجب اعتماده للتحقق من مكان مزاولة المتنافس لنشاطه.

فقد تكون لمقاولة معينة مؤسسة رئيسية أو مقر اجتماعي بمدينة الدار البيضاء، بينما تتوفر على فرع أو ورشة أو وحدة إنتاجية بمدينة الرباط، في حين يوجد المقر الاجتماعي لمقاولة منافسة بمدينة سلا.

وفي هذه الحالة، قد يؤدي الاقتصار على عنوان المقر الاجتماعي إلى استبعاد وجود مؤسسة فعلية أقرب إلى مكان تنفيذ الأعمال، رغم أن هذه المؤسسة قد تكون أكثر ملاءمة لتلبية الحاجيات المطلوبة.

والواقع أن المعيار المنصوص عليه في المادة 91 يتعلق بمكان مزاولة النشاط داخل المجال الترابي المعني، وليس بالضرورة بعنوان المقر الاجتماعي للمقاولة، كما أنه لا يقوم على قياس المسافة الجغرافية بالكيلومترات.

ولرفع أي غموض، يُقترح التنصيص صراحة على إمكانية الاعتداد بالمؤسسات والفروع والورشات ووحدات الإنتاج وغيرها من أماكن العمل التي يثبت المتنافس أنه يزاول فيها نشاطاً فعلياً، شريطة ارتباطها بطبيعة الأعمال المطلوبة.

كما يُقترح، عند تساوي العروض واستدعاء تطبيق الأفضلية الترابية، تمكين صاحب المشروع من مطالبة المتنافسين المعنيين بتحديد أقرب مؤسساتهم الفعلية إلى مكان تنفيذ الأعمال، وتقديم الوثائق القانونية التي تثبت وجودها ومزاولة النشاط بها، داخل أجل موحد لا يتجاوز 48 ساعة عمل من تاريخ التوصل بالطلب.

ويمكن أن تشمل هذه الوثائق، بحسب طبيعة المؤسسة، ما يثبت تسجيلها القانوني أو خضوعها للضريبة المهنية أو توفرها على مقر للاستغلال الفعلي.

وينبغي أن يطبق هذا الإجراء بصورة موحدة على جميع المتنافسين المعنيين، وألا يسمح بإحداث مؤسسة صورية بعد انتهاء أجل تقديم العروض بهدف الحصول على الأفضلية.

أما المفاضلة بين المتنافسين الذين يستوفون المستوى الترابي نفسه، فيجب أن تظل خاضعة للقاعدة التنظيمية المقررة، ما لم يتجه المشرع التنظيمي صراحة إلى اعتماد معيار إضافي للمسافة الفعلية، على أن يكون ذلك مبرراً بطبيعة الأعمال وقابلاً للتحقق.

خامساً: توضيح الأساس القانوني لغرامة التخلي عن العرض في غياب الضمان المؤقت

تنص المادة 24 على تطبيق غرامة تعادل %1 من المبلغ التقديري للصفقة في بعض الحالات التي يخل فيها المتنافس بالتزاماته، عندما لا يشترط دفتر التحملات الإدلاء بضمان مؤقت.

غير أن تطبيق هذه الغرامة يثير تساؤلات بشأن طبيعتها القانونية وإجرائات استخلاصها، بالنظر إلى أن المتنافس المعني قد لا يكون قد أصبح طرفاً في عقد مصادق عليه.

ولا يعني غياب العلاقة التعاقدية بالضرورة استحالة ترتيب جزاء تنظيمي، لكنه يستدعي تحديد السند القانوني وآليات تنفيذه بصورة واضحة.

ولهذا يُقترح تتميم المادة 24 بمقتضيات تحدد إجرائات إثبات المخالفة وتصفية مبلغ الغرامة وتبليغ القرار وإصدار سند التحصيل عند الاقتضاء، مع ضمان حق المتنافس في تقديم ملاحظاته والطعن وفق المساطر القانونية.

كما تستحق ملاءمة هذه الغرامة مع طبيعة المخالفة ومبدأ التناسب دراسة خاصة، تفادياً لأي تطبيق غير متكافئ بين المتنافسين.

سادساً: تقنين حالات قبول العروض مع التحفظ واستكمال الوثائق

تتضمن المقتضيات المنظمة لفحص العروض آليات تمكن اللجان من مطالبة بعض المتنافسين باستكمال وثائق أو تصحيح أخطاء وفق شروط محددة.

غير أن التمييز بين النقص الشكلي القابل للتدارك والإخلال الجوهري الذي يستوجب الإقصاء قد يثير صعوبات في التطبيق.

وتكمن أهمية هذه المسألة في أن اختلاف تقدير لجان فتح الأظرفة للحالات المتشابهة يمكن أن ينعكس سلباً على المساواة بين المتنافسين وعلى الأمن القانوني للمسطرة.

ولذلك يُقترح ضبط حالات التسوية بصورة أكثر دقة، من خلال تحديد الوثائق والأخطاء التي يمكن تداركها، والفصل بينها وبين أوجه النقص التي تمس جوهر العرض التقني أو المالي.

كما ينبغي اعتماد شروط وآجال موحدة بالنسبة للمتنافسين الموجودين في الوضعية نفسها، وإلزام اللجان بتضمين محاضرها تعليلاً واضحاً لقرارات القبول المشروط أو الإقصاء.

ولا يتعلق الأمر بالسماح بتعديل العروض بعد فتح الأظرفة، وإنما بتفادي إقصاء عروض جدية لأسباب شكلية قابلة للتصحيح دون المساس بالمنافسة.

سابعاً: الأعمال ذات الطابع السري أو الاستراتيجي بين ضرورة الحماية ومخاطر اتساع الاستثناء

يقترح المشروع إدراج بعض الأعمال ذات الطابع السري أو الاستراتيجي ضمن الاتفاقات أو العقود الخاضعة للقانون العادي.

وإذا كانت حماية المصالح العليا للدولة وبعض الحاجيات الحساسة تبرر إخضاعها لترتيبات خاصة، فإن أهمية هذه الحماية تستوجب في المقابل ضبط شروط الاستثناء من قواعد المنافسة.

فالمشروع ينص من حيث المبدأ على إجراء منافسة مسبقة، لكنه يجيز الاستغناء عنها عندما تكون مستحيلة أو غير ملاءمة لطبيعة الأعمال، بناءً على شهادة إدارية يحررها صاحب المشروع تحت مسؤوليته.

ويثير هذا المقتضى تساؤلاً حول الحدود الدقيقة لمفهومي السرية والاستراتيجية، وحول مدى كفاية الشهادة الإدارية لضمان موضوعية اللجوء إلى الاستثناء.

ومن ثم، يُقترح تحديد الحالات التي يمكن أن تكتسي فيها الأعمال طابعاً سرياً أو استراتيجياً بشكل أكثر دقة، مع حصر الاستغناء عن المنافسة في الحالات المبررة فعلاً بطبيعة الحاجيات ومتطلبات حمايتها.

كما ينبغي إخضاع اللجوء إلى هذا النظام لرقابة مسبقة من جهة مستقلة عن صاحب المشروع، مع اعتماد آليات للمنافسة المحدودة بين متعاملين مؤهلين ومسموح لهم بالاطلاع على المعلومات الحساسة، متى كان ذلك ممكناً.

وفي جميع الأحوال، لا ينبغي أن تؤدي السرية إلى انتفاء الرقابة، بل إلى تكييف وسائلها بما يتناسب مع طبيعة المعلومات المحمية، مع الاحتفاظ بإمكانية إجراء افتحاص مستقل ونشر معطيات إجمالية غير سرية حول حجم هذه المشتريات.

ثامناً: تحديد آجال افتحاص الصفقات وتوسيع الرقابة على سندات الطلب

يعتبر افتحاص الصفقات العمومية من أهم آليات التحقق من سلامة المساطر وواقعية الأعمال المنجزة ومدى تحقيق الأهداف المسطرة.

وقد حددت المادة 159 حالات الافتـحاص الإلزامي، ولا سيما الصفقات التي تتجاوز ثلاثة ملايين درهم مع احتساب الرسوم، والصفقات التفاوضية التي تتجاوز مليون درهم.

غير أن هذه المادة لا تحدد أجلاً أقصى لإنجاز الافتـحاص، الأمر الذي قد يؤدي إلى تأخر إجراء المراقبة وفقدان بعض نتائجها لقيمتها العملية.

ولذلك يُقترح التنصيص على أجل أقصى مدته ثلاثة أشهر، ابتداءً من تاريخ التسلم النهائي للصفقة، لإنجاز الافتـحاص الواجب قانوناً.

كما يُقترح توسيع الافتـحاص الإلزامي ليشمل الأعمال المنجزة بواسطة سندات الطلب التي يتجاوز مبلغها 500 ألف درهم، لا سيما في ضوء الرفع المرتقب لسقف سندات الطلب إلى 800 ألف درهم.

وحتى تحقق هذه الرقابة أثرها، ينبغي أيضاً التنصيص على أجل أقصى مدته شهران، ابتداءً من تاريخ إعداد تقرير الافتـحاص النهائي، لنشره على بوابة الصفقات العمومية.

ويمكن أن يتخذ النشر شكل تقرير عمومي تُحجب منه، عند الاقتضاء، المعلومات المحمية قانوناً، على أن تتضمن النسخة المنشورة النتائج الأساسية والاختلالات المسجلة والتوصيات والإجراءات التصحيحية.

تاسعاً: تعزيز دور تقرير انتهاء تنفيذ الصفقة في تقييم الأداء العمومي

تلزم المادة 157 صاحب المشروع بإعداد تقرير حول انتهاء تنفيذ الصفقات التي يساوي مبلغها أو يفوق مليون درهم مع احتساب الرسوم، داخل أجل أقصاه ثلاثة أشهر بعد التسلم النهائي.

ويتضمن التقرير الحالي عدداً من البيانات المهمة، منها الحصيلة المادية والمالية للصفقة ومدى تحقيق الأهداف المسطرة.

غير أن تعزيز دوره في تقييم السياسات والمشاريع العمومية يستدعي اعتماد نموذج موحد وأكثر شمولاً، يسمح بتقييم النتائج من الجوانب الاقتصادية والمالية والتقنية والاجتماعية والبيئية، بحسب طبيعة الصفقة.

كما يُقترح تخفيض سقف إلزامية إعداد التقرير إلى 500 ألف درهم، مع توسيع نطاقه ليشمل سندات الطلب التي تبلغ هذا المبلغ أو تتجاوزه، واعتماد نموذج مبسط يتناسب مع حجم الأعمال.

وينبغي كذلك التنصيص الصريح على توقيع التقرير وتأريخه، وتحديد أجل واضح لنشره على بوابة الصفقات العمومية، حتى لا يبقى مجرد وثيقة داخلية يصعب استثمار نتائجها في التقييم والمُساءَلة.

عاشراً: تمديد صلاحية العروض ينبغي ألا يتحول إلى عبئ إضافي على المقاولات

يعالج مشروع تعديل المادة 143 مسألة تمديد صلاحية العروض وآجال تبليغ المصادقة على الصفقات، مع إتاحة تمديدات إضافية قد يصل مجموعها، في الحالات المحددة، إلى تسعين يوماً.

ورغم أن بعض الصفقات تتطلب آجالاً إضافية لاستكمال مساطر المصادقة، فإن إطالة مدة ارتباط المقاولة بعرضها قد تؤدي إلى تجميد ضماناتها وإرباك تخطيطها المالي والتقني، فضلاً عن احتمال تغير تكاليف التنفيذ خلال هذه المدة.

وعليه، يُقترح حصر التمديدات الاستثنائية في الحالات المبررة كتابةً، مع إلزام صاحب المشروع بتوضيح الأسباب الموضوعية التي تحول دون احترام الآجال الأصلية.

كما ينبغي ضمان موافقة نائل الصفقة بصورة صريحة على التمديدات التي تتطلب موافقته، وعدم ترتيب جزائات على رفضه عندما يمارس حقاً يقره التنظيم.

والهدف من هذا المقترح هو تحقيق التوازن بين متطلبات استمرارية المسطرة الإدارية وحماية المصالح المشروعة للمقاولات.

حادي عشر: من البرمجة التوقعية إلى تقييم فعلي لتنفيذ برامج الشراء العمومي

تفرض المادة 17 نشر البرنامج التوقعي لثلاث سنوات الخاص بالصفقات المزمع إبرامها، وهي آلية مهمة لتوفير الرؤية المسبقة للمتعاملين الاقتصاديين وتمكينهم من الاستعداد للمنافسة.

غير أن نشر التوقعات لا يكفي بمفرده لتقييم جودة التخطيط.

فقد تختلف الصفقات التي تُعلن خلال السنة عن البرنامج المنشور، سواء من حيث عددها أو طبيعتها أو قيمتها أو آجال إطلاقها.

ومن أجل تعزيز مصداقية البرمجة، يُقترح إلزام أصحاب المشاريع بنشر حصيلة سنوية تقارن بين البرنامج التوقعي والصفقات التي أُطلقت فعلياً، مع توضيح أسباب التأجيل أو الإلغاء أو التعديلات الجوهرية.

ويمكن أن تسهم هذه البيانات في تقييم جودة إعداد الحاجيات وقدرة الإدارات على تنفيذ برامجها الاستثمارية، فضلاً عن توفير معطيات تساعد على تحسين التخطيط العمومي.

ثاني عشر: قياس الأثر الفعلي لتخصيص الصفقات للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة 

تنص المادة 148 على تخصيص نسبة %30 من المبلغ التوقعي للصفقات المزمع إطلاقها خلال السنة المالية لفائدة الفئات الاقتصادية المستهدفة، ومنها المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة والتعاونيات والمقاولون الذاتيون.

ويشكل هذا المقتضى إحدى الآليات الرامية إلى توسيع الولوج إلى الطلب العمومي ودعم النسيج المقاولاتي الوطني.

غير أن تقييم فعاليته ينبغي ألا يقتصر على إدراج النسبة ضمن البرمجة التوقعية.

بل يُقترح إرساء منظومة لقياس مدى تحويل هذه البرمجة إلى صفقات تم إسنادها فعلياً للفئات المستهدفة، مع التمييز بين المبالغ المبرمجة والمبالغ المسندة وحصيلة التنفيذ.

كما ينبغي توحيد منهجية احتساب النسبة ونشر النتائج السنوية بصورة تسمح بالمقارنة بين مختلف أصحاب المشاريع.

فالمؤشر الحقيقي لنجاح هذا التوجه لا يتمثل فقط في حجم المبالغ المبرمجة، بل أيضاً في مدى استفادة المقاولات المستهدفة من فرص اقتصادية فعلية ومستدامة.

ثالث عشر: تقوية آليات الوقاية من تضارب المصالح

تتضمن المادة 162 مقتضيات مهمة تتعلق بالنزاهة ومحاربة الغش والرشوة وتضارب المصالح، وتلزم أعضاء اللجان المعنيين بالإفصاح عن حالات التضارب والامتناع عن المشاركة عندما تتوفر أسبابه.

غير أن فعالية هذا النظام يمكن تعزيزها بإرساء إجرائات وقائية موحدة تسبق مرحلة تقييم العروض.

ويُقترح، في هذا الصدد، اعتماد تصريح مسبق بتضارب المصالح أو بعدم وجوده، يوقعه أعضاء لجان فتح الأظرفة والتقييم واللجان الفرعية قبل مباشرة أعمالهم.

كما ينبغي توثيق حالات التنحي والاستبدال والإجراءات المتخذة لمعالجة تضارب المصالح داخل ملف الصفقة.

ومن شأن هذه الإجراءات أن تعزز قابلية القرارات للمراقبة، وتحمي في الوقت نفسه أعضاء اللجان من الشكوك غير المؤسسة بشأن حيادهم واستقلاليتهم.

رابع عشر: إعادة النظر في القيود المفروضة على الاعتراض بشأن اختيار مسطرة إبرام الصفقة

تنص الفقرة السادسة من المادة 163 على عدم إمكانية اعتراض المتنافسين، في إطار آلية التظلم التي تنظمها المادة، على بعض القرارات، ومن بينها اختيار مسطرة إبرام الصفقة.

غير أن هذا الاستثناء يثير إشكالاً يستحق المراجعة، لا سيما عندما يتعلق الأمر باختيار مسطرة استثنائية دون استيفاء الشروط التنظيمية المبررة للجوء إليها.

فإذا كانت الإدارة تتمتع بسلطة تقديرية في اختيار المسطرة الملاءمة ضمن الحدود القانونية، فإن هذه السلطة لا ينبغي أن تعني تحصين مدى احترام الشروط النظامية من المراجعة.

لذلك يُقترح السماح للمتنافسين بالطعن الإداري في مشروعية اختيار المسطرة متى استند الاعتراض إلى عدم احترام الشروط القانونية والتنظيمية المقررة، دون توسيع نطاق الاعتراض ليشمل مجرد الاختلاف مع تقدير الإدارة عندما يكون اختيارها مشروعاً.

وينبغي أن تحافظ الصياغة الجديدة على التمييز بين آليات التظلم الإداري والطعون القضائية المكفولة بموجب التشريعات الجاري بها العمل.

خامس عشر: تحديث بوابة الصفقات العمومية للانتقال من نشر المعلومات إلى تحليلها

شكل إحداث بوابة الصفقات العمومية وتطويرها خطوة أساسية في تحديث منظومة الطلب العمومي، من خلال تجميع الإعلانات والوثائق والنتائج وتسهيل ولوج المتنافسين إلى المعلومات.

غير أن التطور المنشود لا ينبغي أن يتوقف عند رقمنةالإجراءات أو نشر البيانات بصورة منفصلة، بل يستدعي تمكين المواطنين والباحثين وأجهزة الرقابة والمتعاملين الاقتصاديين من استغلال المعطيات العمومية وتحليلها.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية إضافة وظيفة تسمح بالبحث عن الصفقات العمومية بحسب المقاولة أو المتعامل الاقتصادي المستفيد منها.

فبدلاً من الاقتصار على البحث انطلاقاً من صاحب المشروع أو الإعلان المعني، ينبغي إتاحة البحث باسم المقاولة أو معرفها الموحد، للحصول على جميع نتائج الإسناد المنشورة المتعلقة بها، سواء تعلق الأمر بطلبات العروض أو الصفقات التفاوضية أو سندات الطلب.

ومن شأن هذه الوظيفة أن تتيح معرفة عدد الصفقات المسندة إلى المتعامل الاقتصادي وقيمتها الإجمالية وطبيعتها والجهات العمومية التي أسندتها إليه وتوزيعها الزمني والجغرافي.

كما يمكن اعتماد معرف قانوني موحد للمقاولة، مثل التعريف الموحد للمقاولة، لتفادي تشتت نتائج البحث بسبب اختلاف كتابة الأسماء التجارية أو التسميات القانونية.

ويجد هذا التوجه أساسه في المبادئ التي أقرها الفصل 27 من الدستور والقانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، فضلاً عن مقتضيات المادة 134 من مرسوم الصفقات العمومية التي تنظم نشر نتائج الإسناد ووثائق أخرى على البوابة.

وما دام عدد من هذه المعلومات منشوراً بالفعل على مستوى كل صفقة على حدة، فإن تجميعها وإتاحة البحث فيها بحسب المتعامل الاقتصادي يمثل، من حيث المبدأ، تطويراً لوظائف الاستعلام عن معلومات عمومية موجودة، وليس بالضرورة إحداث التزام جديد بالكشف عن معلومات تجارية خاصة.

ومع ذلك، يجب أن يظل هذا التطوير مقيداً بالمعلومات التي يجيز القانون نشرها، وأن يراعي الاستثنائات القانونية المتعلقة بالسرية وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وخاصة بالنسبة للمقاولين الأشخاص الذاتيين، وفق أحكام القانون رقم 09.08.

كما ينبغي التمييز بوضوح بين المبالغ المسندة والمبالغ المؤداة فعلياً، لأن نشر نتائج الإسناد لا يثبت وحده أن الأعمال قد نُفذت أو أن مستحقاتها قد صُرفت.

ويمكن أن تمثل هذه الوظيفة خطوة نوعية في تعزيز شفافية الطلب العمومي، وتوفير معطيات قابلة للاستغلال من قبل المرصد المغربي للطلب العمومي وأجهزة الرقابة والباحثين والمهتمين بالشأن العام.

ويمكن كذلك تطوير أدوات للتصدير الإحصائي والبحث متعدد المعايير، مع الحفاظ على إمكانية الرجوع إلى الوثيقة الرسمية التي تشكل مصدر كل معلومة.

سادس عشر: استكمال الإطار التنظيمي بدفاتر شروط إدارية عامة ملاءمة لمختلف أنواع الصفقات

لا تقتصر فعالية منظومة الصفقات العمومية على القواعد المتعلقة بالإبرام، بل تمتد إلى المقتضيات المنظمة لتنفيذ الالتزامات التعاقدية وتسوية الخلافات بين صاحب المشروع ونائل الصفقة.

وتكتسي دفاتر الشروط الإدارية العامة أهمية أساسية في هذا المجال، باعتبارها الإطار المرجعي الذي يحدد حقوق الأطراف والتزاماتها وآليات التنفيذ والتسلم والضمانات والجزائات وفسخ الصفقات.

غير أن المادة 16 من مرسوم الصفقات العمومية تسمح، عند عدم وجود دفتر شروط إدارية عامة خاص بنوع معين من الأعمال، بالاستناد إلى الدفتر الأكثر ملاءمة مع إدخال التعديلات اللازمة.

ورغم ما توفره هذه الآلية من مرونة، فإنها قد تؤدي إلى اختلاف البنود التعاقدية بين أصحاب المشاريع بالنسبة لأعمال متشابهة، وما ينتج عن ذلك من تباين في الممارسات وصعوبات في التأويل والتنفيذ.

ومن ثم، تبرز أهمية استكمال الإطار التنظيمي من خلال اعتماد دفاتر شروط إدارية عامة ملاءمة لصفقات التوريدات وصفقات الخدمات الأخرى غير الدراسات، إلى جانب تحديث الدفاتر الإدارية العامة القائمة، وخاصة المتعلقة بالأشغال والدراسات والإشراف على الأشغال.

وينبغي أن يواكب هذا الورش تطور طبيعة المشتريات العمومية، والتحول الرقمي، والمتطلبات المتعلقة بالنجاعة وتدبير المخاطر وتنظيم المسؤوليات التعاقدية.

فوجود دفاتر شروط واضحة ومتجانسة لا يحمي فقط المصالح المالية للإدارة، بل يسهم أيضاً في تعزيز الأمن القانوني للمقاولات وتقليص المنازعات وتحسين شروط تنفيذ المشاريع.

خاتمة: نحو إصلاح يجعل الشفافية والنجاعة قابلتين للقياس

إن مراجعة مرسوم الصفقات العمومية تمثل فرصة لتطوير منظومة لا تقتصر وظيفتها على تنظيم المنافسة وإسناد الصفقات، بل تمتد إلى ضمان جودة الإنفاق العمومي وفعالية المشاريع وتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالطلب العمومي.

وتبرز أهمية هذه المراجعة في ضرورة معالجة أوجه الغموض التي قد تؤدي إلى اختلاف التأويلات، وضبط مجال السلطة التقديرية لأصحاب المشاريع واللجان، وتقوية آليات الرقابة والشفافية والمُساءَلة.

كما أن الرفع من النجاعة يقتضي تحقيق توازن دقيق بين تبسيط المساطر والحفاظ على ضمانات المنافسة، وبين حماية مصالح الإدارة وصيانة الحقوق المشروعة للمتنافسين ونائلي الصفقات.

ولا ينبغي أن يقتصر الإصلاح على تسريع الإبرام أو رفع السقوف المالية لبعض المساطر، بل يتعين أن يشمل أيضاً جودة التقديرات المالية، وموضوعية اختيار العروض، وفعالية الافتـحاص، وتتبع نتائج التنفيذ، وضمان الولوج إلى المعلومات العمومية.

وفي هذا السياق، يمكن للحكومة أن تجعل من التعديل الجاري مناسبة لتعزيز الانسجام بين المرسوم ومختلف النصوص المنظمة للطلب العمومي، مع العمل على استكمال الإطار التنظيمي للتنفيذ وتطوير الأدوات الرقمية للتتبع والمراقبة.

فنجاح أي إصلاح للصفقات العمومية لا يقاس فقط بعدد الإجراءات التي جرى تبسيطها أو بالمدد التي تم اختصارها، وإنما بمدى قدرته على ضمان منافسة عادلة، وإسناد موضوعي، وإنجاز فعلي، وإنفاق ناجع، ورقابة مستقلة، مساءلة قائمة على معلومات موثوقة وقابلة للتحقق.

وتلك هي الغاية التي ينبغي أن تؤطر تحديث منظومة الطلب العمومي، حتى تصبح المبادئ المنصوص عليها في المادة الأولى من المرسوم التزامات عملية تنعكس على جودة التدبير العمومي وحسن استعمال الأموال العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *