وجهة نظر

الديمقراطية بين “جماعة العدل والإحسان” و”حركة التوحيد والإصلاح”

الديمقراطية بين “جماعة العدل والإحسان” و”حركة التوحيد والإصلاح”

عقدت الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان مؤخرا جمعها العام وأعادت انتخاب الدكتور عبد الواحد المتوكل رئيسا لها مع طاقم مساعد، وعقدت حركة التوحيد والإصلاح قبل يومين جمعها العام الثامن وأفرزت قيادة جديدة برئاسة الدكتور محمد لبراهيمي مع طاقم مساعد.

بداية أهنئ الدكتور عبد الواحد المتوكل على تجديد الثقة فيه من قبل إخوانه، وأهنئ الدكتور محمد لبراهيمي على الثقة التي حظي بها من قبل إخوانه، كما أدعو العلي القدير أن يحفظ الدكتور أوس الرمال وأن يسعده في الدارين، كما أرجو منه ألا ينسانا من الدعاء في الديار المقدسة أثناء الزيارة والعمرة.

بعد تجديد الثقة في الدكتور المتوكل، أمطرنا كثير من أبناء التوحيد والإصلاح بتدوينات تغمز في قناة العدل والإحسان من حيث انعدام الديمقراطية الداخلية، وان القيادة لا تتجدد، وأن ذلك يتنافى مع مبادئ الديمقراطية، إلخ. هؤلاء الكتبة لم يترددوا في تمجيد مخرجات الجمع العام لحركتهم بكونها ديمقراطية حقيقية، وديمقراطية مبهرة، وديمقراطية داخلية تسهم في تجديد النخب، إلخ.

هنا نتساءل، هل فعلا حركة الإصلاح والتجديد ديمقراطية؟ وهل تجديد أشخاص القيادة هو بالضرورة ديمقراطية؟ وهل عدم تجديد أشخاص القيادة يتنافى بالضرورة مع مبادئ الديمقراطية؟

في الملكيات الأوربية، لا أحد ينازع في ديمقراطية إسبانيا مثلا، ورغم ذلك فإن السياسي قد يكون رئيس الحكومة لأكثر من مرتين ولا يوجد ما يمنع ذلك، وقد تربع فيليبي غونزاليس على عرش الحكومة ثلاث مرات متتابعة دامت ربما 14 سنة، ولم يطعن أحد في ديمقراطية إسبانيا، مع العلم أن رئيس الحكومة هو الحاكم الفعلي، وهو صاحب السلطة الفعلية، بما في ذلك قرار الحرب والسلم. وفي ألمانيا، يحق للشخص أن يكون مستشارا لألمانيا أكثر من مرتين، وبقيت أنجيلا ميركل أربع مرات مستشارة لمدة 16 سنة، ولا أحد يطعن في ديمقراطية ألمانيا، رغم أن المستشار هو صاحب السلطة الفعلية خلافا للرئيس.
من خلال النموذجين أعلاه، وغيرهما كثير، يتبين أن الربط الأوتوماتيكي بين الرئاسة والمنصب وبين ضرورة المرتين المتتاليتين دون زيادة مجرد وهم، فقد تتحقق الديمقراطية مع تعدد الولايات وزيادتها على المرتين.
ومنه يتبين أن النقد الذي وجهه [بعض] أبناء التوحيد والإصلاح للعدل والإحسان غير ذي معنى.

بالنسبة للتوحيد والإصلاح، فإنهم جمعوا بين نقيضين غريبين جعلت تجديد القيادة في جمعهم العام تدخل في [اللامعنى]، وبيان ذلك من خلال الآتي.
القانون الداخلي يسمح بانتخاب الدكتور أوس.
الجمع العام يصادق بالإجماع على التقريرين الأدبي والمالي.
النتيجة المنطقية هي إعادة انتخاب الدكتور أوس.
لأنه ما دام أنه حصل على الإجماع، يعني أن الناخبين لا يتحفظون تحفظات عميقة على تدبيره وتسييره، والاستمرارية على الأقل لمرتين مفيدة جدا، فلماذا يقهقرونه في الرتبة بعد الدكتور لبراهيمي وبفارق كبير؟ ما معنى هذا؟
للإجابة عن هذا السؤال هناك احتمالات:
الاحتمال الأول: الإجماع الذي حصل عليه التقرير الأدبي بالخصوص كان مجاملة، والأعضاء لهم تحفظات قوية وحقيقية على تدبير الدكتور أوس لكنهم لم يظهروها في النقاش وعبروا عنها في التصويت العقابي.
الاحتمال الثاني: منتسبو التوحيد والإصلاح مهووسون بمسألة تجديد القيادة لتسويقها كأنها الديمقراطية الداخلية الحقيقية خلافا لاستصنام القيادة.
الاحتمال الثالث: منتسبو التوحيد والإصلاح هم منتسبو العدالة والتنمية، وولاؤهم لبنكيران أقوى من ولائهم لقيادة الحركة، لذلك تأثروا بقضية خصومة رئيسهم بنكيران لرئيسهم أوس.
وعموما، فإننا في أمس الحاجة لمعرفة سبب التصويت إيجابا على التقرير الأدبي لمرحلة الدكتور أوس والتصويت سلبا على شخص الدكتور أوس، هذه المفارقة لا نجدها في الأدبيات الديمقراطية.
في الأدبيات الديمقراطية الحقيقية وليست الشكلية، يترشح الرئيس للمرة الثانية، فإذا كان الناخبون على وفاق مع عمله الذي أبداه في فترته الرئاسية فإنه ينجح، وإذا لم يكونوا على وفاق، فإنهم يصوتون عليه تصويتا عقابيا. هذا هو المنطق الديمقراطي، وما وقع في الجمع العام للتوحيد والإصلاح هو المنطق المقلوب. ولا علاقة له بالديمقراطية، نعم، هو ديمقراطية شكلية.

الفرق بين الحزب السياسي والحركة الإسلامية.
الحزب السياسي هو تنظيم يمارس السياسة للوصول إلى السلطة، لذلك قد يكون ضبط فترته بولايتين اثنتين سائغا.
أما رئيس الحركة الإسلامية فلا يصل إلى السلطة، فلماذا نركز حد الهوس على ضرورة تحديد فترته؟

مهام رئيس الحركة الإسلامية.
لمعرفة مهام رئيس الحركة يجب أن نعرف مهام الحركة.
الحركة الإسلامية مخالفة تماما للحزب السياسي.
الحركة الإسلامية تحض منتسبيها على حفظ القرآن الكريم وتتبع ذلك، والحزب السياسي لا يركز على هذا.
الحركة الإسلامية تحض منتسبيها على الصلاة في وقتها، وترغيبهم في الصلاة في الجماعة المسجدية، وترغبهم في قيام الليل، وترغبهم في ملازمة الأذكار النبوية كعمل اليوم والليلة، وترغبهم في العمل الإحساني [الزكاة، الصدقة، التضامن …]، والحزب السياسي لا يلتفت إلى هذه القضايا.
الحركة الإسلامية تسهر على تربية منتسبيها على القيم الصدق/الكذب، الخيانة/الأمانة …. وتسهر على التكوين الشرعي لمنتسبيها في العقيدة والفقه والأخلاق … والحزب السياسي لا يلتفت إلى هذه القضايا.
بالنظر إلى مهام الحركة الإسلامية، فإن قيادتها يجب أن تكون بالضرورة ربانيةً، ويجب أن تكون القدوة للمنتسبين.
وبالتالي، فإذا وجدنا قيادة ربانية ناجحة في تأطير المنتسبين بما سبق بيانه، فلماذا نلجأ إلى تغييرها المتكرر؟
هل نغيرها فقط ليقال عنا: ديمقراطيون؟
تباً لهذا.
وعلى المنتسبين أن يحافظوا على تنظيمهم من خلال الحفاظ على قيادتهم الناجحة، وبدل تغييرها، يمكن تطعيمها بأعضاء جدد لتوسيع دائرة القيادة، للقدرة على تأطير المنتسبين المتكاثرين عددا، والموزعين مجالاً.
أما الهوس بالتغيير فقد يكون حالة مرضية بغطاء ديمقراطي، أو هو في أحسن الأحوال ديمقراطية شكلية.

عموما، شخصيا، لا أرى التمسك بالولايتين من لوازم الديمقراطية، ولا أرى كثرة تقلد المسؤولية مخالفا للديمقراطية، هذا عموما.
أما خصوصا، وأقصد العمل الإسلامية، فالمعيار هو النجاح، فإذا كانت القيادة ناجحة في عملها فلا حاجة البتة للتغيير.

ختاما، أجدد التهنئة للدكتور المتوكل من العدل والإحسان، وأجدد التهنئة للدكتور لبراهيمي من التوحيد والإصلاح، وندعو بظهر الغيب للدكتور أوس حفظه الله.
والله أعلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *