الجالية المغربية في إسبانيا.. من الامتداد الديموغرافي إلى الحضور السياسي

لم تعد العلاقات المغربية الإسبانية تُدار فقط من خلال القنوات الدبلوماسية الرسمية، أو عبر اللقاءات الحكومية والاتفاقيات الثنائية، بل أصبحت تمتد، بشكل متزايد، إلى فضاءات المجتمع والسياسة والاقتصاد. وفي هذا السياق، تبرز الجالية المغربية المقيمة بإسبانيا باعتبارها مكوّناً بشرياً يمكن أن يشكل، إذا توفرت له شروط التأطير والمشاركة، رافعة مهمة للحضور المغربي داخل المجتمع الإسباني.
المسألة هنا لا تتعلق بتحويل الجالية إلى أداة سياسية، بقدر ما تتعلق بطرح سؤال مشروع حول كيفية انتقال المواطنين من أصول مغربية من مجرد حضور ديموغرافي واقتصادي إلى مشاركة مدنية وسياسية طبيعية داخل المؤسسات التي يعيشون في إطارها.
من الكثافة السكانية إلى التأثير المدني
تتمتع الجالية المغربية في إسبانيا بحضور لافت في عدد من الجهات والمدن، كما أن اتساع دائرة المواطنين الإسبان من أصول مغربية يفتح، على المدى المتوسط، مجالاً أكبر للمشاركة في الانتخابات والحياة العامة.
غير أن الكتلة الديموغرافية لا تتحول تلقائياً إلى قوة سياسية. فالتأثير الانتخابي الحقيقي يحتاج إلى مواطنين منخرطين في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، وجمعيات مدنية قادرة على الترافع، وكفاءات شابة حاضرة في المجالس المحلية والبرلمانات والهيئات المهنية.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على عدد الأصوات فقط، وإنما على جودة المشاركة السياسية والمدنية وقدرة أبناء الجالية على التعبير عن مصالحهم ومصالح مجتمعاتهم بشكل مؤسساتي وديمقراطي.
المطلوب: سياسة قرب لا سياسة توجيه
قد يكون من المفيد التفكير في استراتيجية جديدة تقوم على دعم النسيج الجمعوي المغربي في إسبانيا، وتشجيع الكفاءات والشباب من أصول مغربية على الانخراط في الحياة السياسية الإسبانية، سواء من خلال المشاركة الحزبية أو الترشح للانتخابات المحلية والوطنية.
كما يمكن للدبلوماسية المحلية أن تلعب دوراً مهماً عبر توسيع التعاون بين الجماعات الترابية المغربية ونظيراتها الإسبانية، خصوصاً في المدن التي تعرف حضوراً مهماً للمواطنين من أصول مغربية.
التوأمة، والتعاون اللامركزي، والتبادل الثقافي والاقتصادي، يمكن أن تشكل جسوراً عملية تتجاوز الخطاب التقليدي، وتخلق شبكة من المصالح المشتركة بين الضفتين.
الدبلوماسية الموازية.. فرصة تحتاج إلى تنظيم
إن الدفاع عن المصالح المغربية، بما فيها المصالح الاقتصادية والقضايا المرتبطة بالوحدة الترابية، لا يمر بالضرورة فقط عبر الخطاب الرسمي. فالمجتمع المدني والمنتخبون والباحثون ورجال الأعمال وأفراد الجالية يمكن أن يشكلوا جميعاً جزءاً من منظومة أوسع للدبلوماسية الموازية.
لكن نجاح هذا المسار يقتضي احترام استقلالية المؤسسات الإسبانية وقواعد العمل السياسي فيها، وتفادي تحويل الجالية إلى مجرد امتداد لأي جهة خارجية. فالقوة الحقيقية لأي حضور سياسي تكمن في استقلالية أصحابه، وفي قدرتهم على الاشتغال داخل المؤسسات وفق القوانين والآليات الديمقراطية المعمول بها.
إسبانيا.. مجال استراتيجي للحضور المغربي
تكتسي إسبانيا أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي وتشابك المصالح الاقتصادية والأمنية، وإنما أيضاً بسبب الحضور البشري المغربي المتنامي داخل المجتمع الإسباني.
ومن ثم، فإن السؤال الذي يستحق النقاش اليوم هو: هل حان الوقت للانتقال من مقاربة تركز أساساً على تدبير شؤون الجالية إلى مقاربة أوسع تقوم على تمكينها من المشاركة المدنية والسياسية وتعزيز حضورها المؤسساتي؟
الجواب لن يكون في صناعة “لوبي” بالمعنى الضيق، وإنما في بناء قوة مدنية مغربية-إسبانية قادرة على الحوار والترافع والتأثير المشروع، من داخل المؤسسات وباحترام قواعد اللعبة الديمقراطية.
فالجالية ليست مجرد أرقام في الإحصاءات، ولا مجرد تحويلات مالية أو جسور عائلية بين بلدين؛ إنها أيضاً طاقات وكفاءات وأجيال جديدة يمكن أن تصبح جزءاً من صياغة مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية.
ويبقى التحدي الحقيقي هو كيفية تحويل هذا الرصيد البشري إلى حضور مؤسساتي مسؤول، مستقل، ومنظم، بما يخدم مصالح الجالية أولاً، ويفتح في الوقت نفسه آفاقاً جديدة للتعاون بين المغرب وإسبانيا.
Cordialement FIKRI OUALD ALi Journaliste GSM :+212 661 98 67 07 [[email protected]](mailto:[email protected])
اترك تعليقاً