باريك: زيرو ملعب وزيرو “أوتوروت” وندفع نفس الضرائب.. وساكنة الجبل “قتلتها تاشفارت”

انتقد عبد العزيز باريك، النائب البرلماني عن دائرة ميدلت، ما اعتبره غيابا للبعد المناخي والعدالة الجبائية والمجالية في مشروع قانون المالية، محذرا من تفاقم معاناة سكان المناطق الجبلية، في ظل الارتفاع الكبير لأسعار حطب التدفئة، وضعف البنيات التحتية والخدمات الصحية، واستمرار الفوارق في تسويق المنتجات المحلية.
وقال باريك، خلال مداخلته بمناسبة مناقشة مشروع قانون المالية، بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، اليوم الجمعة، إن المشروع لم يستحضر بما يكفي خصوصيات المناطق الجبلية وتأثير الظروف المناخية على القدرة الشرائية لسكانها، معتبرا أن مفهوم القدرة الشرائية لا ينبغي اختزاله في أسعار المواد الغذائية الأساسية فقط.
وفي هذا السياق، لفت البرلماني إلى الارتفاع الكبير الذي تعرفه أسعار الحطب بمناطق الجبال، موضحا أن “القدرة الشرائية ما كتختصرش غير فالبصلة ومطيشة وخيزو”، بل تشمل أيضا المواد الضرورية للتدفئة، التي تشكل عبئا متزايدا على الأسر مع اقتراب فصل الشتاء.
وأضاف أن قنطار الحطب الذي يكفي الأسرة للتدفئة لمدة أسبوع تقريبا، أصبح سعره يصل إلى 400 درهم، رغم أن التساقطات المطرية لم تبدأ بعد، محذرا من أن الأسعار قد ترتفع إلى 600 درهم مع حلول فصل الشتاء، خصوصا في ظل لجوء بعض التجار إلى تخزين هذه المادة.
وتساءل باريك عن التدابير التي تعتزم الحكومة اتخاذها لمواجهة هذه الوضعية، داعيا إلى تدخل مماثل للتدابير المتخذة بشأن المواد الغذائية، من أجل الحد من المضاربة وضمان وصول مواد التدفئة إلى المواطنين بأسعار معقولة، مشددا على أن هذا الجانب يظل غائبا عن البرنامج الحكومي.
وفي محور آخر، انتقد النائب البرلماني ما وصفه بالتناقض بين رفع شعار العدالة المجالية ومحدودية الإجراءات العملية الكفيلة بتحقيقه، معتبرا أن مشروع قانون المالية ركز بشكل أكبر على الجانب الضريبي دون إقرار مدخل حقيقي للإنصاف بين المجالات الترابية، وفي مقدمتها العدالة الجبائية.
وقال باريك إن سكان المناطق التي تعاني من ضعف البنيات التحتية والطرق والسكك الحديدية لا يمكن أن يؤدوا الضرائب نفسها التي يؤديها سكان المناطق المستفيدة من تجهيزات وخدمات أكثر تطورا، مضيفا: “راه ما يمكنش حنا زيرو تيران، زيرو أوتوروت، زيرو سكة، وفاش كنجيو للضرائب نخلصو نفس الشي، هادا مشكل”.
واستحضر المتحدث معاناة مستعملي الطرق بإقليم ميدلت، موضحا أن التنقل عبر المسالك المتدهورة يفرض على أصحاب السيارات مصاريف إضافية لإصلاح الأعطاب الميكانيكية، قائلا إن السائق بمجرد مروره عبر طريق تتوسط الحفر مختلف مقاطعها، يجد نفسه مضطرا إلى زيارة الميكانيكي وأداء مبالغ تصل إلى 400 درهم.
وشدد على أن تحقيق العدالة المجالية يقتضي إجراءات ملموسة تراعي حجم الخصاص والفوارق بين الجهات والأقاليم، وليس الاكتفاء بالشعارات، مؤكدا أن معاناة ساكنة المناطق الجبلية “كبيرة وكبيرة جدا”.
ومن بين الملفات التي أثارها باريك، وضعية عدد من الشباب الذين انخرطوا في نظام المقاول الذاتي استجابة للدعوات الحكومية الرامية إلى تشجيع المبادرة الفردية وإدماج الشباب في النسيج الاقتصادي، قبل أن يجدوا أنفسهم، بحسب تعبيره، أمام التزامات ضريبية واجتماعية رغم عدم مزاولتهم أي نشاط فعلي.
وأوضح أن عددا من هؤلاء الشباب استخرجوا بطاقات المقاول الذاتي أملا في الاستفادة من البرامج الحكومية، لكنهم لم يباشروا أي مشاريع، ليجدوا أنفسهم مطالبين بأداء مستحقات ضريبية، فضلا عن مبالغ مرتبطة بالانخراط في نظام التغطية الصحية.
ودعا الحكومة إلى اعتماد مقاربة تصالحية مع هذه الفئة، وإعفاء المعنيين من الديون والالتزامات المتراكمة في الحالات التي لم يزاولوا فيها أي نشاط، معتبرا أنه من غير المنصف أن يتحول حماس الشباب للانخراط في المبادرات الحكومية إلى عبء مالي يلاحقهم.
وفي الجانب الصحي، انتقد البرلماني ضعف العرض الصحي بإقليم ميدلت، معتبرا أن غياب المستشفيات والمؤسسات الصحية القادرة على تقديم العلاج يدفع المواطنين إلى التنقل لمسافات طويلة، حتى في الحالات التي يفترض أن تتكفل بها المؤسسات الصحية المحلية.
وقال باريك بلهجة انتقادية إن الإقليم يتوفر، بحسب تعبيره، على محطات للإسعاف أكثر مما يتوفر على مؤسسات استشفائية، مضيفا: “تمشي لمستوصف صحي، تحيد ديك البلاكة ديال مستوصف، دير فيها محطة للإسعاف، غتكون عادية جدا”.
وأوضح أن المريض الذي يقصد بعض المراكز الصحية لا يحصل في كثير من الأحيان سوى على ورقة توجيه نحو المستشفى الجهوي بالرشيدية، مضطرا إلى أداء نحو 1200 درهم مقابل سيارة الإسعاف، متسائلا عن جدوى هذه التكاليف في ظل غياب البنيات الصحية المحلية.
وأضاف مستنكرا: “ما عندناش بنايات، ما عندناش مؤسسات، وعوتاني تنزيدو نخلصو.. واش نوصلو ولا ما نوصلوش”، في إشارة إلى الأعباء التي يتحملها المواطنون بسبب ضعف الخدمات الصحية وبعد المؤسسات الاستشفائية.
كما انتقد الحالة المتردية للطرقات بالإقليم، معتبرا أن استمرار هذه الاختلالات لم يعد مقبولا في ظل توفر السلطات على وسائل رقمية وتقنيات تسمح برصد وضعية البنيات التحتية وتتبع الأوراش.
وفي حديثه عن إنعاش الاقتصاد المحلي وتثمين المنتجات المجالية، أثار باريك مفارقة الأسعار التي يواجهها منتجو التفاح بإقليم ميدلت، مقارنة بالأسعار التي يصل بها المنتوج نفسه إلى المستهلكين في المدن الكبرى.
وأوضح أن التفاح يباع في ميدلت بنحو 5 دراهم للكيلوغرام، بينما يصل سعره في الدار البيضاء والرباط إلى 15 أو 20 درهما، معتبرا أن فارق السعر الكبير يعكس محدودية الجهود المبذولة لتثمين المنتوجات المحلية وتحسين تسويقها.
وقال في هذا الصدد إن الإقليم يتوفر على مؤهلات فلاحية مهمة، وفي مقدمتها إنتاج التفاح، غير أن المنتجين لا يستفيدون بالشكل المطلوب من القيمة التجارية لمنتوجاتهم، داعيا إلى تدخل يضمن تسويقها بشكل أفضل ويحد من الفارق الكبير بين أسعار البيع من المنتج وأسعار وصولها إلى المستهلك.
ولم تخل مداخلة البرلماني من اتهامات مباشرة بشأن تدبير بعض مشاريع البنيات التحتية بالإقليم، إذ استعار عبارة “بين هذا وذاك” التي سبق أن استخدمها وزير، قبل أن يوجه انتقادات حادة لما وصفه بانتشار الفساد والتلاعب بالمال العام.
وقال باريك: “حنا فالإقليم قاتلنا الفساد، ماشي حتى الفساد، قاتلنا التشفارت بالعلالي”، قبل أن يقدم مثالا يتعلق بمشروع طريق يبلغ طوله 8 كيلومترات، رصد له غلاف مالي يصل إلى 3 مليارات و500 مليون سنتيم.
وادعى النائب البرلماني أن الأشغال المنجزة بهذا المشروع لا تعكس حجم الاعتمادات المالية المرصودة له، قائلا: “قسما بالله ما تصرفات فيها 10 د المليون”، في إشارة إلى ما اعتبره تفاوتا صارخا بين الكلفة المعلنة وحقيقة الأشغال المنفذة.
وأضاف أن الساكنة حاولت تنبيه المقاول إلى الاختلالات التي تعرفها الأشغال، غير أنه رد، وفق روايته، بالقول إنه يريد إقامة حاجز في المكان بدل إنجاز الطريق، متحدثا عن سلوكه تجاه المواطنين بطريقة وصفها بالتعالي وعدم الاكتراث بشكاواهم.
ودعا البرلماني عن دائر ميدلت إلى مزيد من الليونة والإنصات لمطالب الساكنة، في ظل ما وصفه بتراكم مظاهر التهميش وضعف التجهيزات والخدمات الأساسية بإقليم ميدلت، مؤكدا أن تحقيق العدالة المجالية يظل رهينا بالانتقال من الشعارات إلى إجراءات ملموسة تنعكس على الحياة اليومية للمواطنين.
اترك تعليقاً