البرلماني عياش: كيف نراقب أوراش المونديال ومفتشو الشغل يتنقلون بسياراتهم الخاصة؟

انتقد صلاح عياش، النائب البرلماني عن فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، ما اعتبره محدودية الإجراءات الحكومية لتعزيز الدور الاجتماعي للدولة، محذرا من أن التوجه الحالي قد يكرس نموذجا تنمويا يقوم على دور تدخلي محدود للدولة، في مقابل ضعف أجهزة الرقابة على تطبيق القوانين الاجتماعية، وعلى رأسها جهاز تفتيش الشغل.
وقال عياش، خلال مناقشة مشروع قانون المالية، بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، اليوم الجمعة، إن تقييم مدى تقدم المغرب نحو بناء الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن يقتصر على الشعارات والتوجهات المعلنة، بل يتطلب اعتماد معايير واضحة لقياس انعكاس السياسات الحكومية على أرض الواقع، سواء في قطاعات الصحة والتعليم والنقل والسكن، أو من خلال دور الدولة في تقليص الفوارق الاجتماعية.
وأوضح أن الدولة الاجتماعية تقتضي اضطلاع الدولة بدور تدخلي في القطاعات الأساسية، إلى جانب دور رعائي يهدف إلى تقليص الهوة بين الفئات الاجتماعية، غير أنه سجل وجود مؤشرات توحي، بحسب تقديره، باستمرار توجه ليبرالي يمنح الدولة دورا تنمويا، مع حصر تدخلها الاجتماعي في نطاق محدود.
وفي هذا السياق، ربط البرلماني بين قوة الدولة الاجتماعية وفعالية أجهزة الرقابة، متسائلا عن جدوى الحديث عن الحماية الاجتماعية والعمل اللائق في غياب الإمكانيات البشرية واللوجستية والقانونية الكفيلة بفرض احترام التشريعات الاجتماعية.
وخصص عياش حيزا مهما من مداخلته لوضعية جهاز تفتيش الشغل، معتبرا أنه يشكل إحدى الركائز الأساسية لحماية حقوق الأجراء ومراقبة احترام القوانين والتشريعات الاجتماعية، خصوصا في ظل الأوراش الكبرى التي يستعد المغرب لإطلاقها خلال السنوات المقبلة، وفي مقدمتها المشاريع المرتبطة بتنظيم كأس العالم.
وأشار إلى أن الحكومتين السابقتين اتخذتا بعض الإجراءات المحدودة لتعزيز هذا الجهاز، من بينها الرفع من عدد مفتشي الشغل وتحسين تعويضات التنقل، غير أنه سجل غياب إجراءات واضحة لمواصلة هذا المسار ضمن البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية الحالي.
وتوقف البرلماني عند تخصيص 20 منصبا ماليا فقط لقطاع التشغيل والحماية الاجتماعية، متسائلا عما إذا كانت هذه المناصب ستوجه إلى مفتشي الشغل أم التقنيين أم المتصرفين، في وقت ينتظر أن تعرف البلاد افتتاح أوراش اقتصادية وبنيوية كبرى تتطلب مراقبة مستمرة لظروف العمل، مشددا على أن المغرب لا يملك خيارا سوى تعزيز جهاز تفتيش الشغل من الناحية البشرية، وتوفير الحماية القانونية والتحفيزات اللازمة لموظفيه، إلى جانب تحسين ظروف اشتغالهم.
وفي انتقاد لافت للوسائل اللوجستية المتاحة للمفتشين، كشف عياش أن بعضهم يضطر إلى استعمال سياراته الخاصة للقيام بزيارات المراقبة إلى المقاولات وأماكن العمل. وأضاف مستنكرا: “مفتش الشغل كيمشي يراقب شروط العمل اللائق، وعرفتي باش كيدير الزيارات السيد الوزير؟ بالسيارة الخاصة ديالو”، معتبرا أن هذه الوضعية تطرح تساؤلات بشأن المكانة التي تمنحها الدولة لجهاز يفترض أن يسهر على احترام القوانين الاجتماعية.
وربط المتحدث بين تفعيل ميثاق الشغل اللائق الذي أشار إليه مشروع قانون المالية، وبين تقوية جهاز التفتيش، مؤكدا أن إقرار الميثاق لن يحقق أهدافه ما لم تتوفر المؤسسة المكلفة بمراقبة تطبيق مقتضياته على الإمكانيات الضرورية.
وفي الشق المتعلق بالخدمات الاجتماعية، أثار عياش مسألة التفاوت في توزيع العرض الصحي بين المجالات الترابية، مشيدا بتخصيص نحو 45 مليار درهم لقطاع الصحة، لكنه شدد على ضرورة ضمان توزيع عادل لهذه الاعتمادات والاستثمارات على مختلف مناطق البلاد.
وحذر من أن استمرار الفوارق بين المدن والأقاليم قد يؤدي إلى تكريس ما وصفه بسير المغرب بسرعتين، إذ توجد مناطق حققت تقدما في تجهيزاتها وخدماتها الصحية، مقابل مناطق أخرى تسير بوتيرة بطيئة، وأخرى ما تزال تعاني من تعثر واضح.
واستحضر في هذا السياق وضعية جماعة تسلطانت، التي قال إن عدد سكانها يتجاوز 100 ألف نسمة، بينما لا تتوفر سوى على مركز صحي واحد، يخضع حاليا لإعادة التأهيل منذ أشهر وسنوات، متسائلا عن الكيفية التي يمكن بها لهذه الساكنة الاستفادة من العرض الصحي بشكل عادل.
وقال إن بعض الجماعات أصبحت تعاني من وضعية مجالية ملتبسة، فلا هي مصنفة بشكل واضح ضمن المجال القروي ولا الحضري، رغم ما تعرفه من توسع ديمغرافي وحاجيات متزايدة للخدمات الأساسية.
وأكد أن معالجة هذا الخصاص لا ينبغي أن تقتصر على توفير الموارد البشرية، رغم أهميتها، بل يتعين أن تشمل أيضا البنيات التحتية الصحية، حتى لا تظل الاستثمارات العمومية متركزة في مناطق دون أخرى.
كما أكد عياش على أن بناء الدولة الاجتماعية يقتضي الانتقال من الإعلان عن الاعتمادات المالية والبرامج الحكومية إلى ضمان توزيع منصف للخدمات والإمكانيات، وتعزيز أجهزة الرقابة التي تسهر على حماية الحقوق الاجتماعية، بما يضمن استفادة مختلف المجالات الترابية من ثمار التنمية.
اترك تعليقاً