وجهة نظر

حكومة يسارية “الهوى” يمينية السياسات ورأسمالية الميزانية!

محمد بادرة

غريب حال الأحزاب السياسية المغربية اليوم؛ قد تجدها عديمة اللون والطعم والرائحة، وقد تجدها متلونة مثل الحرباء، لا تتبنى مبادئ ثابتة، والحياة السياسية لديها عبارة عن صراع للوصول إلى دفة السلطة، و”الفوز” بالمناصب الحكومية والبرلمانية هو غايتها، والغاية تبرر أي وسيلة للوصول إلى كرسي المسؤولية، سواء بالاقتراع الانتخابي أو باستعمال المال الفاسد أو استغلال النفوذ والسلطة، ولا يهم حتى إذا استُعملت الورقة الدينية للفوز بالمقعد الانتخابي…

الهدف الأول والوحيد لكل الأحزاب السياسية هو الفوز بالكراسي والمناصب، وبما أن طرفاً حزبياً واحداً لا يستطيع الوصول إلى هذا الهدف وحده، لاستحالة الفوز بالأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، فإنه ملزم بعقد تحالف أو تحالفات مع حزب أو أحزاب أخرى حاملة لأهداف مشتركة، أو خلق تكتل حزبي تؤطره أرضية توافقية بين الأحزاب المتحالفة، قصد تحقيق الأهداف المشتركة حول قضايا معينة.

ويقود التحالف الحكومي الحالي حزب الأصالة والمعاصرة، الخارج من عباءة “المخزن”. ولقد نجح في إجراء “عملية جراحية تجميلية” للمشهد الحزبي لأجل إخراج حكومة “المونديال” في “حلة جديدة”. وأول ما يتبادر إلى الذهن حول هذه التشكيلة هو: ما الذي يدفع إلى التحالف بين أحزاب سياسية يوجد ما يفرق بينها أكثر مما يجمعها؟ ما الذي يجمع بين حزب ليبرالي حداثي “علماني” وحزب محافظ أسسه أحد أقطاب الحركة السلفية (علال الفاسي)؟ وعلى أي أرضية التقت أحزاب تنتسب إلى اليسار الاشتراكي مع المكونين السياسيين السابقين؟

الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها هي أن التحالفات، وإن كانت ضرورية لبلورة تكتل سياسي يسمح بقدر من التعاون والتنسيق لتشكيل الحكومة، فإن نجاعتها وأهميتها لن تتحققا إلا بقدر من التوافق بين التوجهات والمرجعيات، حتى لا تكون مهددة في كل حين بالتفكك، وحتى لا تتمخض عنها حكومة مفتقرة إلى الانسجام.

الغريب في التجارب الحكومية السابقة والحالية أن الأحزاب السياسية التي تشكلت منها هي نفسها، وتقريباً بالقيادات الحزبية والبرلمانية نفسها… وكلها تعاقبت على إدارة دواليب الشأن العام منذ مدة غير قصيرة، بدأت قبل حكومة التناوب التوافقي برئاسة المرحوم عبد الرحمان اليوسفي، وخلالها وبعدها، ولا تزال على المسار نفسه وبالأدوار نفسها، وفي إطار تقاسم المصالح والمنافع وتوزيع المناصب الحكومية بالمحاصصة.

وهكذا، فكل الحكومات المتعاقبة وأحزابها “المتحالفة” تتحمل المسؤولية التاريخية، بدرجات متفاوتة، عن الإخفاقات والفساد وضعف بناء مؤسسات الدولة. وهذا لا يعني أن كل مسؤول حكومي أو كل حزب فيها فاسد، لكنه يعني أن المسؤولية السياسية تقع على عاتق هذه الأحزاب وقياداتها، بوصفها الجهات التي احتكرت إدارة الشأن العام طوال هذه المدة…

الحكومة الحالية لم يمضِ على تنصيبها إلا أسابيع أو أيام قليلة، لكن الأحزاب الأربعة المكونة لها بدأت مبكراً معركة تكسير العظام مع أحزاب المعارضة (أحدها، بالأمس القريب، كان يشكل معها تحالفاً حكومياً “وثيقاً”)، ويتبادل الطرفان القصف بالاتهامات (الفساد – المخدرات – التواطؤ مع تجار الانتخابات – المال السياسي الفاسد – الصهيونية – التواطؤ مع الفراقشية…).

وتحت قبة البرلمان، قدمت رئيسة الحكومة الحالية وزراءها الجدد، وعرضت تصريحها الحكومي، ووعدت المغاربة بأنها ستكون عند حسن ظنهم (وظنهن)، وأشارت إلى نجاحها في تشكيل تحالف حكومي رباعي قوي ومتماسك، قادر على بناء مغرب متقدم في كل المجالات، يجمع بين تدعيم الدولة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والحكامة (تطوير الإدارة – تكريس المساواة – تخليق الحياة العامة – تعزيز الشفافية – النهوض بقطاعي التعليم والصحة – دعم تشغيل الشباب – تقوية الأمن المائي والطاقي والغذائي…).

هذه الكلمات وغيرها قالها رؤساء الحكومات ممن سبقوا فاطمة الزهراء المنصوري، في مثل هذا اليوم وللمناسبة نفسها. وعندما تستمع إلى ما قالته رئيسة الحكومة، تعرف أنها تريد تطبيق برنامجها، وكأنها لا تعلم أنها على أرض مليئة بالمفاجآت والمتغيرات البيئية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، داخلياً وخارجياً، بل إنها أرض خصبة لنمو المتغيرات.

أليست وزيرة سابقة في الحكومة التي كانت تدبر الشأن العام برئاسة عزيز أخنوش (وزارة الإسكان)، والشأن المحلي (عمدة مراكش)؟ ألم تكن تدافع بشراسة عن البرنامج الحكومي السابق؟ فماذا تغير اليوم عن الأمس؟

تغيرت الخريطة السياسية، وتغيرت التوازنات بين حلفاء الأمس، وظهر حلفاء “جدد” بعد أن فاز حزبها في الانتخابات الأخيرة بالمرتبة الأولى، لتنقلب على حزب رئيس الحكومة السابق، ثم اختارت أن تتحالف مع غريميها، الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، وتقود الحكومة (الجديدة) جنباً إلى جنب مع “حليف” كل الأحزاب وفي كل الحكومات السابقة (حزب الاستقلال)؟؟

الحكومة الجديدة تتحدث في تصريحها الحكومي، وفي ردود وزرائها وأمناء أحزابها، عن العدالة الاجتماعية، وعن دعم الفقراء والأرامل، وعن مجانية الخدمات العمومية، وعن مجانية التعليم والصحة، ومحاربة الإثراء غير المشروع لكسب ثقة المواطنين. غير أن الميزانية المقدمة لنواب الأمة تؤطرها سياسة نقدية ليبرالية، من خصخصة وجذب الاستثمار الأجنبي وحرية السوق، انسجاماً مع “توجيهات” صندوق النقد الدولي… إنها حكومة تحاول إدارة التناقض؛ فشعاراتها ووعودها الانتخابية تجلب الأصوات، وسياساتها اليمينية تجلب المال.

وعلى مستوى التحالف الحكومي، لاحظنا في سلوك الأحزاب السياسية المغربية، خلال هذه المشاورات والتفاهمات والاتصالات التي قادتها فاطمة الزهراء المنصوري:

وجود أحزاب تركض في كل الاتجاهات، فاقدة البوصلة، ومستعدة لتقديم أي شيء لغرض الحصول على قدر من المناصب الحكومية التي تعتقد أنها ستجلب لها مكاسب سياسية واجتماعية!!

حرص عدد من زعماء القوى السياسية على الاشتراك في الحكومة أكثر من حرصهم على نجاح عملية التحول الديمقراطي، لأنهم يسعون نحو السلطة التي يسيل لها لعاب بعض زعماء الأحزاب.

سعي أحزاب المعارضة السابقة نحو الحكومة، بل الهرولة نحوها، فالسلطة والحكم هما مصدر الخيرات والمنافع، ورأت هذه الأحزاب أن تخرج من هذا الموقف وهذا الموقع المعارض للحكومة، لأن الاستمرار في جبهة المعارضة يعني لها الإفلاس السياسي والمادي!!

طغيان وهيمنة ثقافة المحاصصة وتوزيع الحقائب الوزارية، مما أضعف فرص اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب، وجعل بعض المؤسسات أقرب إلى محاصصة سياسية منها إلى أدوات لخدمة المجتمع…

لكن المواطن لا تعنيه المناصب، ولا المحاصصة في توزيع الحقائب التي حصل عليها هذا الحزب أو ذاك، بقدر ما يعنيه أن يجد المستشفى الذي يقدم له خدمة لائقة، ومدرسة تتوفر فيها مستلزمات التعليم، ومؤسسات خدماتية تنجز معاملاته دون تعقيد.

والتوافق الذي لا ينتج خدمات أفضل، ولا يعالج أزمات المواطنين، يفقد قيمته في نظر الشارع. فالاستقرار السياسي لا يتحقق بمجرد توزيع المناصب وإرضاء الأطراف، بل ببناء ثقة حقيقية بين الدولة والمواطن والمجتمع، وأساسها الإنجاز والشفافية والعدالة في إدارة الموارد…

إن المعارضة والحكومة هما قطبان أساسيان في أي نظام حكم، أحدهما موجب والثاني سالب، وهما لازمان لدفع تيار الاستقرار والتقدم لكل عناصر الدولة والمجتمع. وفقدان المعارضة أو ضعفها يعني سيادة الفكر الواحد والرأي الواحد والقطب الواحد.

وتقوم المعارضة، خلال فترة وجودها في البرلمان، بمراقبة أداء الحكومة ومحاسبتها وتقديم برامج بديلة… لكن في السنوات والعقود الأخيرة، رأى بعض السياسيين أنه منذ حكومة التناوب الديمقراطي بهت ضوء المعارضة وضعف دورها، بل بالغوا في الاعتقاد بأن المواطن لا يتفاعل مع المعارضة بقدر تفاعله مع من في الحكومة، إيجاباً أو رفضاً، لأن الحكومة هي من تملك كل شيء، تهب لمن تشاء وتعطي من تشاء وتمنع عمن تشاء…

ويمكن القول إن استمرار واستبداد مفاهيم مثل المحاصصة وتوزيع الحقائب الوزارية على الأحزاب، ومفاهيم التحالف والشراكة والتوافق مع الأحزاب بمختلف تلويناتها اليمينية واليسارية، قد أنهت فكرة المعارضة، وجعلت الجميع يسارع للحصول على حصته، حتى أصبحت المعارضة تعني الخسارة.

لعل أكثر ما ينتظره المغاربة اليوم هو رؤية برنامج حكومي شامل ومتكامل، يمتلك جدولاً زمنياً واضحاً مع مؤشرات أداء قابلة للقياس، بحيث يعرف المواطن ماذا تحقق وما الذي تعثر، مع الشفافية في عرض النتائج. وهذا بالذات هو ما يمكن أن يعزز الثقة بين الحكومة والرأي العام، وليس التوازنات السياسية المرحلية والتكتيكية.

لا شك أن المرحلة الحالية قد تمنح الحكومة فرصة لإثبات أن المحاسبة ليست غاية بحد ذاتها، لذا يجب تعزيز ركائز “الدولة الاجتماعية”، وتعزيز “دولة الحق والقانون والمؤسسات”، واستكمال “المنظومة الوطنية للنزاهة”، و”النهوض بالرأسمال البشري”، و”استرداد الحقوق”، و”تحريك عجلة التنمية”، و”بناء فرص أفضل للحياة والعمل والتعليم”…

أما إذا بقي الخطاب يدور في فلك أخطاء الماضي، دون أن يوازيه تقدم ملموس في الملفات الخدمية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، فقد تجد الحكومة نفسها أمام الأسئلة ذاتها التي وُجهت إلى من سبقوها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *